هل ساهم التناقض الفلسطيني في كشف نوايا العدو؟

في خضم الصراع المستمر منذ أكثر من سبعة عقود، لا تزال الساحة الفلسطينية تعاني منذ أكثر من عشرين عاماً من انقسام سياسي بين نهج التسوية والمفاوضات الذي تمثله السلطة الوطنية الفلسطينية، ونهج المقاومة المسلحة الذي تتبناه حماس وفصائل أخرى. وبينما يُنظر إلى هذا الانقسام غالبًا كأحد أبرز عوامل إضعاف القضية الفلسطينية، بالامكان في لحظة تأمل واقعية، أن نسأل:  هل ساهم هذا الانقسام ، بطريقة غير مباشرة، في فضح نوايا الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه؟

كشف نوايا العدو من خلال التناقض :

في الواقع، هذا التباين قد وفر فرصة تاريخية نادرة لفهم حقيقة إدارة الاحتلال الإسرائيلي للصراع فحين اتجهت السلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير قبلها، نحو خيار السلام، وقدمت الاعتراف بإسرائيل، ووافقت على حل الدولتين، لم يكن  الرد الإسرائيلي  الانفتاح على الحل ، بل المزيد من القمع ، الاستيطان، التهويد، والمماطلة وتشويه السلطة ومحاولة زرع الشقاق بينها وبين الشعب الفلسطيني عبر تشويه آلية التنسيق الامني والتحريض عليها  بسبب التزامها بالاتفاقيات إن كان مع الاحتلال او مع الدول المانحة والضامنة  .

وفي المقابل، عندما تبنّت حماس ومعها بعض الفصائل خيار المقاومة المسلحة ، وواجهت الاحتلال عسكرياً، جاء الرد بجرائم جماعية، وفرض الحصار، واتهامات بالإرهاب، حتى حين طرحت الحركة ومعها الفصائل المسلحة تهدئة طويلة الأمد .

هذه الازدواجية في التعامل من الجانب الإسرائيلي، وداعميه  أيضًا، فضحت ادعاء البحث عن “شريك سلام”، وأكدت أن المشكلة الحقيقية ليست في شكل النضال الفلسطيني وماهيته ، بل في وجود  الحق والشعب  الفلسطيني ذاته .

فشل الرؤية الدولية رغم تنوع الخيارات الفلسطينية :

من وجهة نظر أخلاقية، قد يبدو أن تبني الفلسطينيين لمنهجين مختلفين يُرضي المجتمع الدولي ويمنحه حرية دعم الحلول، لكن ما حدث هو العكس تمامًا:

– من اختار الدبلوماسية وطريق السلام والقانون الدولي تم تجاهله وتشويه صورته .

– ومن اختار المقاومة المسلحة وتعزيز القوة، تم تجريمه واتهامه بالارهاب ومحاصرته .

– ومن سلك طريق التهدئة، لم يُكافأ.

– ومن نادى بالحقوق، تم قمعه إعلاميًا وسياسيًا بل وحتى عسكرياً.

وهنا، تتجلى حقيقة الانحياز الدولي الجائر ، وتتضح ازدواجية المعايير بجلاء: فدولة الاحتلال الإسرائيلي ومن يؤيدها لا يرفضون “طريقة” النضال الفلسطيني فقط ، بل يرفضون  بالاساس  “الحق” والوجود الفلسطيني نفسه.

تشويه السلطة الفلسطينية بهدف تعميق الانقسام حتى على المستوى الشعبي :

عملت دولة الاحتلال الإسرائيلي  على تشويه صورة السلطة الفلسطينية عبر أدوات مدروسة تهدف إلى  تقويض شرعيتها داخليًا ودوليًا، وتقديمها كطرف “تابع وضعيف”، من خلال الآتي:

1. تقليص دورها السيادي على الأرض:

– فرضت إسرائيل على السلطة من خلال الاتفاقيات  وبمشاركة الدول المانحة والضامنة دورًا أمنيًا محدودًا في الضفة الغربية تحت سقف “التنسيق الأمني”، دون صلاحيات سيادية حقيقية.

– النتيجة: بدا أن السلطة تحمي إسرائيل أكثر مما تحمي شعبها، ما أضعف صورتها أمام الفلسطينيين.

2. إفشالها سياسيًا واقتصاديًا:

– كل مبادرة تفاوضية أطلقتها السلطة، نسفتها إسرائيل بالاستيطان، والتهويد ، والاقتحامات، والاغتيالات.

– ومع استمرار الاحتلال، بدت السلطة عاجزة وفاقدة للحلول، ما جعلها تفقد الثقة الشعبية.

3. تشويه صورتها خارجيًا:

– روّجت إسرائيل دوليًا من خلال تعزيز الإنقسام أن السلطة “لا تسيطر على غزة”، و”فاسدة”، و”تُحرّض على العنف”، مستغلة كل خطاب أو موقف.

– دفعت لتحجيم دورها في مؤسسات دولية، وتقديمها كمجرد “جهة إدارية” وليست كيانًا سياسيًا له حق تقرير المصير.

4. المقارنة المتعمدة بينها وبين حماس بعد أن تم توصيف حماس بالأرهاب :

– في كل عدوان على غزة، أظهرت  إسرائيل حماس كخصم شرس وقوي ، بينما أظهرت السلطة كمن لا حول له ولا قوة.

– هذا عزز صورة حماس كمقاومة مسلحة  مع وصمها بالارهاب، وأضعف صورة السلطة كمسار سياسي فاشل وأظهرها كسلطة عاجزة  لاتستطيع ولاتريد وغير قادرة على حماية شعبها .

5. الاختراق الإعلامي:

– استخدمت إسرائيل أدواتها الإعلامية  وبالأخص الناطقة بالعربية !!!  ووسائل التواصل الاجتماعي لزرع الشكوك والتهم بالفساد والعجز داخل السلطة وداخل المجتمع الفلسطيني نفسه، وخلق شرخ ثقة دائم بين السلطة وشعبها.

الهدف الإسرائيلي النهائي: إضعاف البديل السياسي، وتفكيك المشروع الوطني الفلسطيني، وإبقاء الشعب تحت سيطرة منقسمة بلا قيادة موحدة ولا تمثيل جامع.

صمود  غزة  وتماسك السلطة يكشفان هشاشة الاحتلال:

رغم كل ما سبق ورغم الابادة والتدمير والحصار ، لم تنكسر غزة بل عززت مكانتها كجبهة شعب صامد مقاوم . وفي الوقت ذاته، لم تنهار السلطة الوطنية رغم الحصار السياسي والمالي، ورغم محاولات تشويهها بتشويه  ألية التنسيق الأمني ومحاولات احداث شرخ بينها وبين الشعب بتصويرها كفاسدة وعاجزة، بل واصلت حمل ملف فلسطين إلى المحافل الدولية، حتى نالت الاعترافات المتصاعدة.

هذا الصمود المزدوج — الميداني والسياسي — فرض على العالم إعادة النظر، ودفع كثيرًا من الدول إلى دعم الحق الفلسطيني، آخرها قرارات الجمعية العامة وتسونامي اعترافات دول العالم بدولة فلسطين.

  كيف ساهم وجود الاتجاهين في كشف نوايا الخصم؟

1. إحراج إسرائيل :

   – حين ترفض إسرائيل السلام والتفاوض مع السلطة، وتواصل قمعها رغم اعترافها بإسرائيل… 

   –  وتواصل قصف غزة رغم أن حماس عرضت تهدئة طويلة الأمد سابقًا… 

    فإن ذلك يفضح زيف ادعائها أنها تبحث عن شريك للسلام .

2. كشف الكذب الدولي :

   – العالم يدعو الفلسطينيين لنبذ العنف، وعندما تفعل السلطة ذلك… لا يُكافأ الفلسطينيون بشيء.

   – وعندما تقاوم حماس بالسلاح ، يُتهم الفلسطينيون بالإرهاب. 

   –  إذًا، المشكلة ليست في الأسلوب، بل في وجود الحق الفلسطيني ذاته .

3.  تأكيد أن القضية ليست تكتيكًا بل حقًا وطنيًا :

   – وجود فصيلين بنهج مختلف يؤكد أن الكل متمسك بالحق، وإن اختلف الأسلوب.

   على مايبدو فان وجود الاتجاهين الفلسطينيين المتناقضين (نهج المقاومة المسلحة ونهج التسوية) قد أسهم – دون تنسيق – في كشف نوايا العدو الإسرائيلي  ، لكن هذا لا يعني أن الانقسام كان  مفيدا :

– الانقسام يضعف القدرة التفاوضية.

– الانقسام يشكل ثغرة لتلاعب ومكائد العدو .

– يشوّه صورة النضال.

– يخلق تبريرات للخصوم.

– يُشغل الفلسطينيين ببعضهم بدل التركيز على الاحتلال.

وخلاصة القول :

الازدواجية الفلسطينية قد ساهمت مؤقتًا في فضح نفاق العالم، لكنها ليست خيارًا استراتيجيًا .

المطلوب :  وحدة في الهدف، وتكامل في الوسائل، واختلاف مقبول في الأدوات ضمن رؤية وطنية جامعة.

   الانقسام ليس حلاً…  ولا يمكن  أن يكون  أمرًا إيجابيًا من حيث التأثير على وحدة القرار الوطني، لكنه من الناحية السياسية والتكتيكية وبشكل غير مباشر ساهم في فضح الكذب الصهيوني، وتعرية نفاق المنظومة الدولية . لقد كشف أن الصراع لا يتعلق بشكل المقاومة والنضال بل بجوهر الحقوق .

 ما تحتاجه فلسطين حالياً ليس  كشف نوايا العدو  فقد أصبحت واضحة،بل توحيد الصف الداخلي، وإرساء المشروع الوطني الجامع، والقادر على المزاوجة بين السياسة ، والمقاومة، الدبلوماسية والميدان.

 فلا مقاومة تنجح دون شرعية، ولا شرعية تصمد دون دفاع.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *