نميمة

يعلمنا التاريخ بأنه في سعي الشعوب المضطهدة الى التحرر هي بحاجة الى مشروع واضح والى قيادة ملتزمة، وبعدها الى الاستعداد الشعبي كحاضنة للمشروع، ووسائل النضال الملائمة والدعم الدولي الفعال.

 نحن الفلسطينيون نملك دعما دوليا شعبيا معقولا، وعلمتنا الانتفاضة الأولى (1987) بأن النضال الشعبي هو الطريق، وعندنا حاضنة شعبية ملتزمة، خرجت في مايو 2021 الى الشوارع طوعا وفي كل فلسطين التاريخية لتدافع عن قدسها ولرفع ظلم إسرائيل وجبروتها، لكننا بالتأكيد نتلمس المشروع ونحاول صياغته ونختلف في ذلك كثيرا، وبالتأكيد نفتقر الى القيادة الفاعلة والملتزمة، وفي هذين الجانبين، نحن بحاجة الى مراجعة جدية، واجتهاد مبني على القراءة المـتأنية والشجاعة في نفس الوقت، كما فعل المثقف العربي الأبرز عبد الرحمن الكواكبي الذي دفع حياته ثمنا لمواقفه، عندما حاول التفكير في كتابه “ام القرى” في كيفية إعادة بناء المشروع وتصحيح علل القيادة، التي أدت الى حالة التفكك العربي والإسلامي خلال القرن التاسع عشر..

اعتقد بأنني معفي من اثبات ما ذكرت، فالأمور واضحة تماما بل وأكثر. فكلما اقتربنا مع بناء مشروع جماعي واثق لشعبنا، نجد من يشكك ويكفر في الطريق، وكلما شرع شعبنا في محاسبة قيادته الفاسدة والمترهلة والتي تفتقد الى كفاءة قيادته الوطنية الواثقة، نجد من يتجند لكي يقول “هذا ليس وقته”، “هذه هي القيادة التاريخية”، “هذا هو الموجود ومهم الحفاظ عليه”.. وجمل كثيرة، تدل على ان البعض لا يريدنا ان نحاسب قياداتنا الفاشلة، والتي بفشلها تساهم في استقواء إسرائيل علينا، واستمرار بطشها بنا.

فمثلا، الانتخابات وجدت أصلا لتكون وسيلة للمواطنين او لأعضاء الهيئات والمؤسسات والنقابات، لكي يحاسبوا قياداتهم، وانزال من اخفق وانجاح من حقق بعض تطلعاتهم، لكنها لدينا تصبح أداة للحفاظ على الموجود، وهذا صحيح لعالمنا العربي اجمالا وللضفة الغربية وغزة، كما لدينا هنا مواطني إسرائيل، تحديداً.

لا اريد العودة الى تاريخ بعيد او قريب لكي اثبت ادعائي وسوف اكتفي هنا في التطرق الى ما يجري في سياق الانتخابات التي سوف تجري بعد يومين.

لنأخذ “نميمة” النشطاء والمثقفين مثلاً. بعد انتهاء كل جولة من الانتخابات الإسرائيلية خلال العقد الأخير (على سبيل المثال)، تجد كم هائل من النقد لدى مثقفين ونشطاء عرب حول أداء الأحزاب وقياداتها. من منا لم يشهد في قعدات المقاهي في حيفا، وفي جلسات اجتماعية، وفي ورشات ومؤتمرات ومقابلات ومساهمات على صفحات التواصل الاجتماعي، الخ.. نقدا ساخطا وصاخبا ضد قيادات الأحزاب وحتى على مشاريع الأحزاب، التي لا تتعدى أصلا الكتابة على الورق.

 بعض النشطاء والمثقفين يصل الى حد اتهام بعض القيادات بالصهينة وبالأسرلة، أو انها تسلم بالدولة اليهودية او لا زالت متمسكة بقرار التقسيم الذي ساهم في تهجير شعبنا ونكبته، او بكونها انتهازية وغير ملتزمة بمشروعها هي، او بانها لا تعمل على بناء مشروع وطني جماعي لشعبنا، او بانها تتبع اهواء ورغبات الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، او صناديق ومصادر دعم مالية قد تأتي من السلطة الفلسطينية او قطر او تركيا او مصر او الامارات او من متمولين من اليسار اليهودي-الصهيوني من البلاد او من وراء البحار، وبان هذا يأتي لرشوتنا كشعب وشراء ولاءات قياداتنا ونخبنا.. واجمالا يسترسل هؤلاء في سرد فشل هذه القيادات وعدم اهليتها، وحتى ان بعضهم يتعمق في عدم مشروعية التصويت للكنيست أصلا، او على الأقل في عدم جدوى العمل من خلالها.. الخ. واحيانا تجد نفسك مضطرا للتدخل لتخفيف وطأة النقد او حتى الدفاع عن بعض ممارسات القيادات.

تعتقد للحظة اننا امام التزامات بالحث على تغيير الطريق او التوجه، او اننا امام من يقول لشعبه بوضوح اننا يجب ان نعاقب قيادات غير ملتزمة بقضايا شعبنا الأساسية في أحسن الأحوال، او أنها مشغولة برشوة الاتباع او حتى بالتبعية لمشاريع خارجية، وباقتناص الفرص للثراء، وللجاه المفبرك والوهمي. لكن مع اقتراب الانتخابات ينقلب كل هذا. تجد فجأة من غيّر خطابه واصبح يقول “هذا ليس الوقت للمحاسبة ومهم ان نقوم بذلك بعد الانتخابات” وكأنه قام او يقوم بذلك سابقا او انه سوف يجد من يستمع لحساباته، فأصلا الأحزاب لا تقوم بذلك، ولن تستمع لهؤلاء المثقفين “الذين يتقنون الحكي فقط”.. ومن يقول بأنه “هذا الموجود ويجب ان نحافظ عليه”، أي التمسك بنفس الفشل ونفس التبعية والرشوة والاخفاق .. تجد من يقول “يجب ان نحافظ على تنظيم مجتمعنا” او ان “الكنيست هي احدى الساحات لنضالنا ويجب ان نحافظ عليها” الخ.. وكأنه لا يوجد عمل سياسي او نضال خارج الكنيست، وأن الأحزاب البرلمانية والكنيست هي “مربط خيلنا” في ذلك، او أصلا بان هذه الأحزاب تعمل على مدار الساعات والأيام بتنظيم شعبنا، وليس كما يحدث فعليا من تفتيت لشعبنا من قبل غالبية قيادات الأحزاب، خدمة لمصالح حزبية ضيقة او لمصالح شخصية خالصة.

تفكر في كل هذا، وغيره الكثير من مواقف تصرفات بعض النخب والمثقفين والنشطاء، تحاول ان تصف ما جرى من نقد وتشريح، وبعد ذلك من انقلاب، فلا تجد الكلمات لوصف هذا، سوى اننا مع هذا وذاك، موجودون في خطاب النميمة الخالص، لا الهدف هو النقد والتصحيح، ولا الحفاظ على الموجود لجدواه وأهليته، أن غالبية ما يقال هو نميمة، هدفه القول نحن هنا ولنا رأي – متقلب ومتغلب – لكنه قول، يدل على ان قائله موجود لا اكثر.

(اللوحة للفنان الفلسطيني سليمان العلي)

Author: أسعد غانم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *