هل اقتربت نهاية الحكم الذاتي الكردي؟ المواجهات مع النظام السوري وتداعياتها

خلال الأسبوعين الماضيين اندلعت مواجهات بين قوات الأمن السورية والقوات الكردية بقيادة تنظيم «قوات سوريا الديمقراطية» (SDF). ما بدأ احتكاكًا عسكريًا بمبادرة كردية تحوّل سريعًا إلى فرصة استراتيجية للنظام السوري، تمثّلت في استعادة مساحات واسعة من الأراضي وممارسة ضغط شديد على الأكراد لتنفيذ التفاهمات التي أُقرّت في اتفاق آذار/مارس 2025.
فبعد السيطرة على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، ولاحقًا على دير حافر، نجحت قوات النظام في ترسيخ سيطرة كاملة على محافظة دير الزور، وكذلك على أحياء في الرقة، إحدى المدن المركزية في شمال شرقي سوريا. وعمليًا، يُعدّ هذا أكبر توسّع للنظام في السيطرة على الأراضي منذ سقوط نظام الأسد. ففي إطار هذه الخطوة، انتقلت إلى يده أكثر من 40 في المئة من المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة الأكراد، بما في ذلك حقول النفط والغاز الرئيسية في سوريا.
وتُعزى الوتيرة السريعة للتقدّم العسكري، وطابعه الأقل عنفًا نسبيًا، إلى جملة عوامل، من بينها تحوّل في ولاءات السكان المحليين؛ إذ اختارت قبائل عربية–سنّية الانفصال عن سيطرة «قسد»، والانضمام إلى قوات النظام، والمساعدة في تسليم المناطق لقوات أحمد الشرع. وأسهم في ذلك أيضًا الدعم الذي يحظى به الشرع من الولايات المتحدة، وغياب معارضة دولية ملموسة لهذه الخطوة.
في مساء دراماتيكي يوم 18 كانون الثاني/يناير، أعلن الشرع وقف إطلاق النار، وأفاد بأن الطرفين يتوقّعان توقيع اتفاق جديد. ويشمل الاتفاق، من بين أمور أخرى، دمج جميع المؤسسات في شمال شرقي سوريا تحت حكم دمشق، والتسليم الكامل لحقول النفط والغاز إلى الحكومة، ونقل السيطرة على المعابر الحدودية، ودمج عناصر «قسد» في الجيش السوري كأفراد، لا كوحدات تنظيمية متكاملة كما طالب الأكراد. كما تعهّد النظام بتعيين ممثلين أكراد متوافق عليهم في مؤسسات الدولة.
تُبرز هذه الأحداث إصرار الشرع على إعادة توحيد سوريا وإحباط أي محاولة لدفع نموذج لا مركزي أو فيدرالي. وإذا ما نُفّذ الاتفاق بالفعل، فإن مكانة الشرع الداخلية ستتعزّز، وبالمقابل ستتراجع تطلعات الحكم الذاتي لدى أقليات أخرى، وفي مقدمتها الدروز.
أما إسرائيل، التي ترى في الأكراد طرفًا إيجابيًا ذا مصالح مشتركة، فقد اختارت هذه المرة نهج ضبط النفس. فبعد عودتها مؤخرًا إلى طاولة المفاوضات مع دمشق، امتنعت عن التدخل المباشر، واكتفت بإبداء دعم علني للأكراد، وذلك لتجنّب التورّط في الشؤون الداخلية السورية أو الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة.
ومع ذلك، يُستحسن أن تستخدم إسرائيل قنوات اتصالها، سواء مع دمشق أو مع واشنطن، لتوضيح توقعاتها بشأن الحفاظ على أمن الأكراد وتعزيز دمجهم في مؤسسات الدولة وفي المنظومة الأمنية. فخطوة كهذه قد تسهم في استقرار سوريا، وتنويع مراكز القوة فيها، وموازنة الهيمنة السنية، وهي نتيجة ذات أهمية استراتيجية لإسرائيل أيضًا.
من منشورات معهد ابحاث الامن القومي الاسرائيلي