هذه ليست سوى البداية: في المرحلة التالية ستنقل الميليشيات اليهودية الجرافات من غزة إلى الضفة

أصبح نزع سلاح التنظيمات الإرهابية شرطًا أساسيًا لأي تسوية. ففي لبنان، تشترط إسرائيل موافقتها على قيام وقف إطلاق النار بنزع سلاح حزب الله ، وفي غزة يُعدّ نزع سلاح حماس شرطًا للتقدم إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب ، وفي سوريا من بين الشروط التي يضعها ترامب لدعم أحمد الشرع القضاء على الميليشيات المسلحة .
في لبنان أو سوريا أو العراق، لا ترى الحكومات في نزع سلاح الميليشيات والتنظيمات الإرهابية مجرد استجابة لمطالب خارجية أو إزالة لغم يعيق تنفيذ الاتفاقات ، بل إن وجود ميليشيات مسلحةو، من وجهة نظرها، يتناقض مع سعيها إلى سيادة كاملة .
يوجهها في ذلك المبدأ الذي حدده عالم الاجتماع ماكس فيبر ، الذي يقول بأن الدولة يجب أن تحتكر الاستخدام المشروع للعنف . ومن حق المواطنين، بالطبع، حمل السلاح، لكن بإذن الدولة وتحت سلطتها.
لكن ماذا يحدث عندما تقرر الدولة التنازل عن سيادتها في هذا المجال؟ عندما تقوم هي نفسها بتزويد مواطنيها بالسلاح الموجّه ضدها ، وضد جيشها، وضد مواطنين تقع مسؤولية حمايتهم على عاتقها ؟ كيف يمكن تعريف دولة تشجّع ميليشيات مسلحة تمارس الإرهاب؟
تتجلى هذه المفارقة في الأراضي المحتلة، حيث تمتلك عصابات من المستوطنين المارقين اسلحة مرخّصة ، بهدف ارهاب السكان الفلسطينيين . بصورة منهجية ومخططة، يستخدم المستوطنون هذا السلاح لا للدفاع عن أنفسهم ، بل لطرد السكان من بيوتهم، وللتهديد، وقتل — البشر والحيوانات — واقتلاع أشجار مثمرة، وحرق منازل، ونهب ممتلكات . وكل ذلك في إطار حملة انفلات جامحة هدفها التطهير الديمغرافي .
ميليشيات مسلحة كهذه تُعرَّف في لبنان والعراق وسوريا على أنها تنظيمات إرهابية، وحتى وقت قريب وُصفت الدول التي تنشط فيها بأنها دول راعية للإرهاب . أما في إسرائيل، فلا تحظى هذه الميليشيات بالحماية الحكومية وبتشجيع الوزراء وأعضاء الكنيست فحسب ، بل تحظى بتعاون كامل من الجيش والشرطة . وفي حالات كثيرة يخدم أفراد هذه العصابات ضمن أطر عسكرية ما، تمنحهم قناع الشرعية والتنظيم القانوني . وفي حالات أخرى يتحول الجنود إلى حلفاء كاملين لهذه الجرائم المروعة. أما الشرطة، ففي أفضل الأحوال تغضّ الطرف، وفي الحالة العادية لا تطبّق القانون إطلاقًا، لأنه حتى قانون الدولة لا يرى بهم إرهابيين .
إذا كانت حركة الاستيطان قد قدّمت نفسها في بداياتها باعتبارها حركة “ تخلص الأرض” بواسطة الاستيطان وإقامة “شريط أمني” يحمي سكان إسرائيل، فإنها اليوم لم تعد بحاجة إلى هذا التنكّر، ولا إلى آلاف المستوطنين الجدد . ففي مناطق “الاستيطان” تنشأ مزارع متوحشة وبؤر وهمية ، حيث يقوم نصف دزينة من الأشخاص، أو حتى أقل من ذلك ، بالاستيلاء على آلاف الدونمات ، وكل هدفهم هو نهب العقارات الفلسطينية وطرد السكان بأساليب إرهابية.
وهذه مازالت المرحلة “الناعمة”، الجزئية، التي لا تتسم بالنجاعة الكافية . ففي المرحلة التالية ستصل الجرافات — تلك التي دمّرت غزة بنجاعة — وستبدأ بتسوية الأراضي في الضفة .
قد يبدو من البديهي هنا تحذير الدولة من خطر استيلاء ميليشيات الإرهاب على سيادتها . ومطلوب التلويح بالامثلة التي دمرت لبنان والعراق ، والمطالبة بنزع سلاح الميليشيات اليهودية . لكن سرعان ما نتذكر أنه، خلافًا للبنان، فإن إسرائيل لا تفقد سيادتها في الأراضي، بل تسلّمها طوعًا إلى أيدي من يُطلق عليهم “شباب التلال”، وهو لقب رومانسي لعصابات عنيفة تتغذى من أموال دافعي الضرائب الإسرائيليين، بعدما زوّدتها الدولة بالسلاح، وحولتها إلى ذراعها التنفيذية .
من الخطأ الفصل بين “شباب التلال” وبين حركة الاستيطان بأكملها ، فمنذ اللحظة التي قررت فيها الدولة أنهم سيكونون الدولة في الاماكن التي لاتوجد فيها الدولة ، وأنهم سيكونون أصحاب السلطة في المناطق التي لايوجد فيها جيش ولا شرطة — اكتملت حالة التعايش العضوي بين عصابات الإرهاب وذراعها السياسية.
المصدر: هآرتس