نقاش في أحوال الخريطة الفصائلية الفلسطينية

خاص موقع  ملتقى فلسطين

بدأ التأريخ للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بتأسيس فصائلها في منتصف ستينيات القرن الماضي، واستمر تاريخها بهذه الفصائل، مع إنجازاتها وإخفاقاتها، وبما لها وما عليها. هكذا عرّفت هذه الحركة بفصائلها الكثيرة، من “فتح”، إلى الجبهات: الشعبية والديمقراطية والقيادة العامة والنضال والتحرير، إضافة إلى طلائع حرب التحرير الشعبية ـ الصاعقة (تابعة لتنظيم فلسطين في حزب البعث في سورية)، وجبهة التحرير العربية (تابعة لتنظيم فلسطين في حزب البعث العراقي).

وقد حافظت الساحة الفلسطينية على خريطتها الفصائلية تلك حتى لحظة إنهاء الوجود العلني لمنظمة التحرير في لبنان (بعد الاجتياح الإسرائيلي 1982)، إذ حصلت تصدعات في هذه الخريطة، في الثمانينيات، مع ظهور حركتين سياسيتين تعبران عن التيار الإسلامي، الأولى وهي “الجهاد الإسلامي”، والثانية “حماس”. كذلك شهدت هذه المرحلة قيام الحزب الشيوعي (حزب الشعب)، والانشقاق في “فتح” (1983)، الذي ظهر بموجبه ما بات يعرف بحركة “فتح الانتفاضة”.

وفي التسعينيات شهدت الخريطة الفلسطينية تصدعات أخرى، ناجمة عن عملية التسوية، وقيام الكيان في الضفة والقطاع، حيث خرجت “فدا”، من الجبهة الديمقراطية (التي خرجت في أواخر الستينيات من الجبهة الشعبية)، وانقسمت كل من جبهات: النضال والتحرير والعربية، إلى فصيلين! وشهدت هذه المرحلة تراجع مكانة منظمة التحرير، في القيادة والمرجعية والصفة التمثيلية، لصالح السلطة، كما شهدت تبلور المكانة القيادية لحركة حماس كمرجعية منافسة وبديلة.

هكذا يتبيّن، من هذه العرض أنه ثمة نوع من الثبات والاستقرار في الخريطة السياسية الفصائلية الفلسطينية، وأن التحولات الحاصلة جاءت بضغط التحولات الخارجية، ولكن مشكلة هذا الثبات والاستقرار أنه ليس دليل عافية تماما، وإنما هو تعبير عن الجمود، وبالأصح فهو تعبير عن ضعف مستوى الحراك والتفاعل السياسي في الفصائل السائدة، وعلى المستويين الداخلي والخارجي.

ويمكن تفسير الركود في الحالة السياسية الفلسطينية، بواقع أن “الطبقة” السياسية السائدة، أي “طبقة” القيادة في الفصائل، صاغت فصائلها على قياسها، وأحكمت السيطرة عليها، بوسائل عدّة، وهي في معظم الأحوال حالت دون تحويل الأطر إلى مؤسسات فاعلة، وغيّبت العلاقات الديمقراطية، وشّوهت الحراك الداخلي، وعبثت بالتراتبية الداخلية، وتجاهلت معايير النضالية والكفاءة، لصالح علاقات المحسوبية والزبائنية. وهذا يفسر، أيضا، كيف أن تلك “الطبقة”، التي أنشأت الفصائل المذكورة، مازالت باقية على الأغلب، تعيد تجديد ذاتها وشرعيتها، بشتى السبل، بل إنها تعيق توليد أية حالات جديدة، داخلها أو خارجها.

أيضا ثمة أسباب موضوعية سهّلت على هذه “الطبقة” ترسيخ دورها في التسيّد على منصّة القيادة، رغم التحولات والتطورات والإخفاقات، ضمنها، مثلا، غياب الإقليم المستقل، وتشظي مجتمعات الفلسطينيين (خارج الأرض المحتلة)، والمداخلات الخارجية في الوضع الفلسطيني، وتدني مستوى المشاركة الشعبية في العملية السياسية، وعلاقات الهيمنة التي أنشأتها (بوسائل العسكرة و”التفريغ” المالي)، بحكم اعتماديتها على الخارج أكثر من اعتمادها على شعبها؛ بحيث أن هذه الفصائل باتت بمثابة كيانات سلطوية، في التجمعات الفلسطينية.

الأنكى من ذلك أن هذه “الطبقة” شرعنت مكانتها في القيادة بالتواطؤ، فيما بينها، على قيام نوع من نظام المحاصصة “الكوتا”، في إطار منظمة التحرير، لتحويل نفسها إلى سلطة وإغلاق النظام الفلسطيني أمام أية حالات سياسية جديدة.

وإذا تجاوزنا تفسير ثبات الجسم القيادي في الفصائل إلى البحث في معنى تعددية الفصائل، في واقع يحتوي 17 حالة تنظيمية وسياسية! فيمكن ببساطة تلمّس أن تعددية الفصائل هي، على الأغلب، كميّة ومصطنعة، وليست تعددية نوعية، ولا تعكس واقعا حقيقيا، بقدر ما تعكس مصالح شخصية أو فئوية أو إقليمية. هكذا فثمة فصائل ليس ثمة مبرر سياسي، أو فكري، لها كونها لا تعبر عن تيار بعينه، فضلا عن أن ثمة فصائل لم يعد لها وجود يذكر، لا على المستوى الشعبي، ولا على مستوى الصراع ضد إسرائيل، ولا حتى على المستوى الذاتي.

وقد بينت نتائج انتخابات المجلس التشريعي (2006)، مثلا، أن الفلسطينيين منقسمون إلى تيارين: أي تيار الوطنية الفلسطينية وتمثله “فتح”، وتيار الوطنية الإسلامية وتمثله “حماس”، أما الجبهة الشعبية فحازت في الانتخابات على ثلاثة مقاعد، في حين حاز ائتلاف الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب و”فدا” على مقعدين، وحصل تيار المبادرة الوطنية (مصطفى البرغوثي) على مقعدين، وتيار الطريق الثالث (فياض وعشراوي) على مقعدين أيضا، في حين لم تحصل الفصائل الأخرى ولا على مقعد (حركة الجهاد قاطعت الانتخابات). ويمكن اعتبار نتائج هذه الانتخابات عينة، أو نموذج، لشعبية كل فصيل في مختلف تواجد الشعب الفلسطيني، ولدرجة كبيرة.

ومعضلة الفصائل السائدة إنها، ورغم تآكل دورها، وضعف امكاناتها، مازالت تفضّل الإبقاء على حالها مستغلة نظام “الكوتا”، والاستقطاب بين “فتح” و”حماس”، وضعف الحراك والتجديد في الساحة الفلسطينية، ما يستجيب لمصالح هيئاتها القيادية.

اللافت، أيضا، أن هذه الفصائل، ورغم وضعها هذا، لم تتجه للاندماج أو للاتحاد مع بعضها، فلا أحد يعرف مثلا الفوارق بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب و”فدا”؟! ولا أحد يدري من أين جاء مفهوم التطابق الكامل بين منتسبي الفصيل الواحد؟! أيضا، لا أحد يدرك حجم الفوارق بين جبهتي النضال والتحرير، ثم بينهما وبين الجبهتين الشعبية والديمقراطية؟ هذا فضلا، عن أن لا احد يفهم لماذا ثمة جبهات انقسمت على نفسها أصلا (الديمقراطية والنضال والتحرير والعربية)! كما لا احد يفهم ما يميز بين الجهاد وحماس، وهما تنظيمان سياسيان ينتميان للتيار الإسلامي؟ وإذا كان ثمة خلافات فقهية بينهما، فهل هذا آوان ذلك، أو هل ثمة مجال لذلك في مرحلة التحرر الوطني؟

و يمكن الاستنتاج من ذلك بأن خريطة العمل الفلسطيني، بوضعها الطبيعي، يمكن أن تتأسس على فصيل، أو اثنين، يمثل كل منها تيارا بعينه، من مثل تيار الوطنية الفلسطينية، والتيار الوطني الإسلامي، والتيار الوطني الديمقراطي.

على أية حال يبدو أن الظروف والتحولات الذاتية والموضوعية تؤشر إلى انتهاء المرحلة الفصائلية، بانتهاء مرحلة العسكرة ونظام التفرّع، وبمغادرة أعداد كبيرة من الكوادر لفصائلهم، هذا فضلا عن العوامل المتعلقة بالتحولات المجتمعية والاقتصادية والثقافية في المجتمع الفلسطيني، والمحددات والمعيقات الخارجية، إضافة إلى تحول الحركة الوطنية الفلسطينية إلى سلطة، تحت الاحتلال، مع تهميش منظمة التحرير لصالح تلك السلطة، وافول الخيار الوحيد الذي ارتهنت له، وهو خيار الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع.

وعلى خلاف الانطباع السائد، فإن غالبية الفلسطينيين باتت اليوم خارج الفصائل (وضمنها فتح وحماس)، لأسباب ضمنها استهلاك العمل الفلسطيني لذاته، بشعاراته ووسائل عمله، والاحباط الناجم عن استعار الخلافات الداخلية، والإخفاق في أي من الخيارات التي أخذتها القيادة على عاتقها، من المقاومة إلى التسوية ومن الانتفاضة إلى المفاوضة، ومن تجربة المنظمة إلى تجربة السلطة.

الفكرة أن القديم انتهى دوره، أو انتهت مفاعيله، لكنه لا يريد أن يغادر، بل ويقف كعقبة كأداء إزاء ضرورات التجديد والتطوير، في حين أن الجديد لا يأتي، أو يكابد، بحكم ضعفه، وبواقع عدم توفر الظروف الموضوعية الملائمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *