هل تسيء مركزية القضية الفلسطينية إلى قضايا أخرى؟


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

منذ ما يقارب العقدين، ظهرت أصواتٌ تنادي بأولوية بلدانها الوطنية في مواجهة القضية الفلسطينية، “لبنان أولاً”، “سورية أولاً”، “مصر أولاً”… إلخ. وكان الهدف من هذه الشعارات وضع البلد المعني في مواجهة القضية المركزية وإعطاء قضاياه أولوية على كل القضايا الأخرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والتي كان يستهدفها الشعار مباشرة من دون أن يسميها. وكان المعنى الحقيقي لهذه أن على شعوب هذه الدولة أو تلك أن تكفّ عن اعتبار القضية الفلسطينية أولوية على قضاياها الوطنية. ولم يقتصر من تحدّث بهذا المنحى عن أولوية الوطني على القضية الفلسطينية على مؤيدي السلطات فحسب، بل تحدث عديدون من المعارضين للسلطات بهذا المنحى من التركيز على القضايا الوطنية أيضاً، مطالبين بالكفّ عن النظر إلى القضية الفلسطينية بتفضيل على القضايا الوطنية. وبدا في تلك الأيام كأن وطنياتٍ جديدةً تولد في المنطقة تسعى إلى تهميش القضية الفلسطينية.
مع ثورات الربيع العربي، ومع سقوط العدد الهائل من الضحايا في الصراعات في بلدان الربيع العربي، خصوصا سورية، ولدت فكرة مشابهة من التقليل من مركزية القضية الفلسطينية بسبب المآسي التي شهدتها دول الربيع العربي، فعادت النغمة إلى القول، هذه المرّة، إن الفلسطينيين لم يعودوا يحتكرون مكانة الضحية في المنطقة، لقد دفعت شعوب المنطقة عدداً هائلاً من الضحايا في مواجهة الاستبداد، يفوق ما دفعه الفلسطينيون في مواجهة الجريمة الصهيونية. ومرّة أخرى، يتم الوصول إلى النتيجة نفسها أن القضية الفلسطينية لم تعد القضية المركزية في المنطقة، طالما أصبح هناك ضحايا أكثر في بلد آخر. 
والمرّة بعد المرّة يخرج صوتٌ من هنا أو من هناك، يعيب طريقة التفكير السائدة في المنطقة التي تعطي القضية الفلسطينية مكانة مركزية، على رغم المآسي التي تشهدها المنطقة، والتي تجاوزت مأساويتها الكارثة الفلسطينية.

القضية الفلسطينية أكثر قضية عادلة جرى استخدامها وتوظيفها في تبرير القمع والاستبداد في المنطقة من السلطات الحاكمة

ما جرى خلال عقد ثورات الربيع العربي المنصرم، وخصوصا في سورية، همّش موضوعياً القضية الفلسطينية، مثلما همّشتها حوادث كبرى في تاريخ المنطقة سابقاً، مثل حربي الخليج الأولى والثانية وغيرهما من القضايا الأخرى. 
أعتقد أن ما يعيب هذه المقاربة ويجعلها تتمركز على الذات منتجة ضرراً مباشراً لقضاياها، كما تُنتج ضرراً للقضية الفلسطينية ومركزيتها، وهي أنها، اولا، تضع معاناة ضحايا في مواجهة معاناة ضحايا آخرين، وأنه يجب أن تكون هناك أولوية لقضية ضحايا على حساب قضية ضحايا أخرى، في قضيتين عنوانهما الرئيس الوقوع  تحت الظلم والافتقاد للعدالة والإنصاف. وثانياً، بالعودة إلى مركزية القضية الفلسطينية، يمكن القول إنها أكثر قضية عادلة جرى استخدامها وتوظيفها في تبرير القمع والاستبداد في المنطقة من السلطات الحاكمة، وكانت ذريعة الديكتاتوريات التي ادّعت القومية في ارتكاب الجرائم الكبرى بحق شعوبها. هذا وكثير من الكلام الذي يُقال عن الاستخدامات القذرة للقضية الفلسطينية صحيح. لكن هذا لا يغير من عدالتها، ولا يغير من مركزيتها.
إذا كان من يقولون بمثل هذا الرأي لا ينكرون عدالة القضية الفلسطينية، إنما يساوونها بغيرها من القضايا في المنطقة، التي شهدت فيها شعوب أخرى أبشع أنواع الاضطهاد، فكل هذا صحيح، ولكن ما علاقة هذا بمركزية القضية الفلسطينية، هل كانت هذه المركزية هي التي تسبّبت في هذه المآسي؟! وهل القضية هي من جلب الديكتاتوريات إلى دول المنطقة؟
أعتقد أن هناك تفسيراً موضوعياً لمركزية القضية الفلسطينية بالنسبة لقضايا المنطقة، وهذا لا يعني أنه يجب الاهتمام بالقضية الفلسطينية على حساب القضايا الأخرى، أو وضعها في مواجهة القضايا الأخرى، كما يفعل أصحاب وجهات النظر هذه، وبعيداً عن الحمولة الأيديولوجية، وبعيداً عن أي كلام فلسطيني عن استثنائية الحالة الفلسطينية.

ليس على إحدى الضحايا، مهما كانت، وكائنة من كانت، أن تطأطئ رأسها لأجل ضحايا آخرين لهم أولوية عليها

لا تأتي مركزية القضية الفلسطينية من مكانة الفلسطينيين في المنطقة، بل من مكانة إسرائيل، بمعنى آخر، تأتي من الدور الرئيسي لإسرائيل في المنطقة وعدوانيتها المتجاوزة للفلسطينيين، وبالتالي، لا يمكن التعامل مع هذا الدور وتعديله وتعديل عدوانيتها من دون حل القضية الفلسطينية، التي يُفترض على الأقل، لا أن تعيد جزءاً من الحقوق الوطنية إلى الفلسطينيين وحسب، بل ستكون وحدها الكفيلة بتعديل السياسات الإسرائيلية وتحويل إسرائيل ذاتها إلى دولةٍ طبيعيةٍ في المنطقة، دولة لا تجلس وتُجلس المنطقة على الحراب. بمعنى آخر، لو أقامت إسرائيل دولتها في موريتانيا، كانت القضية الموريتانية هي القضية الرئيسية في المنطقة بفعل مركزية إسرائيل ودورها الكبير في المنطقة، ولكان في وسع الفلسطينيين أن يعيشوا في ظل ديكتاتورية شبيهة بصدّام حسين أو بشار الأسد ويُذبحوا على يد هذا الديكتاتور ولا أحد يهتم لدمائهم، مثلما حصل للشعوب العربية الأخرى.
ليس على إحدى الضحايا، مهما كانت، وكائنة من كانت، أن تطأطئ رأسها لأجل ضحايا آخرين لهم أولوية عليها، ولا من أجل مركزية القضية الفلسطينية ولا من أجل أي قضية أخرى، ولا أعتقد أن من المجدي النقاش بشأن الجرائم التي تحصد الكم الأكبر من الضحايا، وتجعل الجرائم التي عدد ضحاياها أقل، أقل وطأة، وقابلة للبلع. كل الجرائم متساوية في انتهاكها حياة البشر، وكل دم بشري حتى لو كان لشخصٍ واحد يسيل ظلماً جريمة كبرى.
على كل حال، مرّة أخرى أقول إن القضية الفلسطينية استُخدامت للتغطية على جرائم ارتكبتها أنظمة ديكتاتورية، لكن هذا الاستخدام لا يفقدها عدالتها، ولا يصحّ أن نضع ضحاياها في مواجهة ضحايا ديكتاتوريات المنطقة. أعتقد أن قضايا الظلم تنتمي إلى بعضها بعضا، والضحايا هم الضحايا، وعليهم أن يتضامنوا، لا أن يُوضع ضحايا في مواجهة ضحايا آخرين، والجدل حول أيهما ضحية أكثر وأيهما ضحية أقل يخدم الجلادين على اختلاف طيفهم، والنقاش بهذه الطريقة يجعل إسرائيل تبدو في صورة العدو الرحيم، أمام جرائم الحكام “الوطنيين”.

عن العربي الجديد

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: سمير الزبن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *