لعقود ممتدة من عمر الكفاح الفلسطيني، وحين كانت منظمة التحرير قوية، وفاعلة، ومؤثرة في الساحة الدولية، وللفصائل الوطنية حضورها في الساحة الفلسطينية، لم يكن أحد ليتجرأ على الإعلان عن خيانته.. حتى المطبعين في الدول العربية لم يتجرؤوا على الحق الفلسطيني كما يفعلون الآن..

في داخل الأرض المحتلة كانت تجري معركة ضارية في السر والعلن بين القوى الوطنية مدعومة من منظمة التحرير من جهة، وبين العملاء والجواسيس المدعومين من إسرائيل وأجهزتها الأمنية في الجهة المضادة.. ورغم تفوق إسرائيل العسكري والتقني، وسيطرتها الكاملة على الأرض والناس.. إلا أنها عجزت عن إيجاد ميليشيات موالية لها (مثل جيش لحد في الجنوب، أو جيش البوريهات الخضر في فيتنام)، وفشلت في تحويل الجواسيس إلى ظاهرة مقبولة اجتماعيا.. ربما تمكنت من فرض أسماء معينة (من عملائها)، وهؤلاء، وربما حتى نهاية السبعينيات، استطاعوا فرض أنفسهم على المجتمع، تارة بالقوة والسلاح، وتارة بالابتزاز، عن طريق الخدمات التي كان المواطنين يحتاجونها بشدة (تصاريح، فرص عمل، إزالة منع أمني، رخص..)؛ بيد أنه مع تزايد قوة الفصائل الوطنية، وحضورها المتنامي بين الجماهير، وممارستها الكفاح المسلح، وبقوة التأييد الشعبي لها، تمكنت من إرجاع هؤلاء الجواسيس إلى جحورهم، وعزلهم مجتمعيا، وفضح خيانتهم..

قبل أيام، قامت مجموعة معروفة بمشاريعها المشبوهة بدعوة غلاة المستوطنين إلى مائدة إفطار رمضانية في الخليل.. كيف تجرؤوا على هذه الفعلة المنكرة؟ كيف وصلت بهم الوقاحة إلى هذا الحد؟ لماذا لم تجابَه خطوتهم برد شعبي وفصائلي ورسمي يتناسب مع مستوى الجريمة؟! ما الذي حدث؟! كيف وصلنا إلى هذا الحضيض؟!

سابقا، وفي ظل الحضور القوي للروح الوطنية، كان للعشائر الفلسطينية دورا مهما وأساسيا في الكفاح الوطني، كانت العشيرة تتباهى بتضحياتها، وتتفاخر بأبنائها الشهداء، والأسرى.. وإذا تساقط أحد أبنائها في العمالة، سرعان ما تتبرأ منه على الملأ.. كانت العشيرة الفلسطينية حاضنة للقوى الوطنية، وللفعل الوطني.. ولم توفر أي حماية لمن يشق الصف، أو يخرج عن الإجماع الشعبي.. وهذه ميزة إيجابية للعشيرة..

لكن، مقابل تلك الميزة، والتي تشترط سيادة الروح الوطنية على المجتمع، سنجد ما لا حصر له من السلبيات.. خاصة عندما أخذت العشيرة بالتغول على المجتمع، وعندما أصبحت القبيلة فوق القانون، أو بديلا عنه، وعندما صارت القبلية هي معيار الانتماء، بدلا عن الهوية الوطنية الجامعة.. فأصبحت القبيلة ملاذا لكل أبنائها: الصالح والطالح.. توفر الحماية للثائر والجاسوس على حد سواء.. للشريف المضحي، وللعميل الخسيس.. بنفس الدرجة.. لأن المعيار هو رابط القبيلة والقبلية..

ولكن، كيف حلت القبيلة بدلا من وحدة المجتمع، وسحقت مفهوم المواطَنة؟

لا نستطيع إغفال حقيقة وجود القبيلة في تركيبة المجتمع منذ أقدم الأزمنة.. القبيلة عمرها في المجتمعات العربية آلاف السنين.. أما مفاهيم الدولة والمواطَنة وسيادة القانون والروح الوطنية.. فلا يتعدى عمرها نصف القرن (بالنسبة للمجتمعات العربية).. هذا إذا افترضنا أنها تغلغلت في الثقافة المجتمعية، وتمكنت من فرض نفسها في الدساتير والأنظمة الداخلية للأحزاب والجمعيات وسائر مؤسسات المجتمع المدني..

بدأ مسلسل التهاوي والانهيار بخطوات بسيطة، استهان بها البعض آنذاك، لكنها سرعان ما تدحرجت ككرة الثلج..

بدأ التراجع عندما قبلنا بالصلح العشائري بديلا عن القانون المدني..

• عندما قام بعض رجالات السلطة، وقيادات الأحزاب، وحتى مثقفون بلبس العبايات، وشاركوا في العطوات وصكوك الصلح القبلية..

• عندما حلت السلطة مشكلتها مع تجمع بدوي من خلال صك صلح عشائري..

• عندما اختارت الفصائل والأحزاب مرشحيها للانتخابات، واختارت الحكومة وزراءها بناء على الاعتبارات القبلية، والمناطقية.. فسادت تلك المفاهيم والتصنيفات، وحلت محل مفاهيم الكفاءة والنزاهة، وصارت بديلا عن القيم الوطنية والثورية..

• عندما تخلت السلطة عن دورها لصالح المخاتير وأصحاب الجاهات..

• عندما لم تحصّن السلطة القضاء، ولم توفر له الدعم اللازم، فضعف دوره، وقلت هيبته..

• عندما ترهلت فتح، وتقلص اليسار، وتراجع دور الفصائل الوطنية، وخبا حضورها، وصار المجتمع يميل للمحافظة والتدين الشكلي، وصارت الأحزاب أهم من الوطن، وراياتها تعلوا فوق رايته.

كان من الطبيعي أن ينجم عن كل ذلك تلك التشوهات التي أصابت المجتمع: انحراف البوصلة الوطنية، تعزيز النزعة العشائرية، الميل للعنف، وزيادة وتيرة الجرائم، والتطرف الديني (وهذا أكثر وضوحا في غزة)، والعزوف عن الفعل الوطني.. وهذا ربما بسبب الإحباط، وانسداد الأفق السياسي..

لنأخذ ما جرى في الخليل كمثال لنرى بعض تجليات تلك التشوهات: احتجت الفعاليات الوطنية والعشائرية على تصريح لوزير سابق، لـمَّحَ فيه لشخص معروف بأنه جاسوس.. ومرة ثانية احتجت جماعات حزبية وشخصيات عشائرية على تنظيم ماراثون لطلبة المدارس.. في الحالتين قامت الدنيا ولم تقعد؛ بينما تنظيم مائدة “سم الهاري” لغلاة المستوطنين في قلب الخليل لم يحرك في هؤلاء ساكنا!! إذ لاذوا بالصمت المريب!!

السلطة التي تسارع لاعتقال من تريد اعتقاله، وتستنفر قوتها لقمع مسيرة جماهيرية، وقفت مكتوفة الأيدي!! الفصائل التي تهدد بتدمير تل أبيب لم تصدر حتى بيانا!!

هل لاحظتم ما هي المعايير الجديدة التي أنتجتها تشوهات ثقافة المجتمع؟

لا يستطيع أحد المزايدة على أهل الخليل؛ محافظة الشهداء والتضحيات، والبطولات.. من باجس أبو عطوان إلى فهد القواسمي، وشاكر حسونة، وميسرة أبو حمدية.. وحتى آخر شهيد، وآخر أسير.. المرابطون في البلدة القديمة، الذين يحرسون بيوتهم وأرضهم ويتصدون كل يوم لبطش المستوطنين.. الناس الطيبون الصابرون في الخليل وجبلها وقراها وخربها ومخيماتها، أهلنا في الخليل مستاؤون لما حصل، ولكن أصابهم ما أصاب عموم الوطن.. حالة من الإحباط، والاحتقان، والغضب المكبوت..

ولكن، مثلما أَفشل شعبُنا “روابط القرى”، حتى صارت “تهمة”، و”شتيمة”.. سيُفشل شعبنا كل المشاريع المشبوهة، وسيضع هؤلاء “وصمة العار” في مكانهم الطبيعي.. في “مزبلة التاريخ”..

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *