نقاش في أسباب انسداد الخيارات الفلسطينية

ليست هي المرة الأولى التي تدرك فيها القيادة الفلسطينية أنها محشورة في مأزق، وأنها مضطرّة إلى طرح بدائل أخرى مغايرة للدفاع عن خياراتها، وإعادة إنتاج شرعيتها، وتعويم ذاتها، سواء بتجميد العملية التفاوضية أو بالاستمرار فيها، بوقف التنسيق الأمني أو المضي به، بالذهاب نحو المصالحة وإنهاء الانقسام أو الإبقاء عليه، بتعطيل العملية الانتخابية أو الشروع فيها.

هكذا، فقبل نحو عشرة أعوام لوّح الرئيس الفلسطيني محمود عباس باعتماد خيارات بديلة للالتفاف على إخفاق العملية التفاوضية وانسداد خيار الدولة الفلسطينية، وأيضا لتجاوز الاستحقاق الانتخابي (للرئاسة وللمجلس التشريعي)، ولإضفاء نوع من المشروعية على سياساتها. حينها طرح الرئيس ستة أو سبعة خيارات، ضمنها وقف المفاوضات، أو طرح القضية على مجلس الأمن الدولي لنيل عضوية كاملة لفلسطين في الأمم المتحدة، أو التوجه بطلب إلى الأمم المتحدة لفرض الوصاية على الأراضي المحتلة، أو طلب عضوية المراقبة من الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو دعم استصدار قرار يفيد بدعم إعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع، أو حلّ السلطة، أو الذهاب نحو المقاومة الشعبية.

وطبعا، فقد كان ضمن هذه الخيارات تقديم الرئيس لاستقالته وذهابه إلى البيت أو التوجه إلى انتخابات جديدة، وعدم ترشيح نفسه، وهي خيارات فهمت حينها باعتبارها مجرد تعبير عن ابتزاز، أو محاولة ضغط، أو “فشّة خلق”؛ وهو ما تم التأكد منه لاحقا.

وفي حقيقة الأمر، فمنذ زمن طويل، فات الوقت الذي يمكن فيه لتلك القيادة أن تغيّر خياراتها أو السياسات التي تنتهجها، لسبب بسيط وهو أنها باتت مرتهنة بوجودها، أي بشرعيتها ومكانتها السلطوية وبامتيازاتها للعملية التفاوضية الجارية مع إسرائيل، أي لمنظومة العلاقات الناشئة عن اتفاق أوسلو (الموقع قبل 28 عاما).

وعندي فإن تلك القيادة، بما أضحت عليه، لم تعد تمتلك القدرة أو الإمكانيات لانتهاج سياسات بديلة أو صنع خيارات مغايرة، من أي مستوى لأسباب عدة، أهمها:

أولا، حال الترهّل في الكيانات السياسية الفلسطينية السائدة (المنظمة والسلطة والفصائل)، وتآكل مكانتها التمثيلية في المجتمع، وتراجع دورها في مواجهة عدوها، وعدم قدرتها على تجديد ذاتها على صعيد المفاهيم والبنى والعلاقات وأشكال العمل. ولنلاحظ أن الفصائل المكوّنة للحركة الوطنية الفلسطينية باتت متماهية، بشكل أو بآخر، مع النظام السياسي السائد (السلطة) بمفاهيمه وآليات عمله، وحتى أن هذه الفصائل باتت غير قادرة على توحيد ذاتها وتجديد مفاهيمها، وإضفاء الحيوية على وجودها، فما بالك بتوليد بدائل في الإطار الوطني العام.

بمعنى آخر، لقد انتقلت الكيانات السياسية الفلسطينية ببناها ومفاهيمها وأشكال عملها، من كونها حركة تحرّر وطني، إلى كونها سلطة، بمعنى الكلمة، لكنها سلطة مشوّهة لأنها لم تنجز مشروع الاستقلال ولو لجزء من الوطن. هكذا لم تعد ثمة مقاومة، لا مسلحة ولا سلميّة، لا فصائلية ولا شعبية، لا في الضفة ولا في غزة! والمعنى أن الكيانات السياسية الفلسطينية تكيّفت مع واقعها، ومع نمط وجودها خلال العقدين الماضيين؛ ما يعني أن إسرائيل استطاعت تجويف هذه الحركة، ونزع طابعها كحركة تحرّر وطني.

ثانيا، الطبيعة “الريعية” للنظام السياسي الفلسطيني، فذلك النظام لا يعتمد في تأمين موارده الذاتية على شعبه، أو على إمكانياته الاقتصادية، بقدر ما يعتمد على الموارد المتأتّية من الخارج، وضمنها إسرائيل (الاقتطاعات الضريبية) والدول المانحة بما يشكله ذلك من ارتهانات سياسية ووظيفية، تضر بالمشروع الوطني الفلسطيني، وبعادات الطبقة السياسية القائدة. فمن ناحية الموارد المالية، فإن القيادة الفلسطينية تجد نفسها في مواجهة وضع لا تستطيع تحمل تبعاته، لاسيما مع تعذّر وجود موارد مستقلة تتيح لها التصرّف من خارج الارتهانات والإملاءات السياسية الموجهة نحوها.
وما يفاقم من ذلك الاحتياجات الكبيرة للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، على ضوء أوضاعهم الاقتصادية الصعبة، إذ ثمة 40 ألف وافد جديد على سوق العمل سنويا، وثمة تضييقات ناجمة عن وجود الاحتلال الذي يضع قيودا على الاستثمار وعلى التجارة، وعلى استخدامات الفلسطينيين للأراضي والمياه، فضلا عن تقطيعه التواصل بين الأراضي الفلسطينية.

وفوق كل ذلك ثمة في السلطة حوالي 160 ألف موظّف، تقدر كتلة رواتبهم بحوالي ملياري دولار سنويا. والمعنى من ذلك أن السلطة، في وضعها الراهن، غير قادرة على تغطية نفقاتها ورواتب العاملين فيها، دون الموارد التي ينبغي أن تتدفق عليها من الخارج، وهي موارد لا تأتي، على النحو المطلوب، في حال عدم التزامها بالإملاءات السياسية. وبديهي أن هذا الواقع يضع قطاعات من الفلسطينيين، نظريا وعمليا، أمام إشكاليتين، سياسية وأخلاقية، لاسيما في المفاضلة بين حقوقهم الشرعية وهويّتهم الوطنية من جهة، وأوضاعهم المعيشية من جهة أخرى.
ثالثا، تشتغل القيادات السياسية الفلسطينية بمعزل عن شعبها، حيث لا توجد مراكز لصنع القرار، ولا هيئات للقيادة الجماعية، ولا مجلس وطني، ولا مجلس تشريعي، والأهم من هذا وذاك أن المجتمع الفلسطيني ممزق ويخضع لسيادات متباينة ومختلفة، وهذه نقطة ضعف بالنسبة إلى الفلسطينيين ولحركتهم الوطنية، ولكنها تعتبر نقطة قوة تعمل لصالح القيادات الفلسطينية التي تجد نفسها متحرّرة في الخيارات السياسية التي تتخذها، فهي لا تخضع لا للمراقبة ولا للمساءلة ولا للمراجعة.

بيد أن الأكثر أهمية في هذا المجال هو أن الكيانات السياسية الفلسطينية باتت تتركز في الضفة والقطاع، أي أنها باتت تشتغل بمعزل عن الارتباط بتجمعات اللاجئين الفلسطينيين، الذين تشكل قضيتهم لبّ القضية الفلسطينية وقلب مشروعها التحرري. وقد كان من نتائج كل ذلك تخلي القيادة الفلسطينية عن أحد أهم مصادر قوتها، وهو المتمثل في هذه الكتلة الكبيرة من الفلسطينيين اللاجئين، فضلا عن التخلي عن القوة الأخلاقية التي تكمن في قضية حق العودة.
هكذا فإن أحد مصادر فقدان القدرة على اتخاذ خيارات بديلة، من قبل القيادة السائدة، إنما يكمن في تهميشها لمصادر قوتها، الكامنة أو الظاهرة، وأكبر مثال على ذلك يتمثل في تخليها عن ورقة منظمة التحرير لصالح كيان السلطة، وكذلك تخليها عن ورقة اللاجئين وهم كتلة اجتماعية واسعة، كانت في ما مضى حاملة لمشروع الكفاح المسلح الفلسطيني، ناهيك عن تخليها عن فلسطينيي 48.
المعنى، أن انتهاج خيارات سياسية بديلة ومغايرة في مواجهة إسرائيل الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية، إنما يتطلب إحداث تغييرات في بنية الطبقة السياسية المتحكمة بالكيانات السائدة (المنظمة والسلطة والفصائل)، كما يتطلب تجديد شباب تلك الكيانات وتجديد القيادة والمفاهيم على أسس نضالية وتمثيلية وديمقراطية، ووفق رؤى سياسية تطابق بين الشعب والأرض والقضية والرواية التاريخية، وليس مجرد انتخابات.

(جريدة “العرب”)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *