هل حقاً فاجأكم التطبيع؟

كشفت السنوات العشر الأخيرة عن عمق الفجوة بين الشارع العربي وأنظمته الحاكمة، ليس بسبب سياساتها الخارجية التي لن تختلف في سرّيتها عنها في علنيتها، والتي لم تكن يوماً ضمن اهتمامات هذا الشارع المدرك أنها محكومة بمصالح الزعماء مع الجهات الدولية الراعية لهم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يفسر توقيت إعلان أنظمة الدول التابعة للإدارة الأميركية “علانية التطبيع مع إسرائيل”، حيث تدخل هذه الاتفاقيات ضمن الحملة الإعلانية لإعادة انتخاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بعد سقوطه في المستويين: خارجياً، في قضايا تحقيق العدالة والشرعية الدولية وحماية البيئة وغيرها. داخلياً، في ضمان حقوق المواطنة الأميركية المتساوية، واستحضاره الحرب الأهلية من خلال تصريحاتٍ تستفز واقع التنوع القومي و”اللوني” لعموم الشعب الأميركي، وطريقة تعامله في أهم ملفات الصحة العامة بعد انتشار جائحة كورونا وأرقامها المرعبة في بلاده.

وإذا كانت الخطوات الإماراتية والبحرينية جاءت ضمن سياقٍ متسلسلٍ ومنطقي لتنامي مصالحهما في إعلان الشراكة مع إسرائيل، فإن الأمر الذي يجب الاعتراف به هو عدم حدوث أي مفاجأة، أو حتى أنه أتى من خارج سياق التوقعات الشعبية لمآلات الأحداث، ما يجعل حجم الاستهجان الذي مارسه مثقفون كثيرون على صفحات التواصل الاجتماعي، أو على الصفحات القليلة التي لا تزال تسمح بتداول القضية الفلسطينية في منابرها.

ما جعل الاستغراب هو الأمر الأكثر غرابة من اتفاقيتي التطبيع، وهو لا يتناسب وحقيقة وعي المثقفين أنفسهم أدوار هذه الأنظمة العربية على مدار سنواتٍ في الصمت الممنهج على طمس هوية الصراع العربي – الإسرائيلي، وتسليمه ما سمي محور المقاومة (إيران، سورية، حزب الله) بما يتضمنه هذا التعبير من تحييد كامل لأدوار الدول العربية، وهو ما يجعل هذا الاستهجان الكبير المتداول في غير محله، إلا إذا كان المثقف العربي يعوّل على أدوار كبيرة لهذه الأنظمة في الانتصار لقضية فلسطين على حساب مصالحهم ورعاتهم الدوليين، ما لا يبرّر أن تكون الواقعة صعبة القبول إلى درجة الصدمة منها، على الرغم من ألمها العميق في نفوس أجيالنا التي ولدت وترعرعت تحت ظل أنظمةٍ جعلت من القضية الفلسطينية على مدار عقود قناعاً تحكمنا من خلفه، وتحاكمنا عندما نرى ما هو خلفه أو خلافه.

كانت القضية الفلسطينية، ولا تزال، شعبية عامة، لم تأخذ شرعيتها من طبيعة الأنظمة التي تحكم البلدان العربية، فهي في سورية بقيت قضية أساسية للسوريين، على الرغم من كل الانقلابات التي حكمت سورية منذ تاريخ استقلالها الأول عام 1920، واستقلالها الثاني عام 1946. وعلى الرغم مما بينهما من انتداب وتداول لزعامات سورية كثيرة وثورات شعبية ضد الإحتلال الفرنسي، والانقلابات العسكرية التي حكمت سورية، بقيت القضية الفلسطينية أولوية سورية، كما كانت أولوية عربية، وحقوقية شرعية وفق قرارات أممية كثيرة، ما ينفي أن تتبدّل طبيعتها وأحقيتها مع تبدّل واقع الأنظمة ومدى ارتباط مصائرهم أنظمة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

ولم تغير اتفاقية السلام بين مصر أنور السادات وإسرائيل في رفض الشعب المصري أي عملية تطبيع على أرض الواقع، وبقيت “السفارة في العمارة” معزولة شعبياً، وبقيت قضية إقامة الدولة الفلسطينية واحدةً من أولويات العرب، على الرغم من حالة التفوّق الإسرائيلي في كل مجالات الحياة، في الوقت الذي بقيت الأنظمة العربية تراهن، في بقائها، على مدى قدرتها في عزل مجتمعاتها، وإبعادها عن الاندماج في عملية التنمية السياسية والمجتمعية والاقتصادية التي سادت العالم في العقود الستة الأخيرة، حتى في الدول الغنية التي تحولت إلى مجرّد أسواق استهلاكية. ومع كسر الشعوب حواجز العزلة المفروضة، وانتفاضتها على واقعها، استخدمت الأنظمة اليوم الذريعة نفسها لإعلان تقاربها، بل تماهيها مع المشروع الإسرائيلي في المنطقة، بأنه تحت عنوان التطوير الخدمي والتكنولوجي والاقتصادي.

هل يتناقض التطوير الاقتصادي مع شرعية القضية الفلسطينية؟ وهل كان هم قيام دولة فلسطين العائق في صناعة علم الفضاء أو سباق التكنولوجيا في البحرين والإمارات مع كل ما تملكانه من مقدرات مالية وإبداعات بشرية؟ وهل سيكون السلام المأمول لدول الثورات العربية، ومنها سورية، يتطلب أيضاً هذا الانسياق في المشروع الإسرائيلي؟ وأن الثمن المطلوب لهذا السلام في سورية هو ما ناقشه وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف، في زيارته دمشق أخيرا، بعد غياب ثماني سنوات عنها، ليكون سلاما مقابل خروج إيران من سورية التي أنهت مهمتها في هدر الحق العربي في الصراع مع إسرائيل؟ والسلام هنا يعني بقاء النظام في سدة الحكم، واسترجاع ما تبقى من سورية شمالاً وشرقاً، بعد أن استحوذت موسكو بموافقة أميركية على اتفاقيتها مع الكرد من جهة، ومع تركيا من جهة مقابلة، وهو ما دفع لافروف إلى القول إن الانتخابات الرئاسية “شأن سيادي سوري”. ما يعني أن لعبة اللجنة الدستورية بين النظام والمعارضة مستمرّة، إلى أن تنتهي الدول الراغبة في التطبيع مع إسرائيل من إعلاناتها، لتأتي التسوية السورية في سياق طبيعي، تنهي الدور الإيراني الذي نجح في خلط الأوراق، ووضع المنطقة بين خيارين: إما الاحتلال الإيراني وأذرعه المليشياوية، أو الرضوخ للمشروع الإسرائيلي في المنطقة. وفي الخيارين، تبقى الشعوب العربية خارج المعادلات الدولية، ويبقى الرفض الشعبي هو الذي يعزّز مكانة القضية الفلسطينية، ويحميها من النسيان وسط الانحدار المريع إلى قاع التطبيع الاستفزازي مع إسرائيل، في حين تغيب مشاريع تطبيع الأنظمة مع مواطنيها، حتى في حدودها الدنيا.

العربي الجديد

Author: سميرة المسالمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *