هل تتحرر اللجنة الوطنية لإدارة غزة من القيود التي فُرضت عليها؟


بعد يوم من غارات جوية إسرائيلية على قطاع غزة أسفرت عن استشهاد 32 شخصاً، من بينهم عدد من النساء والأطفال، أُعلن عن فتح معبر رفح في الاتجاهين، وبات من المتوقع أن يدخل إلى القطاع المنكوب، خلال الأيام القريبة القادمة، رئيس وأعضاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
هل سيقتصر دور اللجنة الوطنية على مجرد موزع خدمات؟
يشهد المحللون بوطنية رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة وأعضائها، ويقدّرون شجاعتهم في مواجهة التحديات والمخاطر التي ستواجههم في عملهم، لكنهم يعتبرون أن هذه اللجنة، التي ستخضع لإشراف مجلس تنفيذي منبثق عن “مجلس السلام” برئاسة دونالد ترامب، يديره الديبلوماسي البلغاري السابق نيكولاي ملادينوف، قد أُفرغت من أي مضمون سياسي، وهو ما يشكّل أحد أبرز نقاط ضعفها.
فالباحثة يارا هواري، المديرة المشاركة لـ “شبكة السياسات الفلسطينية”، قدّرت أن خطة دونالد ترامب بخصوص مستقبل قطاع غزة أفضت إلى “تشكيل لجنة فلسطينية تكنوقراطية وغير سياسية ستكون مسؤولة عن إدارة قطاع غزة”، و”ستخضع أنشطة هذه اللجنة لإشراف مجلس السلام الذي يرأسه دونالد ترامب ويتألف من عدة رؤساء دول وحكومات”، ملاحظة أن “أكثر ما يلفت النظر في خطة ترامب لغزة هو الغياب التام لأي نقاش حول السيادة الفلسطينية”، ذلك أنه “تم استبعاد الفلسطينيين من أي عملية صنع قرار مهمة، مما يحرم سكان غزة فعلياً من أي قدرة على العمل السياسي ويخضعهم مرة أخرى لسيطرة استعمارية خارجية”، وأضافت أن دور هذه اللجنة سيقتصر على “دور مزود خدمات يعمل تحت إشراف استعماري، وهذا الترتيب يؤجل فعلياً أي حل سياسي إلى أجل غير مسمى؛ والأسوأ من ذلك، أن هذا الترتيب، بترويجه للحكم التكنوقراطي على حساب العدالة وتقرير المصير والمساءلة، يديم الظروف الهيكلية التي تجعل الإبادة الجماعية ممكنة”. ووجهت هواري دعوة إلى المجتمع المدني الفلسطيني، والحركات الشعبية، والمنظمات السياسية والجهات الفاعلة في التضامن الدولي، إلى “رفض الأطر غير المسيسة التي تعمل دون وقف فوري ودائم لإطلاق النار”، و”المطالبة بضمانات ملزمة ضد أي استئناف للهجمات العسكرية والمساءلة عن الإبادة الجماعية”[1].
أما يزيد صايغ، الباحث الرئيسي في “مركز مالكولم هـ. كير كارنيجي للشرق الأوسط”، فقد استشهد بالباحثة المختصة بدراسة أوضاع قطاع غزة سارة روي التي رأت أن “استبعاد الفلسطينيين كجهات فاعلة ليس لها أي سيطرة سياسية يحرمهم من حق تقرير مستقبلهم”، بحيث يصبح “أفضل ما يمكن أن يأملوا فيه هو مقايضة تقرير المصير بمشاريع بناء وقبول الفصل العنصري بدلاً من الإبادة الجماعية”. واعتبر أن نقطة الانطلاق الأولى لتجاوز هذا القصور تتمثل “في ممارسة ضغط سياسي على أولئك الذين يزعمون الوصاية على غزة لكي يهيئوا الظروف التي تسمح للجنة التكنوقراطية الفلسطينية بالحصول على حضور حقيقي على الأرض وضمان إدارة فعالة وتوفير الخدمات الأساسية للسكان”. وبعد أن طرح أربعة شروط أساسية لضمان قيام اللجنة الوطنية بإنجاز المهام الملقاة على عاتقها، وهي “حماية كامل الجهاز المدني لتقديم الخدمات من الهجمات الإسرائيلية”، و”توظيف آلاف من مقدمي الخدمات العامة الذين كانوا يعملون في ظل حكومة حماس السابقة”، وتمكين اللجنة “من استيراد الآلات والوقود والسلع الأخرى – مثل الأدوية وفلاتر المياه وما إلى ذلك – من أجل إعادة الخدمات المدنية الأساسية”، و”البدء في إصلاح وإعادة بناء المدارس والمستشفيات والمساكن، فضلاً عن إنعاش الأسواق المحلية”، خلص إلى أنه “حتى في ظل هذه الظروف، فإن استدامة نهج ترامب لإعادة السلام والأمن إلى غزة، وكذلك لإعادة إعمارها، تتطلب توسيع منطقة السيطرة الإقليمية للسلطة الوطنية الفلسطينية لتشمل غزة بأكملها”[2].
والواقع أن إبراز نقطة الضعف هذه في هيكلية اللجنة الوطنية لإدارة غزة لم يقتصر على الباحثين، بل شمل كذلك عدداً من السياسيين، ومنهم بسام الصالحي الأمين العام لحزب الشعب الفلسطيني وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي أشار في مناسبات عديدة مؤخراً إلى أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة التي ارتبطت بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولدت جراء الرفض الإسرائيلي، المدعوم من الولايات المتحدة، لأي صيغة توحد الضفة والقطاع في إطار واحد، و”لم تأتِ استجابة للحقوق الوطنية الفلسطينية، بقدر ما كانت نتيجة توازنات قوى فرضتها الحرب التي تعرض لها قطاع غزة، في ظل عجز المجتمع الدولي عن وقفها”، بحيث تمثل “وفق الھیكلیة التي وُضعت لھا، مجرد ذراع إداري”، یخضع بالكامل “للمفوض السامي ولمستویات علیا في مجلس السلام”، ويمنع علیه “التدخل في أي شأن سیاسي، ما یعني عملیاً سحب أي مضمون سیاسي منه”، لكنه قدّر، مع ذلك، أن القبول الفلسطيني بهذه اللجنة “جاء بدافع الحرص على عدم منح إسرائيل أي ذرائع إضافية لإطالة أمد معاناة المواطنين في قطاع غزة”، وأن وجود لجنة “بتوافق وطني وفصائلي أفضل من لا شيء”، وخصوصاً في ظل الحاجة الملحة لمعالجة تداعيات الحرب الإسرائيلية على حياة الناس اليومية، مؤكداً “أن نجاح أي جهد إداري أو إغاثي يبقى مرهوناً باتخاذ إجراءات عاجلة، في مقدمتها إعفاء سكان قطاع غزة من جميع الالتزامات المالية المترتبة عليهم باعتبار القطاع منطقة منكوبة”. وشدّد الصالحي على أن جوهر أي معالجة فلسطينية حقيقية يبقى في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وعلى أنه “لا يمكن لأي إجراءات أن تلغي واقع وحدة الشعب الفلسطيني في غزة والضفة وكافة أماكن وجوده، أو تطمس حقه المعترف به دولياً في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة التي حازت اعترافات دولية واسعة”[3].
هل تتحرر اللجنة الوطنية من القيود السياسية؟
ستكون المهمة الأولى للجنة الوطنية لإدارة غزة تقديم المساعدة الطارئة للسكان، وتوفير مساكن مناسبة لهم، وتقديم الخدمات الأساسية لهم، على طريق إعادة إعمار قطاع غزة، الذي دمرت بناه التحتية جراء عامين من القصف الإسرائيلي. ويقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن هذا القصف قد تسبب في 68 مليون طن من الأنقاض.
في حديث أجراه مع راديو “بسمة” في الضفة الغربية، لدى الإعلان عن تشكيل اللجنة، أوضح رئيسها علي شعث أن أولوية اللجنة تأمين المسكن وظروف المعيشة الكريمين للفلسطينيين في القطاع، بالتوازي مع بدء تأهيل البنية التحتية ثم إعادة الإعمار، وأشار إلى أن التوجه هو “توفير مبان مسبقة الصنع ومزودة بالخدمات الصحية وتسكين الغزيين – مرحلياً – في مراكز إيواء محددة على خرائط وفق دراسات ومساحات معروفة”، وهذا بالتزامن “مع إزالة الركام بإعادة تدويره في مدة لا تتجاوز ثلاثة أعوام سواء بنقله إلى البحر أو إعادة استخدامه بواسطة كسارات في البناء والبنية التحتية”. وذكر أن اللجنة “تم اختيار أعضائها بتوافق عربي وفلسطيني، وستعمل بتكامل مع السلطة الفلسطينية في إعادة البناء”، وأضاف أن صلاحيات اللجنة “تبدأ بنحو 50% من القطاع وهي خارج الخط الأصفر (المناطق التي لا تخضع لسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي)، وتتسع مع اتساع الانسحاب الإسرائيلي التدريجي في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار إلى شرق حدود القطاع”، وشدّد على أنه “لا علاقة للجنة بالشأن السياسي أو العسكري بما في ذلك إمكانية خرق اتفاق وقف إطلاق النار، والتي هي من اختصاص مجلس السلام”. وحرص على التأكيد على أن المسائل الأمنية والتنسيق مع الفصائل المسلحة ليسا من اختصاص اللجنة، مشيراً إلى ضرورة عودة السلطة الفلسطينية إلى حكم قطاع غزة على قاعدة “قانون واحد، سلطة واحدة وسلاح واحد”[4]. وهذا يعني بوضوح أن هذه اللجنة الوطنية لا تملك الصلاحيات للبحث في قضية نزع السلاح الفلسطيني من قطاع غزة.
بيد أن من الواضح أن حكومة بنيامين نتنياهو وإدارة دونالد ترامب ستستغلان قيام هذه اللجنة من أجل تكريس الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والاستمرار في تهميش الدور المركزي للسلطة الفلسطينية، الذي غاب عن الخطة الأميركية، وإبراز اللجنة الوطنية لإدارة غزة بصفتها “ممثلاً” للفلسطينيين وإحياء الصوت الفلسطيني على الساحة الدبلوماسية من خلالها[5]، وهو ما يفسر قيام الرئيس دونالد ترامب بدعوة الدكتور علي شعث، رئيس اللجنة، للمشاركة شخصياً في منتدى دافوس الاقتصادي، وهي الدعوة التي رفضها هذا الأخير واكتفى بتوجيه كلمة إلى المنتدى عبر الفيديو كونفرانس.
والواقع، أنه قد يكون في مقدور اللجنة الوطنية لإدارة غزة إفشال هذا التوجه الإسرائيلي-الأميركي، وذلك من خلال التمسك بوحدة الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتأكيد على أن مرجعيتها، في إنجاز مهامها الإغاثية وفي بلورة خطة إعادة الإعمار، هي حكومة السلطة الفلسطينية برئاسة محمد مصطفى، وأن المهام الإدارية المؤقتة التي تضطلع بها يجب أن ترتبط بأفق سياسي واضح، وأن الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني هو منظمة التحرير الفلسطينية. ويمكن لرئيس وأعضاء هذه اللجنة أن يستلهموا، في موقفهم هذا، الدرس الذي خلفه الدكتور الراحل حيدر عبد الشافي، الذي نجح، على الرغم من القيود التي فرضها الإسرائيليون والأميركيون على الوفد المفاوض الذي ترأسه إلى مؤتمر مدريد، في أن يكرس استقلالية الوفد الفلسطيني، ضمن الوفد الأردني-الفلسطيني المشترك، وأن يحبط محاولات الانتقاص من وحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج على السواء.
التحرر من قيود “رأسمالية الكوارث”
في مقال نشره في 24 كانون الثاني/يناير الماضي، أشار الكاتب الهندي رانجان سولومون إلى أن “أي نقاش جاد حول مستقبل غزة يجب أن يبدأ بوقف إطلاق النار، وإنشاء آليات للمساءلة، واستعادة الحكم الذاتي السياسي للفلسطينيين، إلا أن مجلس ترامب يبدأ من نقطة أخرى، فهو ينطلق من المال والسلطة والسيطرة”، وهو ما يكشفه هيكل المجلس: “فالعضوية فيه مُصنّفة حسب المساهمة المالية، ولا تُجدّد ولايته عبر مراجعة جماعية أو تفويض دولي، بل وفقاً لتقدير الرئيس، ولا يُذكر الفلسطينيون كشركاء أو صانعي قرار أو حتى مشاركين رسميين، وتُقدّم غزة كمساحة تحتاج إلى الاستقرار والإدارة وإعادة البناء، لا كمجتمع له الحق في تقرير مصيره؛ هذا حكم بلا رضا، وسلطة بلا مساءلة، وسلام بلا شعب”، وأضاف “أما ما يُغفله ميثاق المجلس، فهو لا يقلّ غرابةً، إذ لا أساس له في القانون الدولي، ولا إشارة إلى اتفاقية جنيف الرابعة، ولا اعتراف بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تُؤكّد حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ولا احترام لمحكمة العدل الدولية أو تدابيرها المؤقتة”؛ كما “يغيب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشكل ملحوظ، وهذا الغياب مقصود؛ ذلك أن وجود إطار عمل أممي من شأنه أن يفرض التزامات قانونية، ويضمن الشفافية، ويحد من سلطة الدولة، وتسعى إدارة ترامب إلى الالتفاف على هذه القيود الثلاثة”[6].
في الكلمة التي ألقاها أمام منتدى دافوس الاقتصادي، في 22 كانون الثاني/يناير الفائت، كشف جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب وأحد المخططين الرئيسيين لمستقبل قطاع غزة، عن خطته لـ “غزة جديدة”، فصرّح بأن قطاع غزة يمتلك “إمكانات استثنائية” قادرة على تحويل القطاع إلى “مركز اقتصادي جاذب”، يستضيف “صناعات مبتكرة”، ويحقق “صفر بطالة”، وذلك شريطة ضمان استقرار أمني دائم، ونزع الأسلحة من القطاع باعتبارها تشكل “العقبة الرئيسية أمام تطلعات سكان غزة”. وشجع كوشنر المستثمرين، الدوليين والمحليين، على الاستعداد لاغتنام الفرص التي قد تظهر في قطاع غزة، داعياً شركاء الولايات المتحدة في “مجلس السلام” إلى “تجاوز تردداتهم وخلافاتهم”، وقال للحضور: “امنحونا 30 يوماً من الهدوء لنعمل معاً”، مؤكداً أن الهدف الأسمى للمبادرة الأميركية “يبقى إرساء سلام دائم بين إسرائيل والشعب الفلسطيني”. ووصف جاريد كوشنر “غزة الجديدة” بأنها “أمل” وربما “وجهة”، مؤكداً إيمانه “بأن التحولات التي كانت تُعتبر مستحيلة قبل فترة وجيزة يمكن أن تصبح واقعاً”، وعرض “رسماً تخطيطياً لعشرات الأبراج السكنية ذات الشرفات المطلة على ممر مظلل”، ووعد بأن هذا المشهد سيحل محل الأنقاض التي خلفتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، مؤكداً أنه “في الشرق الأوسط، يبنون مدناً كهذه، تتسع لمليونين أو ثلاثة ملايين نسمة، وينجزون ذلك في ثلاث سنوات”. وقدّر أن إعادة بناء البنية التحتية والخدمات العامة في الأراضي الفلسطينية سيتطلب 25 مليار دولار، متوقعاً انه في غضون عشر سنوات، “سيصل الناتج المحلي الإجمالي لغزة إلى 10 مليارات دولار، وسيبلغ متوسط دخل الأسرة 13 ألف دولار، بفضل التوظيف الكامل بنسبة 100% وتوفير فرص متكافئة للجميع”. وصرح جاريد كوشنر، أخيراً، بأن اللجنة الوطنية لإدارة غزة، قد “تلقت عرضاً من مطوّر العقارات الإسرائيلي ياكير غاباي”، وهو عضو في المجلس التنفيذي لـ “مجلس السلام”، وقال لوكالة فرانس برس: “لقد تطوع [غاباي] ليس طمعاً في الربح، بل انطلاقاً من قلبه”. أما رئيسه دونالد ترامب، صاحب مشروع “الريفييرا”، فصرّح في دافوس بأنه سيحقق “نجاحاً كبيراً في غزة، وسيكون من الرائع رؤية ذلك”، وأضاف: “أنا مطوّر عقاري في صميمي… وقلت: انظروا إلى هذا الموقع المطل على الشاطئ، انظروا إلى هذه الأرض الرائعة، وما يمكن أن تُشكّله للكثيرين”[7].
والواقع، أن خطة جاريد كوشنيرهذه تندرج ضمن ما أطلقت عليه الباحثتان نور عرفه وماندي تيرنر اسم “رأسمالية الكوارث”، التي تهدف إلى “إنشاء هيكل حوكمة يحرم الفلسطينيين من أي قدرة سياسية، ويجعل عملية إعادة الإعمار تقوم على عملية استيلاء على الأراضي، واستخراج الموارد، والمضاربة المربحة، وفرض إجراءات أمنية للحفاظ على سيطرة سياسية واقتصادية مستدامة من قبل إسرائيل وحلفائها”. ففي مقال بعنوان “تدمير المجتمع المحلّي وإضعافه وتجريده من الملكية: رأسمالية الكوارث ومخطّطات ما بعد الحرب في غزة”، رجعت الباحثتان إلى كتاب ناعومي كلاين “عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث”، الذي قدّرت فيه أن النزاعات والكوارث الطبيعية وغيرها من الأزمات، يمكن “أن تنتج بيئة مؤاتيه للنخب السياسية والاقتصادية لإضعاف المجتمعات المحلية وتجريدها من الملكية”، بحيث تسيطر هذه النخب “على أموال إعادة الإعمار واستغلالها، وتمنحها الفرصة للاستيلاء على الأراضي والموارد الطبيعية وخصخصة الخدمات”، وقدّرتا أن غزة “تواجه خطر أن تصبح مثالاً جديداً على رأسمالية الكوارث”، بحيث تنشأ “بنية حوكمة تَحرم الفلسطينيين من الاضطلاع بدور سياسي فاعل ومن التحكّم بمستقبلهم؛ والشروع في الاستيلاء على الأراضي واستخراج الموارد، والانتفاع من مشاريع إعادة الإعمار؛ وفرض ترتيبات أمنية توفّر الشروط اللازمة لاستمرار الهيمنة السياسية والاقتصادية لإسرائيل وحلفائها”. ولا تستبعد الباحثتان أن “تتّخذ رأسمالية الكوارث في هذا السياق خصائص فريدة، أبرزها خطر التطهير العرقي لسكّان غزة”. وبعد أن حذرتا من خطر هذه الرأسمالية، طرحتا ثلاثة مبادئ رئيسية تضمن إنجاز عملية إعادة إعمار مستدامة وأخلاقية، وتتمثّل أولاً في ضمان حقّ الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، بحيث ترتبط أي خطة “لليوم التالي” بعملية سياسية أوسع تهدف إلى وقف الحصار غير القانوني الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، وإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية، مع الاعتراف بحقّ الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، ونيل الحرية والعدالة؛ وثانياً، في تمكين الفلسطينيين من الاضطلاع بدور فاعل على الصعيد المحلّي، بحيث تقوم المؤسسات الفلسطينية المتجذّرة في المجتمع المحلّي بالتخطيط لجهود إعادة الإعمار على المدى القريب والمتوسط والبعيد وتنفيذها، ويشمل ذلك ضمان قدرة الفلسطينيين على تحديد كيفية تخصيص الأموال، وتوزيع العقود، والتحكّم بعمليات اتّخاذ القرار؛ وثالثاً، في إعادة هيكلة المساعدات الدولية لتفادي مشكلة عدم التنسيق والتنافس بين الجهات المانحة، وضمان أن يكون دعم الجهات المانحة مُنسَّقاً مع القيادة الفلسطينية، ويساعد هذا النمط من التنسيق على منع تحوّل المساعدات إلى أداة للهيمنة الخارجية بدلاً من أن تكون وسيلة حقيقية للتعافي”. وخلصت الباحثتان إلى أن استناد عملية إعادة إعمار غزة “إلى مبادئ تقرير المصير، والمشاركة الشاملة، والدعم الدولي الخاضع للسيطرة المحلّية، فد تُشكّل نموذجاً بديلاً يضع التعافي الحقيقي في صدارة الأولويات، بدلاً من الاستغلال؛ وبما أن ما يحدث في غزة لن يبقى محصوراً فيها، فإن تنفيذ عملية إعادة إعمار ناجحة هناك لن يكون شأناً فلسطينياً فحسب، بل سيكون قضية عالمية أيضاً”[8].
وعليه، يصبح أحد التحديات الكبيرة التي ستواجهها اللجنة الوطنية لإدارة غزة هو التصدي لخطة الإعمار الكارثية التي رسم جاريد كوشنر خطوطها العريضة، والتمسك – كما أكد على ذلك الدكتور علي شعث نفسه – بخطة إعادة الإعمار التي وضعها البنك الدولي ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، ووزارة الأشغال الفلسطينيتين، على أن يتم تمويلها من صندوق خاص لإعادة الإعمار في البنك الدولي وتحت إشرافه.
[1] https://www.association-belgo-palestinienne.be/comite-national-pour-ladministration-de-gaza-quand-la-technocratie-devient-un-outil-de-gestion-du-genocide/
[2] https://www.lorientlejour.com/article/1493334/combler-les-failles-du-plan-trump.html
[3] https://qudsnet.com/post/566864/%D8%A8%D8%B3%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A-%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%AC%D8%B3%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%85-%D9%87%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D8%A5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D9%88%D8%A5%D8%B9%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%83%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D8%A7%D8%AC%D9%84-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%AD%D8%AA%D9%85%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A3%D8%AC%D9%8A%D9%84
[4] https://nabd.com/s/166648286-4aaf06/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88-..-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A9-%D8%A5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D9%8A%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%AB-%D8%B9%D9%86-%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D9%84-%D9%88%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1
[5] https://www.institutmontaigne.org/expressions/le-conseil-de-la-paix-et-ses-consequences-gaza-et-au-moyen-orient
[6] https://ismfrance.org/index.php/2026/01/26/acheter-la-paix-vendre-gaza-le-conseil-de-la-paix-de-trump-et-la-marchandisation-des-ruines/
[7] https://french.ahram.org.eg/News/77487.aspx
[8] https://hadarat.net/post/63607/%D8%AA%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%84%D9%8A-%D9%88%D8%A5%D8%B6%D8%B9%D8%A7%D9%81%D9%87-%D9%88%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D9%87-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%B1%D8%A3%D8%B3%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%AB-%D9%88%D9%85%D8%AE%D8%B7%D8%B7%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%BA%D8%B2%D8%A9
عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية