نكبتان وعودة… حكاية نازحة في غزة

قبل عشر دقائق من أذان العشاء، وبينما كنت أعدّ إبريق الشاي على نار خافتة داخل خيمة نزوحنا في خان يونس، قطعت أصوات الزغاريد سكون المساء.
للحظة واحدة، ظننت أن الفرح أخيراً أعلن طريقه إلينا، وأن خبراً ساراً سيعلن عودتنا إلى الديار التي نزحنا منها قسراً، لكن سرعان ما تبدد الحلم، إذ أخبرتني جارتي من وراء قطعة القماش التي تفصل بيننا أنه تم إعلان وقف إطلاق النار من جانب مصادر رسمية، من دون أن يشمل عودتنا إلى شرق غزة والخطوط الصفراء.
لم يكن خبر وقف إطلاق النار مفرحاً ولا حزيناً، بل أصبح واقعاً قاسياً يشبه حياتنا منذ بدء رحلة النزوح؛ حياة معلّقة بين الانتظار والفقد والوعود الكاذبة.
أنا نسمة الحرازين، نازحة من شرق حي الشجاعية، منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. بعد قصف منزلنا، خرجت بحقيبة صغيرة، وضعتها على ظهري، فيها بعض الملابس، ودفتر صغير، وقلم، ومصحف. كنت أظن أننا سنغيب يومين ونعود، لكن العودة طالت وتجاوزت الحد؛ لأشهر، بل لعامين تقريباً.
لقد عدتُ مؤخراً من محافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة إلى بيت ليس بيتي في مدينة غزة، بل إلى مكان موقت استأجرته عائلتي في محاولة للنجاة. فمنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تعد الحياة في غزة كما كانت، فقد تحوّلت إلى رحلة نجاة من أجل البقاء، تتلاشى فيها الأحلام الكبيرة، ولا يبقى سوى حلم بسيط لكل نازح مثلنا؛ سقف يحمينا، وحائط نسند ظهورنا عليه.
من نزوح إلى نزوح… تفاصيل قاسية
أستعيد تلك اللحظة بصوت خافت؛ في أول ساعات الحرب، كان الأمر يبدو هادئاً، لكنه كان مقلقاً ومخيفاً. ومع ساعات العصر، بدأت قذائف المدفعية تضرب حول الخطوط الشرقية بصورة عنيفة، فقُصف منزل قرب منزلنا، وهو ما أدى إلى انفصال الدرج في بيتنا، فصرخنا جميعاً، وخرجنا مع جيران الحي نحمل فقط أوراقنا الثبوتية، من دون أن نأخذ ما يجب أخذه.
نزحتُ وعائلتي من شرق حي الشجاعية إلى غربه رفقة أعمامي إلى منزل قديم يُعتبر المنزل الأول للعائلة. سكنت كل عائلة في غرفة واحدة فقط، واستمر هذا الحال 15 يوماً، ولم يصمد هذا الملاذ الذي تبيّن أنه غير آمن؛ إذ قُصفت المنطقة وتعرضت لحزام ناري، استشهد فيه بعض أبناء أعمام والدي، فاختفت عائلات كاملة من السجل المدني.
ثم انتقلت وعائلتي إلى النصيرات، وهناك خَبِرْتُ بقصف بيت جدي الذي نزحنا إليه في البداية. لقد شهد هذا البيت طفولة أبي وزواجه بأمي، وأتذكره لأنني عشت فيه طفولتي الأولى، ولعبت مع أبناء عمي هديل ومحمد. حين سمعت الخبر، شعرت بضيق شديد، وكأننا سنبقى نازحين إلى الأبد بلا عودة، لأنني كنت أراه البيت الآمن لنا.
ذاكرة مثقلة بكل ما لم تستطع نسيانه
نزحنا عدة مرات خلال عامين، وتحولت حياتنا في النزوح إلى روتين يومي في كل مكان جديد ننزح إليه، لتكون المحطة الأخيرة في خان يونس. كنا نقف على طوابير المياه، وعلى طوابير أُخرى، وكنا نشغّل النار بالطرق البدائية لنطهو ما يتوفر. لقد تحولت حياتنا إلى انتظارات كثيرة، آخرها انتظار النوم بعد يوم كله تعب.
عشتُ في خيمة مهترئة، كلما هبّت عاصفة قوية كانت تسقط، وكلما هطل المطر، كان الماء يتسرّب داخلها. كنت أشعر بأنني خارج الزمن؛ مجرد عابرة في حياة مؤجلة تتمنى أن تنتهي، وكنت أنتظر العودة إلى غزة كما ينتظر الغريق قشة نجاة داخل البحر، على الرغم من يقيني بأن القشة قد لا تنقذني. كنت أرتجف من البرد، إذ لم أحصل إلاَّ على بطانية واحدة، وكنت أخبر والدي أنني أشعر بالدفء كي لا يحزن، فقد ارتفعت أسعار الأغطية كثيراً، لتفوق قدرته المادية، وقدرة معظم الناس.
لم يكن النزوح بالنسبة إليَّ انتقالاً مكانياً فقط، بل أيضاً روحياً، فهو اقتلاع من الجذور، وشعور دائم بعدم الأمان داخل الخيمة، في أرض ليست ملكنا، بعد أن كانت عائلتي تملك منزلاً وأرضاً. كنت أشعر بأن الأرض ليست ثابتة تحت قدمَي. وكانت الكتابة ملاذي، لكنها بدأت تتراجع من ثقل الواقع المريب. حاولت مراراً وتكراراً أن أكتب، لكنني كنت أتوقف عن الكتابة مع كل نزوح جديد، وأعود حين أجد كرتونة أخطّ عليها كتابة ما، فلم يكن لدي دائماً دفتر وقلم.
العودة إلى غزة
حين بدأت الأقاويل بشأن العودة، لم أشعر بالسرور، على الرغم من أنني سأعود إلى غزة، لأن العودة لم تكن إلى أرضي ولا إلى بيتي الأصلي. كان شعوري معقد، بين الشوق والخوف والقلق. كنت أعلم أنني لن أعود إلى ما فقدتُه، بل إلى حقيقة أنني بلا منزل، وفَقْدُ البيت يعادل فقد الابن، ولا يعرف هذا القهر إلاّ من جرَّبه.
بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، قررت عائلتي العودة إلى مدينة غزة بدلاً من البقاء في الجنوب، حيث وجد أبي منزلاً، لكن صاحبه طلب إيجار ثلاثة أشهر دفعة واحدة.
وفي آذار/مارس 2026، عدنا إلى الشمال. وكما خرجت قبل عامين بحقيبة خفيفة على ظهري، عدت بمثلها أحمل بعض الملابس، ودفتراً وقلماً، وشتلة ريحان احتضنتها بين ذراعَي لأنها كبرت معي في الجنوب.
بدأت رحلتنا سيراً على الأقدام؛ فسرنا لمسافات طويلة وأنا أحمل حقيبتي، وسط الغبار والدمار ورائحة البارود ورائحة الشهداء التي تفوح عبر المكان.
انتظرنا ساعات طويلة حتى وجدنا وسيلة نقل، وتنقلنا بين شاحنات بدائية، وتكاتك، وعربات تسحبها سيارة، نجلس عليها متلاصقين بلا راحة، وتبقى أرجلنا قرب العجلات والمارة، والسيارات مكتظة.
كانت رحلة متقطعة، وكل محطة كانت اختباراً جديداً للصبر. سمعت قصصاً تشبه قصتنا، كقصة رجل سبعيني أشيب الرأس فَقَدَ منزله وابنه البكر، وامرأة شابة فقدت زوجها ولا تعلم عنه أي شيء.
وبعد ساعات طويلة من “السفر”، وصلنا إلى الشمال، وتوجهنا إلى الشقة التي استأجرها أبي. كانت مملوءة بالغبار والردم والرمل، وغير مقسّمة، فقسّمناها بالشوادر، وأصبحت لي غرفة تمنحني بعض الخصوصية على الرغم من أن الفاصل قماش.
وتقع “شقتنا” المستأجَرة في الطبقة السادسة في أحد مباني منطقة السرايا، وكنت أنزل وأصعد يومياً حاملة الماء من الطبقة الأولى إلى الطبقة السادسة مشياً، وكلما فعلت ذلك، تذكرت النعمة التي كانت في بيتنا، فقد كان لدينا بئر وخزَّانات ماء كبيرة فوق السطح.
كنت أستيقظ يومياً على إحساس الغربة الموحشة، وأبحث عن شيء أعرفه داخل البيت الجديد، فلا أجده، فالمكان غريب، لا يمس ذاكرتي بشيء. ومع ذلك، عدتُ إلى الكتابة، لكن هذه المرة من داخل التجربة على أرض الواقع؛ فكتبتُ عن العودة والنزوح والصمت، وعن اللحظات التي لا توثقها الصورة، وعن الإرهاق والتعب، والانتظار، والحلم الذي تبدد، والوصول الذي لا يعني استعادة ما تم فقده.
أيضاً بدأتُ أبني تفاصيل صغيرة، كروتين يومي؛ أشرب فنجان قهوة، وأكتب في دفتر ملاحظاتي، وأقرأ من كتب اشتريتها مؤخراً هي قصص وروايات، وأحمل دميتي الصغيرة التي أهداني إياها أبي في عيد ميلادي خلال الحرب، كما أنني علّقت على جدار في غرفتي صورة جمعتني بفتيات صغيرات عبر ورشة قدمتها إليهم في إحدى النقاط التعليمية الخاصة في الجنوب.
اكتشفت بعد عودتنا إلى الشمال أنني عدتُ إلى نفسي بصورة مختلفة. لم أعد كما كنت سابقاً، لكنني لم أنكسر، بل ما زلت أنتظر الحلم أن يتحقق، وقد حولتُ خسارتي إلى كلمات، وكتبت الحزن الذي خيّم على قلبي خلال رحلة العودة والنزوح، بعد أن صار ذاكرة لا يمكن استهدافها. واليوم لم يعد سؤالي كما كان سابقاً؛ إن كان البيت سيعود أم لا، بل “كيف يمكن للإنسان الغزي أن يعيد نفسه من جديد؟” فهذا الواقع عابر، والحياة ستعود يوماً. وأردد بصوت أبو القاسم الشّابي:
“إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. فلا بد أن يستجيب القدر
ولابد للّيل أن ينجلي.. ولا بد للقيد أن ينكسر.”
ما زلت أؤمن بأن القصص لم تنتهِ، وأن الركام والدمار مساحة صغيرة، يمكن للأمل أن ينمو فيها، حتى وإن كان ضئيلاً. ومع مرور الأيام، بدأت أكتشف أن العودة ليست صعبة، بل الحياة المتقلبة والفقد هما الأصعب.
ها أنا أستيقظ كل صباح على صوت مختلف، لا يشبه صوت بيتنا القديم، أو صوت العصافير فوق شجرة التين، ولا يشبه أصوات الخيمة… بل هو صوت غزة المكسورة، والمتعبة، والتي أصبحت تتنفس بصعوبة.
أصبحت في كل صباح مبكر أراقب الشارع من شرفة البيت المرتفعة، أرى المارة يسيرون ببطء، وكأن كل واحد منهم يحمل قصته الثقيلة على كتفيه. لم يكن أحد خفيفاً، بل الجميع بدوا مثقلين… حتى الأطفال يبدون أكبر من أعمارهم، ولم تعد البراءة موجودة داخلهم كما السابق.
كنت أشتاق إلى تفاصيل بسيطة جداً كرائحة المنزل، وإلى صوت أمي المتوفاة وهي تناديني، ووشاح جدتي الصوفي، وضحكات العائلة من دون خوف، وأشياء لم أكن ألاحظها سابقاً، وأَصْبَحَتِ الآن كلَّ ما أريده، لأنني أدركت أنها نعمة فقدتُها.
لم يكن الوجع فقط في الفقد، بل أيضاً في المقارنة المستمرة بين ما كانت عليه حياتنا قبل الحرب وما أصبحنا عليه الآن؛ فنحن نعيش بين زمنين مختلفَين: زمن عتيق جميل لن يعود، ولربما يعود، وزمن حاضر ثقيل ومستقبل مجهول.
وعلى الرغم من كل ذلك، فإنني ما زلت أتمسك بشيء صغير جداً؛ الإصرار. ربما لم أعد أملك بيتاً أو أرضاً، لكنني ما زلت أملك القدرة على الاستمرار والمواجهة، ولا سيما أنني تيقنت من أن الإنسان يمكن أن يتأقلم مع أشياء لم يتخيل يوماً أنه سيتحملها.
في النهاية، أدركت أن العودة الحقيقية ليست إلى المكان، بل إلى القدرة على العيش من جديد على الرغم من كل شيء، وأن هناك حلماً بالعودة إلى موطني من جديد، فالاحتلال إلى زوال، ونحن أصحاب الأرض.
عن المؤلف: نسمة الحرازين: صحفية فلسطينية من قطاع غزة.
عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية