هل التهجير القسري جريمة إبادة جماعية؟


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

بدأ المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية يطور مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات المتعلقة بنتائج تلك الحرب من أجل تجنب تكرارها في المستقبل والتعهد لمعاقبة من يأتي على مثل تلك الجرائم المشينة التي مورست خلال سنوات الحرب والتي تركت أثرها على معظم سكان الأرض. فبعد أن صمتت المدافع وتوقف الهجمات الجوية والبرية والبحرية، وبعد أن تبين للعالم خطر الأسلحة الذرية، وبعد أن تبين أن أعداد الضحايا تزيد عن الستين مليونا، وبعد أن تبين حجم الدمار وأعداد اللاجئين بدأت عملية صياغة القوانين الدولية والدولية الإنسانية وقوانين حقوق الإنسان، لترسم ضوابط وقواعد سلوك ترشد بني البشر للمسلكية القويمة حتى أيام الحروب. فالحرب يجب أن تخضع لضوابط وألا تترك لجنرالات الجيوش ليبطشوا بالمدنيين والعسكريين كما يحلو لهم.
بين عامي 1948 و 1951 تم التوقيع على عدد من الاتفاقيات المهمة، كان أولها الاتفاقية الدولية لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948) ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) ثم اتفاقيات جنيف الأربعة (1949) وأهمها الاتفاقية الثالثة التي تتعلق بأسرى الحرب، والاتفاقية الرابعة التي تتعلق بمعاملة المدنيين في الحروب، ثم الاتفاقية الدولية الخاصة باللاجئين عام 1951. ولو نظرت إلى هذه الاتفاقيات بمجملها لرأيت أنها تحاول سد الثغرات وتقنين النزاعات ومنع القتل الجماعي والطرد والتهجير، وكأن الدول المتحاربة والخارجة من حرب عالمية ثانية تريد أن تقول: “لقد تصرفنا خلال الحرب كوحوش بشرية وآن الآوان أن نطوي تلك المرحلة ونتصرف كبشر حضاريين حتى ونحن نذبح بعضنا بعضاً”.
كان من أهم تلك الاتفاقيات الدولية لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها الموقعة بتاريخ 9 كانون الأول/ديسمبر 1948 والتي، لا شك، تستند إلى عمليات الإبادة التي تعرضت لها العديد من الأقليات، وأهمها محرقة اليهود في ألمانيا بعد أن تبينت أبعادها وحجمها وبشاعتها، ثم ما لحق بالغجر من قتل وتشريد، وما أصاب اليابانيين من موت ودمار بعد إلقاء قنبلتين ذريتين فوق مدينتي ناغازاكي وهيروشيما، وما سقط من ملايين الروس وخاصة في مدينة لينينغراد، وما جرى للألمان بعد الهزيمة وخاصة في مدينة درزدين، وتعرض نحو مليوني إمرأة ألمانية للاغتصاب. وسبق الاتفاقية قرار اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 11 كانون الأول/ديسمبر 1946 رقم 96 (د – 1) والذي صنف الإبادة الجماعية جريمة بمقتضى القانون الدولي، تتعارض مع روح الأمم المتحدة وأهدافها ويدينها العالم المتمدن.
دخلت تلك الاتفاقية الدولية الهامة حيز النفاذ عام 1951. وتنص على خمس جرائم شملها التعريف المنصوص عليه في المادة الثانية والتي تعرف الإبادة على أنها فعل منصوص عليه في المواد من (أ) إلى (هـ) من الاتفاقية، “يرتكب ضد مجموعة محمية بقصد تدمير تلك المجموعة كليًا أو جزئيًا”. والمجموعات المشمولة في الاتفاقية هي أربع: قوميا أوعرقيا أو عنصريا (كالسود مثلا) أو دينيا. فهي لا تشمل مثلا المجموعات الأيديولوجية مثل جماعة تنتمي لحزب “شيوعي أو إسلامي متطرف كداعش” أو ثقافية مكتسبة مثل المثليين. إن صفة المجموعات الأربع المشمولة عادة تكون متوارثة بشكل طبيعي. كما أن الاتفاقية اشترطت توفر النية لارتكاب الجريمة أي أن عمليات الإبادة تم التخطيط لها والتقصد في ممارستها، ثم مورست الإبادة فعلاً، وهذه الجرائم التي نصت عليها الاتفاقية هي:
أ. قتل أفراد الجماعة؛
ب. التسبب في ضرر جسدي أو عقلي خطير لأعضاء المجموعة؛
ج. فرض ظروف معيشية متعمدة على المجموعة من أجل تحقيق التدمير المادي كلياً أو جزئياً؛
د. فرض تدابير تهدف إلى منع الولادات داخل الجماعة؛
هـ. نقل أطفال المجموعة قسراً إلى مجموعة أخرى.
نلاحظ أن هناك جرائم معينة لم يتضمنها البند الثاني من بينها التهجير القسري والاغتصاب الجماعي لأفراد تلك الفئة كما حدث في البوسنة. لكن نظام روما الأساسي المنشئ لمحكمة الجنايات الدولية ذكر في البند السابع نقطة (1- 7) أن التهجير يعتبر جريمة ضد الإنسانية. فهل كون جريمة التهجير القسري لم تذكر في الاتفاقية الدولية لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها وذكرت في نظام محكمة الجنايات الدولية يمنع إدخالها أو تصنيفها جريمة إبادة؟ ثم هل هناك ما يمنع أن تصنف جريمة معينة مرة جريمة ضد الإنسانية ومرة جريمة إبادة حسب الحجم والنية والملابسات المرافقة؟
أما اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين فقد أشارت بشكل صريح إلى منع التهجير الجماعي للسكان الواقعين تحت الاحتلال أو نقل سكان من البلد القائم على الاحتلال إلى المناطق المحتلة، حيث تنص الاتفاقية التي وقعت في 12 آب/أغسطس 1949 في المادة 49 منها على أن “الانتهاكات الفردية والجماعية والنقل القسري، وكذلك ترحيل الأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أي دولة أخرى، سواء كانت محتلة أم لا، محظور بغض النظر عن وجود الدافع”.
وللعلم فالتطهير العرقي قد يكون جريمة أكبر من جريمة التهجير القسري لأن التطهير عمل متواصل لمدة طويلة بنية أكثر وضوحا وقد يكون التهجير القسري أحد حلقات التطهير العرقي. وقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قراراتها 121/47 عام 1992 بأن التطهير العرقي شكل من أشكال الإبادة الجماعية.

متى يصنف التهجير القسري جريمة إبادة؟

لنبدأ بتعريف التهجير القسري بموجب القانون الجنائي الدولي، ونقول إن التهجير القسري هو “اضطرار فرد للنزوح عندما تتسبب ظروف الحرب بإجباره لمغادرة مسكنه” أو أنه “أُخرج قسراً” ولو لمرة واحدة فقط. و”يقوم بالإخراج القسري أفراد من الجيش عن طريق نقله جسديًا مشيا أو فرارا أو وضعه في حافلة وحمله بعيدا عن مسكنه الأصلي”.
والتهجير القسري يأخذ أحد شكلين: مباشر أو غير مباشر. المباشر من الناحية الشكلية، تقوم قوة الاحتلال أو الجيش المهاجم باعتقال مجموعات محددة من الأفراد ونقلهم إلى حدود البلاد وإجبارهم على العبور خارج الحدود. ويمكن أيضًا ممارسة التهجير القسري بطريقة غير مباشرة، وبطريقة أقل تنظيما، حيث يمكن أن يحدث هذا النوع من النزوح الاضطراري في المنطقة التي يدور فيها نزاع مسلح مستمر عنيف يتم خلاله ارتكاب انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان بحيث يكون الإنسان مضطرا للفرار من أجل السلامة مثلما حدث في يوغسلافيا السابقة ورواندا وميانمار.
لكن قد يكون التهجير القسري حدثا منقطعا عن غيره بدون نية الإبادة فلا يعتبر عندئذ جريمة إبادة. لنفرض أن خلال حرب ما قام أحد الجيوش بترحيل قسري لمدنيين يسكنون في منطقة عمليات حربية، وأجبرهم على إخلاء مساكنهم ورفضوا الطلب فقام بتهجيرهم قسريا مستخدما القوة، فهذا لا يعتبر نوعاً من الإبادة الجماعية. وحتى لو كان التهجير في البداية مؤقتا ثم تحول إلى تهجير دائم، فنية الإبادة هنا غير موجودة.
أما إذا كان التهجير القسري جزءا من عمليات عسكرية واسعة تشمل القتل والتدمير والتطهير العرقي وهدم البنى التحتية والتجويع واستهداف المعالم المدنية كالمدارس والمستشفيات، إذن سينسحب البند الثاني من اتفاقية الإبادة على كافة الممارسات التي تتم بنية الإبادة الجماعية بما فيها التهجير القسري. إضافة إلى ما سبق يجب التأكد من طريقة ممارسة التهجير القسري، فإذا سبقه وتزامن معه عمليات قتل واسعة وتدمير وتهديد وتضييق ونشر خطاب الكراهية والانتقام وحوصرت المجموعات السكانية وسدت أمامها السبل ولا يبقى أمامها إلا الفرار من موت محقق، فلا شك أن هذا ممارسات بنية الإبادة الجماعية. وقد تم تأييد هذا الرأي لاحقًا في عدة قضايا مثل الوضع في البوسنة والهرسك وميانمار. ففي تقرير لجنة القانون الدولي لعام 1996 أكد من جديد أن النقل القسري لأفراد مجموعة ما، لا سيما عندما يتعلق الأمر بفصل أفراد الأسرة عن بعضهم، يمكن أن يشكل أيضاً إبادة جماعية بموجب البند الفرعي (ج) من الاتفاقية.
من الواضح إذن أن طرد مجموعة من ديارها قسرا، وإجبارها على الهجرة إلى مناطق جديدة دون إرادتهم قد تفتقر إلى الموارد الأساسية، من شأنها أن تعرض المجموعة بالتأكيد لظروف قد تؤدي إلى تدميرها المادي أو اضطرارها في بعض الحالات، للدخول إلى مناطق يوجد فيها موت محقق لأفراد المجموعة بسبب المناخات الخطرة وغير المستقرة، وافتقارها إلى الموارد الأساسية بشكل كبير وانعدام وسائل مناسبة للمعيشة، أو انتقالها إلى بيئات معادية ما قد يعرضها لمزيد من القمع والتمييز والقتل والدمار، فتصنيف هذا التهجير القسري “إبادة جماعية” شيء مؤكد.
لقد مورس التهجير القسري خلال جميع حقب التاريخ وما انتشار الأقليات في بلدان العالم بشكل واسع إلا بقايا لعمليات إبادة جماعية أو تهجير قسري لخارج الحدود. وشملت عمليات التهجير القسري في حدود الاتحاد السوفييتي سابقا نحو 15 مليون إنسان. وجرت عمليات تهجير قسري في كل من تركيا واليونان والهند وباكستان وبنغلاديش، وألمانيا وتشيكوسلوفاكيا السابقة، وأوكرانيا وغيرها الكثير. أما ما جرى في فلسطين عامي 1948 و 1949 فهو سلسلة من عمليات التهجير القسري التي شكلت معا عملية تطهير عرقي شملت نحو مليون فلسطيني، كتب عنها ووثقها المؤرخون اليهود الجدد من بينهم إلان بابيه في كتابه “التطهير العرقي للفلسطينيين” وكتاب بني موريس “مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين” وكتاب آفي شليم “الحرب من أجل فلسطين- إعادة كتابة تاريخ 1948”.

طرد شامل للفلسطينيين حلم الكيان الدائم

لقد بقي الكيان الصهيوني يحلم بترحيل الفلسطينيين بشكل مستمر، وقد اعتبر رموزه أن أكبر خطأ ارتكبه مؤسسوه عام 1948 هو إبقاء نحو 150 ألفا من الفلسطينيين في حدود الكيان. بل إن المؤرخ بني موريس نفسه عاد وارتد عن مواقفه السابقة في تحميل إسرائيل جريمة التطهير العرقي ليصبح من المنادين باستكمال عملية التفريغ والتطهير العرقي للفلسطينيين كي يبقى الكيان يهوديا صرفا. وهناك روايات وتقارير واقتباسات كثيرة يصعب حصرها في هذا المقال تؤكد النية الدائمة للكيان باستكمال نكبة عام 1948 وطرد السكان من فلسطين التاريخية كلها. وقد مارست سلطات الاحتلال بعد وقوع الضفة الغربية وقطاع غزة تحت الاحتلال عام 1967 عمليات التهجير القسري للأفراد والجماعات وما زالت تحلم باستكمال عمليات التطهير العرقي وترى فرصتها اليوم في حرب الإبادة على غزة.
وقد وثق روحي الخطيب، رئيس بلدية القدس الأسبق والمرحل إلى الأردن قائمة تضم 1171 فردا تم تهجيرهم إلى الأردن بين عامي 1967 و 1978 (أو إلى لبنان بعد عام 1974) كما تضمنت ترحيل مجموعتين بدويتين بشكل كامل من منطقة أريحا عامي 1967 و 1969.
إن رموز الكيان يرون الآن أن الظروف مناسبة لاستكمال عملية الترحيل القسري لسكان قطاع غزة إلى الجانب المصري. وكل الدلائل تشير إلى أن النظام المصري يقيم مدن خيام. وكشف مسؤولون مصريون عن تفاصيل مقترح إسرائيلي لنقل سكان مدينة رفح إلى المنطقة المتاخمة لحدود القطاع من الجانب المصري، حيث سيتم توزيعهم على 15 مدينة من الخيام الواسعة.
وحسب ما ذكرته صحيفة “وول ستريت جورنال” فإن الاقتراح الإسرائيلي يأتي في سياق استعدادات جيش الاحتلال لعملية عسكرية برية في منطقة رفح بداياتها ما نشهده هذه الأيام.
وأوضحت الصحيفة، نقلا عن المسؤولين المصريين، أن كل مدينة من المدن الخمس عشرة التي ستنشأ طبقا للمقترح، ستضم 25 ألف خيمة. وأشارت الصحيفة إلى أن مدن الخيام المخطط لإقامتها وفقًا للاقتراح ستقع جغرافيا في الجزء الجنوبي الغربي من المنطقة الساحلية المغلقة في سيناء. ولا أحد يأخذ تصريحات المسؤولين المصريين برفض التهجير بشكل جاد. فمن يفرض رسوما عالية تزيد عن عشرة آلاف دولار عل كل مغادر مضطر للخروج عبر معبر رفح لن يتواني في فتح الحدود أمام سكان القطاع إذا كان الثمن مناسبا، ومن يبيع جزءا من وطنه لا تهمه الأجزاء الأخرى ولا وحدة أراضيه.
وللتذكير بما قالته فرانشيسكا ألبانيز، مقررة الأمم المتحدة المستقلة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، منذ بدايات حرب الإبادة على غزة والذي يلخص الوضع الذي نشهده في رفح، حيث قالت: “هناك خطر جسيم بأن ما نشهده قد يكون تكرارا لنكبة عام 1948 ونكسة عام 1967 ولكن على نطاق أوسع. يتعين على المجتمع الدولي فعل كل شيء لمنع حدوث ذلك مرة أخرى. إن مسؤولين إسرائيليين دعوا علنا إلى نكبة أخرى، وأن إسرائيل قامت بالفعل بالتطهير العرقي الجماعي للفلسطينيين تحت ضباب الحرب. ومرة أخرى باسم الدفاع عن النفس، تسعى لتبرير ما قد يصل إلى التطهير العرقي”.

عن القدس العربي

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عبد الحميد صيام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *