نقاش في صعود الولايات المتحدة أو هبوطها

بين فترة وأخرى تطالعنا بعض التصورات أو التحليلات التي تفيد بقرب انهيار الولايات المتحدة الأميركية. وقد تزايد، مؤخّرًا، هذا النمط من الكتابات التي باتت تدلل على استنتاجاتها بطريقة إدارة الرئيس دونالد ترامب للملفات الداخلية والخارجية، والمتميزة بالشعبوية والتفلّت من العقلانية والديمقراطية، أو بدلالة بعض الحوادث التي تنتمي إلى بقايا التمييز العنصري، كما بدلالة صعود بعض الدول مثل الصين، إلخ.

بيد أن تلك التصورات والتحليلات عن صعود أو هبوط مكانة الولايات المتحدة ليست جديدة، فإبان مرحلة “الحرب الباردة” كثر الكلام عن حتمية انهيار الإمبراطورية الأميركية، والعالم الرأسمالي، وعن الانتصار المؤكّد لما كان يسمى “قوى الثورة العالمية” الثلاث، التي كانت تضمّ آنذاك (بحسب أدبيات الأحزاب الشيوعية الكلاسيكية)، منظومة الدول الاشتراكية والأحزاب العمالية في البلدان الرأسمالية وحركات التحرر الوطني. بيد أن كل ذلك تبين، كما أثبتت التجربة، أنه مجرد كلامي سياسي ودعائي ورغبوي وسطحي.

وكانت مشكلة أصحاب تلك التحليلات والتصورات تكمن في يقينيّاتهم، ونظرتهم الأيديولوجية، وعقليتهم الإيمانية، ونزعتهم الرغبوية، التي لا تستند إلى حقائق وإحصائيات، فضلاً عن تعريفهم لأحوالهم بدلالة الآخر، باستغراقهم في بحث أزمات الرأسمالية، أو الدول الرأسمالية، من دون إدراك الأزمات العضوية التي تعشش في منظوماتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ يبحثون عن ثغرات الديمقراطية، وبعض مظاهر العنصرية، وحتى تزايد نسبة البطالة، وتراجع مستويات التعليم، في حين لا يتحدثون عن أي من ذلك، وضمنه الافتقاد لحقوق المواطنة، جملة وتفصيلا في بلدانهم، وضمن ذلك انعدام أو تخلف الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم والبنى التحتية. واللافت في خضم ذلك أن بعض القوى “اليسارية”، أو التي تدعي ذلك، تتعامل وكأن روسيا البوتينية هي امتداد لروسيا اللينينية، أو أن الصين هي بمثابة دولة شيوعية، في حين أن في الاثنتين نظام رأسمالي ينتمي إلى الليبرالية المتوحشة، ففي البلدين ثمة نظام اقتصادي لا يراعي أي حقوق للعمال، ولا اية ضمانات لهم، ناهيك عن الطابع المافيوي للاقتصاد الروسي.

اللافت أيضا أن تلك التصورات والتحليلات تؤكد وجهة نظرها بالاعتماد على كتّاب أو مثقفين أو مفكرين أميركيين، مثل زبينغيو بريجنسكي أو بول كندي أو فريد زكريا أو توماس فريدمان، إلخ، من دون أي تمييز بين حديث هؤلاء عن ظواهر سلبية بهدف تجاوزها، أو انتقادهم الإدارة في بلدهم، وبين اعتبار ذلك حقيقة راسخة لا محيد عنها، في محاولة لإسقاط واقع الولايات المتحدة على الواقع في العالم العربي، أيضا.

انهيار الاتحاد السوفييتي

يتناسى هؤلاء أن من سقط فعلا في تلك التجربة هو الاتحاد السوفييتي (السابق)، ومعه جملة دول المنظومة “الاشتراكية”، وليس الولايات المتحدة الأميركية، لسبب بسيط هو البنية الصلبة، أو الاستبدادية، للنظام السوفييتي المغلق على ذاته، في حين استطاعت النظم الرأسمالية أن تتجاوز أزماتها التي مرت بها طوال القرن العشرين، وحتى الآن، وذلك بسبب مرونتها وعقلانيتها، في إدارة أوضاعها وأزماتها واختلافاتها، وبحكم أنها هي التي أصبحت المنتج الأكبر للعلوم والتكنولوجيا في العصر الحديث، وهي التي تطبع العالم كله بطابعها. وكان المفكر الاقتصادي فؤاد مرسي تحدث عن ذلك بكل وضوح، قبل حوالي عقدين، في كتابه المتميز: “الرأسمالية تجدد نفسها”. وهذا، مثلا، بريجنسكي (المستشار الأسبق للأمن القومي الأميركي) الذي تحدث عن انهيار الاتحاد السوفييتي، بشكل مبكر، وفق حقائق كرّس لها كتابه الشهير: “بين عصرين”، الذي صدر قبل عقدين من حدوث ذلك (1970)، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستكسب المباراة بفضل النموذج الذي تمثله، ولأن الاتحاد السوفييتي يعاني أزمات مزمنة بنظامه السياسي المغلق، وافتقاد مواطنيه للحرية، وتخلفه التكنولوجي.

في المحصلة فقد انهار الاتحاد السوفييتي، والمنظومة الاشتراكية، ومعهما انهارت علاقات الحرب الباردة وأحزابها وترسانتها الأيديولوجية، من دون حرب، ومن دون أن تخسر الولايات المتحدة جنديا واحدا، فقد لعبت “القوة الناعمة” وجاذبية النموذج ووسائل الإعلام دورها.

بعد الاتحاد السوفييتي، حملت إيران، ومن معها، راية التبشير بانهيار الولايات المتحدة، وتحدّيها، باعتبارها زعيمة “الاستكبار العالمي”، و” الشيطان الأكبر”، إلى حد أنها باتت تعتبر ذاتها أهم وأقوى دولة في العالم. لكن إيران، في غضون ادعاءاتها تلك كانت تتعامل بطريقة عملية تخدم مصالحها، ما تكشّف في تواطؤها مع الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق، ثم في تسهيلها صفقة تدمير “الكيماوي” السوري، وإبرامها الصفقة المتعلقة ببرنامجها النووي.

عقليتين مختلفتين

المشكلة الأخرى في هذه التصورات النمطية تجاهلها أن الدول الديمقراطية، مهما كان رأينا بديمقراطيتها أو بسياساتها الداخلية أو الخارجية، تشتغل في الأغلب وفق مبادئ المصلحة والعقلانية، وعلى أساس التقاطع بدل القطع، والاعتماد المتبادل بدل الصراع المتبادل، في العلاقات الدولية، وهذا ما يفسر التشابك الاقتصادي، وعلاقات الاعتمادية الهائلة بين الصين والولايات المتحدة، رغم التنافر بينهما.

على ذلك فإن ما قد يعدّ تراجعًا في سياسة الولايات المتحدة، وفق ثوابتنا، يقع من منظورها في إطار مراجعتها لذاتها ولدورها وللعالم، وما نظنه خسارة قد تراه بمثابة ربح لها، وضمن ذلك تقليل كلفة أعبائها الخارجية، وحثّ الآخرين (روسيا والدول الأوروبية وإيران وتركيا) على تحمل مسؤولياتهم.

المعنى أن القصة تتعلق غالبًا بترتيب أولويات، ففي منطقتنا ظلّت سياسة الولايات المتحدة، لعقود، ترتكز على أربعة أسس: أمن النفط، وضمان أمن إسرائيل وتفوقها، وحماية الأنظمة “الصديقة”، وعدم السماح لقوة أخرى بالسيطرة على المنطقة، لكنها مؤخّرا أخضعت لتعديلات، تتمثل بالتخفّف من بعض النظم “الصديقة”، والسعي لإشراك آخرين في تحمل كلفة القلاقل والاضطرابات في الشرق الأوسط. ولعلّ هذه التعديلات دليل اطمئنان الولايات المتحدة لمكانتها كقوة عظمى، توزّع الأدوار على الآخرين، وتكيّفهم مع سياساتها ومصالحها، ما يفسّر تعاطيها مع أدوار روسيا وإيران وتركيا في الشرق الأوسط.

من بول كندي الى فريد زكريا وبريجنسكي

الآن، بات بيننا وبين كتاب بول كندي: “صعود وهبوط القوى العظمى”، الذي تنبأ فيه بهبوط مكانة الولايات المتحدة، بسبب أعبائها الخارجية وإنفاقها العسكري، حوالي ثلاثة عقود، في حين ما زالت الولايات المتحدة تتربع على عرش الاقتصاد العالمي، الذي تمتلك ربعه، مع تفوق هائل، أو فجوة لصالحها، في مجال العلوم والتكنولوجيا، كما في مجال القوة العسكرية. وربما يكفي للدلالة على ذلك أن تغريدة من الرئيس ترامب يمكن أن تخفض عملة عدة دول بما فيها الروبل الروسي واليوان الصيني والين الياباني واليورو الأوروبي، ناهيك عن العملة الإيرانية أو التركية، وأن الصين صاحبة الاقتصاد العالمي الثاني لا يمكنها فك ارتباطها بالاقتصاد الأميركي، وأن بضع مئات من الجنود الأميركيين يسيطرون على أهم منطقة في سوريا، شرقي الفرات.

لذا وباختصار، فبحسب فريد زكريا، فإن الولايات المتحدة حافظت على مكانتها كقوة عظمى طوال العقود الماضية، وأن القصة لا تتعلق بهبوط مكانتها وإنما بـ “صعود البقية”، بعد التعافي من الحرب الثانية، كاليابان وألمانيا، وبعدهما الصين. في حين أن بريجنسكي يرى مبالغة في الحديث عن اضمحلال الإمبراطورية الأميركية، كما حصل مع غيرها، كونها متماسكة داخليا، ولأن تخصيص 7 في المئة من دخلها القومي للنفقات العسكرية لا يشكل عبئًا عليها، فضلاً عن أنها بعيدة عن أية تهديدات حربية مباشرة، ناهيك عن وجود أبعاد متعددة للقوة لديها، عكس الاتحاد السوفييتي السابق الذي اعتمد على البعد العسكري.

أبعاد القوة الأمريكية

ثمة مجالات عديدة تبين واقع الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة، وتبين الفجوة الكبيرة بينها وبين الدولة التالية لها، أو باقي الدول القوية. ومثلا، فهي تمتلك 171 شركة بين أكبر 500 شركة في العالم (24 للصين و10 لروسيا)، وفيها 43 جامعة من أهم مئة جامعة في العالم (الصين 8 وروسيا 3)، وهي الأعلى إنفاقاً على البحث العلمي مع 400 بليون دولار سنوياً (الصين 153 وروسيا 23)، وتستحوذ على أكبر إنتاج في الإعلام ووسائل الاتصال، والأهم أنها القوة القائدة للعالم في مجال العلوم والتكنولوجيا. ولنلاحظ أن أهم شركات صاعدة في العالم، والتي باتت تتحكم بجوانب العولمة هي شركات أمريكية (أبل، ومايكروسوفت، وجوجل، وفيسبوك، وكل مجالات قطاع الاقتصاد الجديد الذي يعتمد على التكنولوجيا الرقمية)، كما يشمل ذلك الصناعات الكيماوية، وغير ذلك من صناعة الطائرات والسيارات والبواخر، وحاملات الطائرات، والأقمار الصناعية، والطاقة البديلة)، علما أنها تخففت إلى حد كبير من الصناعات الاستهلاكية، التي تعتمد أيدي عاملة كبيرة باعتمادها على منتجات الصين وتايوان وسنغافورة والهند وفيتنام.

أيضاً تكمن قوة الولايات المتحدة في أنها أكثر دولة تستقبل مهاجرين، وتشكيلتها الاجتماعية تضم أكبر خليط قومي وديني وثقافي في العالم، يتعايش فيها بفضل نظامها الديموقراطي، القائم على الحريات والمواطنين الأفراد، دون أي تمييز بالنسبة للقانون، وللعلاقة مع الدولة، أي إن أي تمييز لأي سبب يقع تحت طائلة القانون، وهي منذ زمن غدت كأنها مجمع عالمي للبشر من كل الدول والقارات والألوان والأديان.

ولننتبه أنه لا يوجد أعداء لتلك الدولة على حدودها، وأنها بعيدة بمقدار محيطات، وقطاعاتها الاقتصادية متنوعة، وثرواتها الطبيعية كثيرة ومتعددة وهائلة، وها هي تسير حثيثاً نحو التحول الى دولة مصدرة للنفط والغاز، مع الاكتشافات الجديدة فيها.

على الصعيد العسكري فإن إنفاق الولايات المتحدة يوازي إنفاق العالم كله، مع 700 مليار دولار، وهي تشكل اقل من 5 بالمئة من ناتجها القومي، وهي تساوي ما يقارب نصف الناتج القومي الإجمالي لروسيا ثاني أقوى قوة عسكرية في العالم. الأهم من الإنفاق تلك الفجوة في الإدارة والاتصالات، وتكنولوجيا السلاح، والقدرة الصاروخية والنووية، والتحكم بالفضاء. ففي مجال جديد تم منذ فترة قريبة الإعلان عن إطلاق برنامج تطوير لنظام مضاد للصواريخ الباليستية، وتشكيل “قوة فضائية”، وتطوير أجهزة استشعار في الفضاء، يمكنها رصد إطلاق الصواريخ، وتدميرها لحظة إطلاقها، من أي مكان في العالم، وليس فقط في مسارها، فقبل عامين أعلن ترامب أن “القوة الفضائية”، ستصبح “الذراع السادسة في الجيش الأمريكي”، بحيث سيكون “للولايات المتحدة قوة جوية، وقوة فضائية..القوتان ستكونان منفصلتين ولكن متساويتين”. وبحسب تعليق لوكالة الأنباء الصينية، في حينه، فقد “نجحت الولايات المتحدة في تطوير أسلحة يمكن أن تطلق من قواعد فضائية، من بينها بعض الأسلحة التي تفوق الخيال مثل (Rods from God)، وهي بمثابة عصا مصنوعة من معدن التنجستن، أو التيتانيوم، أو اليورانيوم، تبلغ زنتها عدة أطنان وتستطيع عند إطلاقها من منصة على قمر اصطناعي يدور في الفضاء، إصابة أي هدف على الكرة الأرضية في أي وقت وبقوة مماثلة للقنبلة النووية.” (شينخوا، أغسطس 2018)

مقارنة بين روسيا والولايات المتحدة

عموما، لعل ما تقدم بمثابة مناسبة لعقد نوع من مقارنة بين الطرفين الروسي والأمريكي، وغيرهما، في مجال الجيوبولوتيك، وهما أقوى دولتين في مجال التسلح، لمعرفة مصادر القوة المختلفة والمتنوعة لكل منهما في المقارنة مع الأخر، في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجغرافية، بعيدا عن الأوهام أو الرغبات أو المواقف المسبقة، ما يمكن تبينه في المجالات الآتية:

أولاً، لا يوجد أي تناسب في القدرات التكنولوجية والعلمية بين القطاع العسكري والقطاع المدني في روسيا، حيث القطاع العسكري الروسي ينمو أكثر بكثير من القطاعات الأخرى الإنتاجية (الصناعية والتكنولوجية والعلمية)، ولعل هذه من أهم نقاط ضعف روسيا، إضافة إلى النقص في التنمية البشرية، وفي نمط الحكم، رغم كل ملاحظاتنا على النظام السياسي الأمريكي، وهي نقاط الضعف ذاتها التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي السابق (مطلع التسعينيات.

ثانيا، منذ سنوات تخصّص الولايات المتحدة حوالي 700 بليون دولار للنفقات العسكرية، ما يساوي 12 ضعفا لمثيلتها الروسية (وخمسة أضعاف مثيلتها الصينية) وهي تشكل 40 بالمئة من الإنفاق العسكري في العالم، بل إن موازنة الدفاع الأمريكية تساوي ما يقارب نصف إجمالي الناتج القومي لروسيا، وثمة تفوق هائل لصالح الولايات المتحدة في نوعية السلاح من ناحية تكنولوجية كما من ناحية نظم المعلوماتية والإدارة.

ثالثاً، ثمة فجوة هائلة لصالح الولايات المتحدة في التطور العلمي والتكنولوجي، وهي المصدر الأساسي لهذه التطورات في العالم، فضلاً عن أن اقتصادها يساوي ربع الاقتصاد العالمي، بما يزيد عن 21 ترليون دولار من مجموع الناتج القومي العالمي الذي وصل إلى 87 ترليون دولار، مع دخل سنوي للفرد يقدر ب 43 ألف دولار سنويا، في حين وصل الناتج القومي في الصين إلى ما يقرب من 14 ترليون دولار مع حصة للفرد تقدر بـ8 الاف دولار، وفي روسيا إلى 1,7 ترليون، مع تفصيل بسيط وهو أن عدد سكان الولايات المتحدة 325 مليون (4,3 بالمئة من العالم) في حين أن عدد سكان الصين 1400 مليون نسمة (18.5 بالمئة من للعالم)، وإذا احتسبنا مجموعة بريكس الخمس، فإن الناتج القومي للولايات المتحدة يساوي الناتج القومي لكل من الصين، وروسيا، والهند (حوالي 3 ترليون)، والبرازيل (2 ترليون دولار)، وجنوب أفريقيا (350 مليار دولار)، لكن الفارق أن الناتج القومي للولايات المتحدة لأقل من 5 بالمئة من سكان العالم، في حين أن الناتج القومي لسكان دول البريكس يبلغ أكثر من 40 بالمئة من سكان العالم (ملاحظة: الناتج القومي لـ إيران 417 مليار دولار، تركيا 771 مليار دولار، إسرائيل 353 مليار دولار لـ9 ملايين نسمة).

رابعاً، إذا احتسبنا أن عدد سكان الصين هم أربعة أضعاف سكان الولايات المتحدة، فهذا يعني أن الولايات المتحدة متفوقة على الصين الصاعدة بمقدار ستة أضعاف، بقوتها الاقتصادية (ناهيك العلمية والتكنولوجية ونمط الحكم مع كل نواقصه وعيوبه)، وهي أقوى من روسيا اقتصاديا بمقدار سبعة أضعاف أيضا من الناحية الاقتصادية بالقياس لعدد السكان).

خامسا، بات لدى الولايات المتحدة مخزون نفطي كبير مع مستوعبات ممتلئة، أي أن قدرة الولايات المتحدة على إنتاج أو استيراد، المزيد من النفط الخام وتخزينه، وصلت إلى ذروتها، وهذا ينطبق على مصانع التكرير في العالم، بل ثمة حديث عن وجود 160 مليون برميل نفط خام مخزنة في ناقلات حول العالم بانتظار مشترين لتفريغ حمولاتها، ناهيك عن استحواذها على ثروة هائلة من النفط الصخري، الذي اضحى يمكنها من الاستغناء عن استيراد النفط من الخارج، ناهيك عن مساعيها التخفف من استخدامات النفط باعتماد مصادر طاقة بديلة.

باختصار ثمة في الولايات المتحدة مئة مشكلة ومشكلة، فهي بالتأكيد ليست تلك «الجمهورية الفاضلة»، لكن ثمة مئات المشكلات في البلدان الأخرى، لذا فهي، وبغض النظر عن رأينا فيها، واختلافنا الكبير مع سياساتها الداخلية أو الخارجية ستبقى، أقله في المدى المنظور، بمثابة قوة عظمى وحيدة في عالم متعدد الأقطاب، بسبب ميّزاتها وحيويتها.

المهم أن ندرك أن القصّة ليست فيما يحدث في الولايات المتحدة وإنما ما يحصل عندنا، وأن البحث في أوجه العطب في المنظومة السياسية والاقتصادية الأميركية لا ينبغي أن يصرفنا عن إدراك أوجه العطب، أو بالأحرى الانهيارات، في أوضاعنا وفي مجتمعاتنا. نعم الولايات المتحدة الأمريكية تقف على الضد من حقوقنا، سيما في دعمها لإسرائيل، وعدائها لحقوق الفلسطينيين، لكن ذلك لا ينبغي أن يصرفنا عن ملاحظة أوجه القوة التي تتمتع بها، والتي تفرض عبرها إرادتها على العالم، كما لا يجب أن يصرفنا ذلك عن ملاحظة أوجه الخلل والقصور في أوضاعنا الداخلية، وفي دور او مسؤولية العوامل الذاتية، التي تعيد انتاج ذلك، في استمراء لإحالة كل ذلك على العامل الخارجي.

*(توسع في مقالة عنوانها:صعود الولايات المتحدة أو هبوطها بين الواقع والتمنيات، كان نشرها الكاتب في جريدة العرب (18/9/2020)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *