نهاية الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان

القوات الاسرائيلية تمكنت عام 82 من دخول بيروت كأول عاصمة عربية تصلها قواتها منذ قيامها؛ ورغم الفارق الكبير في ميزان القوة الا أن المقاتل الفلسطيني واللبناني من أبناء الحركة الوطنية أظهروا صمودا اسطوريا على مدى 88 يوما:
هذا الصراع انتهى باتفاق وضعه الوسيط الأمريكي فيليب حبيب وحظي بموافقة الأطراف المعنية وبموجبه غادرت قوات المنظمة لبنان الى كل من تونس والجزائر واليمنين الشمالي والجنوبي والسودان وسوريا.
الحروب رغم ما تخلفه من ضحايا وويلات الا أنها في نهاية المطاف اختبارا لصراع الارادات والمنتصر عادة هو من يفرض شروط التفاوض.
آخر دفعة غادرت لبنان كانت القيادات الفلسطينية وعلى رأسها الأخ أبو عمار ومعهم طويت صفحة الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان تاركة المخيمات الفلسطينية مكشوفة الظهر بعد أن نقضت الأطراف التي تعهدت بحماية المدنيين الفلسطينيين العهد فكانت مجزرة مخيم شاتيلا وشارع صبرا بعد أيام على يد القوات الانعزالية وبتغطية من القوات الاسرائيلية التي اطبقت الحصار على المخيم.
الاستقبال الرسمي والشعبي الذي لقيناه في مدينة بنزرت انتهى بنا في معسكر للجيش في منطقة وادي الزرقا المتاخم لمدينة باجة. المكان كان أشبه بسجن محاط بسياج عال من الأسلاك ومحروس بشكل جيد لذا لم يرق لنا.
أحد الكوادر اصيب بانهيار عصبي عند رؤيته المعسكر فقام بنزع ملابسه ونزل الى ساحة المعسكر محتجا وصارخا “الله أكبر ، بعد 88 يوم من الصمود ينتهي بنا الأمر هكذا! !”.
بحجة الفيلم الذي وعدني باعداده التلفزيون التونسي تمكنت من الافلات من البقاء في المعسكر فكنت كل يوم أتوجه للعاصمة رفقة اثنين من رجال الأمن وقضاء جل اليوم فيها والعودة مساء لقضاء الليل فقط.
في الوقت الذي كانت فيه الباخرة التي تقل الدفعة الأخيرة من القيادات من بيروت الى تونس تعرضت حركة “فتح” الى انشقاق جديد قاده العقيد أبو موسى ومعه أبو خالد العملة وآخرين وكان واضحا أن النظام السوري والليبي كانا وراء هذا الانشقاق والذي طال أيضا اتحاد الكتاب والصحفيين.
لهجة العداء لقيادة منظمة التحرير وخاصة للأخ أبو عمار كانت واضحة في اعلام النظامين اللذان أرادا الاستحواذ على الورقة الفلسطينية كونها المطية والقناع الذي يخفيان خلفها نظامهما القمعيين.
عند وصول القيادات السياسية الى تونس كان عليها مواجهة اعادة ترتيب البيت الفلسطيني وفق المعطيات الجديدة بعد تشرذم الكوادر في أكثر من بلد عربي اضافة الى مواجهة الانشقاق الذي وقع.

بعد اللقاء البرتوكولي مع القيادات التونسية توجه أبو عمار على الفور الى معسكر وادي الزرقا لالقاء كلمة فينا ؛ المنصة الصغيرة التي أعدت على عجل اعتلاها أبو عمار وعلى يساره وقف عطا الله عطا الله (ابو الزعيم) مسؤول الاستخبارات العسكرية وحكم بلعاوي سفير فلسطين لدى تونس. المنصة انهار جزء منها لكثرة الواقفين عليها.
ابو عمار اصطحبنا معه الى فندق “سلوى” الذي تحول الى مقر مؤقت للقيادة الفلسطينية والذي يقع في منطقة بن عروس السياحية الراقية وتنتشر فيها فنادق كثيرة على كلا الجانبين وتعج بالسواح الأجانب الذين يرتادون شاطئها الرملي الجميل.
مقصف الفندق حيث كنا نتناول القهوة والمرطبات كان الأقرب لغرفة اقامتي. صبيحة اليوم الأول رأيت أبو الزعيم جالسا منفردا ومتجهما (هو من القلائل الذين لا أكن لهم أي احترام بسبب قيامه بتسليم المعارض السعودي ناصر السعيد للسعودية والذي جرى اعدامه بطريقة وحشية بالقائه من الطائرة عام 79 ) . سألت أبو الزعيم عن سبب وجومه ؟ أجابني أن ابو عمار قام بانزال الطباخ السوداني في اليونان وهو الذي خدمني 11 عاما بدعوى أنه لا يمكن أن يحسب بين المناضلين على نفس الباخرة !) رددت بالقول: فعلا أبو عمار أخطأ في ذلك. من تحملك 11 عاما لا شك أنه مناضل كبير). قلت ذلك وغادرت على عجل قبل أن يستوعب معنى ردي.
تونس كانت لبعض الكوادر محطة أو ربما استراحة محارب؛ لكن مستقبل النضال بالنسبة لي ومن هذا البعد الجغرافي كان ضبابيا ودون أفق منظور.
أقمت في تونس 19 يوما وما كان بامكاني الانتظار أكثر بعيدا عن عائلتي فصدر الأمر بارسالي الى قبرص التي أصبحت مركزا لكل العاملين في الحقل الاعلامي الفلسطيني.