نديم روحانا: شعور الخيبة والخذلان من الأحزاب العربية لا يواجه بالعقاب

روحانا: شعور الخيبة والخذلان من الأحزاب العربية لا يواجه بالعقاب

حاوره: سليمان أبو ارشيد ، “عرب 48″، 23/3/2019

في حوارنا معه، آثر بروفيسور نديم روحانا تقديم الخاص المرتبط بفلسطينيي الداخل على العام في الانتخابات الإسرائيلية، مدفوعًا بالحالة التي وصفها بخيبة الأمل والخذلان مما آلت إليه أمور الأحزاب العربية، من انفراط عقد القائمة المشتركة والاصطفافات الغريبة التي أعقبتها، وزادت بلة طين القصور الذي سبق وأظهرته تلك القوى، في مواجهة تحديات أساسية واجهتها.

عرب 48: خيبة الأمل والخذلان هي مصطلحات كبيرة تعني أنّك كنت تعلق آمالا عريضة على تحالف الأحزاب العربية، الذي سمي بالقائمة المشتركة، والذي لم يكن، باعتقادي، سوى وسيلة لتجاوز نسبة الحسم، ناهيك عن المراهنة على قدرة هذا التحالف في التصدي للتحديات التي تواجه جماهيرنا؟

روحانا: خيبة الأمل والخذلان ليست شعورًا شخصيًا، بل هو شعور جماهيري عام، وكما هو معروف، فإنّ الخذلان وخيبة الأمل يأتيان عادة في سياق علاقة حميميّة وديّة، أمّا مردُّ ذلك، فهو الاعتقاد بأنه كان هناك وعدٌ أو شعورٌ بالوعد من قبل قيادة شابة قوية ومتعلمة، وليس أنّ هذا الوعد لم يوضع موضع التنفيذ فقط، بل سارت الأمور بعكس ذلك.

وإذا ما تجاوزنا الجانب الشعوري، فإنّ قضية انحلال القائمة المشتركة، نتيجة تصرفات بعض الجهات والاصطفافات غير المفهومة التي أعقبت انفراط عقدها، هي بمثابة فشل عميق للقيادات، ولكني لا أعتقد أنّ هذا الفشل يجب أن يواجه بالعقاب، علمًا بأنّني، في موضوع المقاطعة، أرى أنّ الذين يتحدّثون عن مقاطعة يمارسون حقهم السياسي الطبيعي، ويجب ألّا يعرضهم ذلك لاتهامات في غير محلها، وذلك على الرّغم من ضرورة التمييز بين أنواع مختلفة للمقاطعة، خاصّة بين المقاطعة وعدم التصويت نتيجة لخيبة الأمل من الأحزاب السياسية أو من الإنجازات، التي يمكن تحقيقها من خلال العمل البرلماني، والمرتبطة بفشلها في مواجهة تحديات أساسية.

عرب 48: كنت قد أشرت في بداية حديثنا إلى فشل “القائمة المشتركة” في التصدي للتحديات أساسية واجهت جماهيرنا؟

روحانا: كلمة فشل ثقيلة بعض الشيء لا أحب أن أكرّرها كثيرًا، ولكن هناك ثلاثة تحديات أساسية كان يجدر ويمكن مواجهتها بشكل أفضل، الأول هو صياغة “مشروع وطني”، خاصّةً بعد تشكيل القائمة المشتركة، وهو مشروع يحدّد معالم المستقبل في ضوء ما يحدث في إسرائيل وفي ضوء الانقسام الفلسطيني وتراجع العمل الوطني الفلسطيني وتآكل حل الدولتين.

غياب مشروع وطني هو فشل ذريع بالنسبة للجميع، من هم داخل البرلمان ومن هم خارج البرلمان.

التحدي الثاني، هو الفشل في التصدي لـ”قانون القومية” الذي “دَسْتَرَ” ما كنّا نعلمه، ولكن الرد الضعيف مع هذه المكاشفة معناه أنّنا يمكن أن نقبل هذا الأمر بشكل أو بآخر، أنا أعتقد أنّ إهدار الطاقة في الخلافات والتنافس الداخلي أضعف من إمكانية الرد الذي كان يجب أن يكون حازما وجازما، وهناك طرق عديدة من بينها الانسحاب من الكنيست لفترة محددة، ومن بينها التوجه للمؤسسات الدولية، بمعنى العمل المنهجي والمتواصل على هذا الصعيد، وليس زيارة هنا واجتماع هناك، مثلما كان.

وفي هذا السياق أتساءل، لماذا لا يكون رد على مسعى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي يريد أن يساوي بين معاداة الصهيونية واللاسامية، لماذا لا تخرج 13 رسالة من 13 عضو كنيست أو رسالة واحدة موقعة من الـ13 عضوًا، ترسل لماكرون وللأمم المتحدة ورؤساء العالم والسفارات تقول لهم نحن لا صهيونيين بالتعريف ومن واجبنا ومسؤوليتنا أن نقاوم الصهيونية، فهل ستعتبروننا لا ساميين؟ كذلك عندما جاء الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، إلى إسرائيل وتحدث عن الدولة اليهودية، كان يفترض طلب اجتماع مع السفير الأميركي، وإفهامه أنّ هذه التصريحات تتناقض مع 20% من سكان الدولة.

التحدي الثالث، يتمثل في التحولات الاجتماعية العميقة التي حدثت في مجتمعنا ومتطلبات الطبقة الوسطى من مهنيين وأصحاب أعمال، هذه الطبقة، بطبيعة الحال، ستعمل على الانخراط في المجتمع وإعلاء مكانتها الفردية والجماعية، ولكن ما يحدث هو أمر فيه بعض التناقض أو المفارقة، فهناك انخراط في المجتمع، والبقاء، بالمقابل، على هامش دولة اليهود.

التحدي هو كيف نفهم تلك العملية وكيف نتحدى هذا التهميش وكيف نخاطب تلك الفئات التي تريد أن تعلي من شأنها بهذا الشكل.

عرب 48: تقصد أن عملية الاندماج الاقتصادي لا تترافق مع اندماج سياسي تقوم على الاعتراف بنا كمجموعة قومية شريكة في الدولة؟

روحانا: بل أقصد أنّ ما يجري عملية عكسية تتمثل بزيادة الاندماج الاقتصادي، مقابل زيادة التهميش السياسي، بمعنى أنّك صرت منخرطًا مهنيا في دولة الآخرين، دولة اليهود، أنت مهمش بالتعريف، أنتَ مهمش في وطنك.

أنتَ مندمج مهنيًا، ورقيّك المهني يتطلب بعض الأمور التي فيها تناقض، ارتقاؤك يتطلب المسار الآخر، أنتَ خارج الانخراط في السياسة العامة، حتى أنّك غير مهاجر، بمعنى أنّ وضع المهاجر أفضل منك في وطنك لأن المهاجر سيصبح جزءًا من الدولة مستقبلا.

“قانون القومية” كان مناسبة للمساهمة في النضال الفلسطيني، ليس فقط في تأييد حل الدولتيبن والشعارات فقط. أنا أعتقد أنّ الفلسطينيين في إسرائيل يتمتعون بأفضل وضع من بين التجمعات الفلسطينية الأخرى بحكم طبيعتهم، في الكشف عن جوهر الصهيونية، خاصّة وأن هناك استعدادًا في العالم لسماع مطلب المساواة الكاملة ودولة المواطنين؛ حتّى في الولايات المتحدة بدأت هذه المقولات تدخل تدريجيا في الخطاب السياسي الأميركي، خاصة في أوساط الحزب الديمقراطي.

التجمّع حمل هذا المشروع والآخرون يقولون إنّه مشروعهم، فلماذا لا يحمل الجميع هذا المشروع إلى العالم.

عرب 48: المشكلة أنّ التجمع صاحب هذا المشروع حصل لديه تراجع، بمعنى أنّه بعد أنّ تلقي القفازة وتعلن الحرب، يجب أن تستعد لصد الهجوم وألّا تتوقع من عدوك أن يقف متفرجا، هذا ما حصل في “قانون القومية” وغيرها من التدابير، التي جاءت ردًا على رفع شعار دولة المواطنين؟

روحانا: المشكلة ليست فقط في التراجع، بل في عدم تطوير المشروع، أيضًا، مع أن هذا المشروع هو أحد المشاريع التي يمكن أن تحملها إلى العالم وعدم القيام بذلك هو بمثابة فشل ذريع.

وإن كان تطبيق ذلك قد أضحى متأخرًا في هذه الانتخابات، فإنّه منذ الانتخابات القادمة تجب الدعوة إلى عدم التصويت لأي حزب لا يدعو بشكل واضح إلى تحويل إسرائيل إلى دولة لجميع المواطنين ودولة مساواة، وإذا منعت إسرائيل تلك الأحزاب من خوض الانتخابات فليكن، فهي، أولًا، تمنع من المشاركة في الانتخابات لأنها تطالب بالمساواة؛ وثانيا يجب أن تعمل تلك الأحزاب منذ اليوم على بناء بدائل، إذ أنّ نسبة التصويت قد تنخفض في هذه الانتخابات إلى ما تحت الـ50%، وفي المرة القادمة ستكون أقلّ، عندها سيصبح العمل البرلماني مساهمة على المكشوف في تجذر الهامشية في وطنك، رغمًا عن الزيادة في نسبة التعليم والانخراط في سوق العمل، بمعنى أنّك ستصبح “مرتزقًا” أو “شبيهًا بالمرتزقة”، لأنك لا تعمل في الصالح العام الذي أنت جزء منه.

ورغم أننا لا نستطيع التوقع بأن يؤتي نضالنا ثماره في تحقيق حقوقنا السياسية، إلا أن تنازلنا عن هذه الحقوق وعدم وضعها في رأس سلم أولوياتنا والعمل على إنجازها محليا ودوليا، يعني التنازل عن كرامتنا الإنسانية، لأن الاندماج الاقتصادي دون المطالبة بتحويل إسرائيل إلى دولة جميع المواطنين هو اندماج تتجذر فيه الهامشية أو هو بين الهامشية والارتزاق.

عرب 48: ولكن هناك من يتغنى بالمكاسب اليومية ويجعلها هي الأساس؟

روحانا: التشديد على المكاسب اليومية في العمل البرلماني وإغفال الوطني والقومي، بمعنى أن هذا وطننا ونطالب بدولة المواطنين وتحويل النظام الصهيوني إلى نظام ديمقراطي، هو سير في ركاب تجذي الهامشية.

في السياق ذاته يقع البيان الذي يدعو إلى تعزيز الديمقراطية في إسرائيل والذي وقعت عليه بعض الشخصيات العربية، فالحديث عن ديمقراطية إسرائيلية يفترض تعزيزها مناف للواقع، لأن ما هو موجود هو ليس بديمقراطية لأنها ديمقراطية لليهود فقط ويجب تحويلها إلى ديمقراطية، والقول إننا نسعى لتعزيز الديمقراطية يعني تعزيز الدولة اليهودية الديمقراطية. وتجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أنّ العرب الفلسطينيين في إسرائيل هم الأكثر قدرة من بين التجمعات الفلسطينية، ليس على قيادة النضال الفلسطيني كما يدعي البعض، بل في موضوع مواجهة الصهيونية وفي المطالبة بتحويل دولتها إلى مجتمع ديمقراطي.

نحن، الفلسطينيون في إسرائيل، أكثر التجمعات الفلسطينية قدرة على المطالبة بحويل الصّهيوني إلى ديمقراطي، والحديث عن التناقض بين الصهيونية والديمقراطية بسبب موقعنا وتجاربنا اليومية، وهناك استعداد لسماع هذا الخطاب فلماذا لا نفعل.

عرب 48: بمعنى أو آخر، فإنّ اليمين الإسرائيلي من خلال “قانون القومية” كشف التناقض القائم بين يهودية الدولة وديمقراطيتها، وهو تناقض حاول التيار الليبرالي طمسه على مدى سنوات طويلة؟

روحانا: اليمين كشف اللعبة وفتح الباب أمامنا للمساهمة في المشروع الوطني الفلسطيني عبر المساهمة في وضع إسرائيل أمام العالم على طبيعتها كدولة عنصرية، وذلك بغض النظر عن الحديث عن دولة واحدة أو دولتين، فالحديث عن دولتين ليس بالشعارات وليس باللقاءات مع (الرئيس الفلسطيني، محمود عباس) أبو مازن، الذي يستميت لاستعادة المفاوضات.

المواجهة المطلوبة هي مواجهة سياسية فكرية مع المشروع الصهيوني، وهي تستلزم استنهاض كل العمل السياسي والفكري وعمل الأكاديميين. وللحقيقة، بعض الأكاديميين يعملون على ذلك، أنا أقول إنَّ تلك المواجهة هي مساهمة على مستوى المواطنة والوطن وعلى المستوى الوطني في قضية الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، وهو الدور المنوط بنا وليس دور قيادة النضال الوطني الفلسطيني، كما يدّعي ويدعو البعض.

عرب 48: ربما هذا العمل سيتحول في ضوء “إنهاء حل الدولتين والضم الزاحف” إلى الفعل الأساسي في النضال الفلسطيني، وبهذا المعنى سيناط بنا الدور القيادي؟

روحانا: صحيح، وقد تكون تلك نقطة الوصل مع الانتخابات الإسرائيلية التي تدور في ضوء إنجاز عملية الضم، إذا لم يحدث شيء مفاجئ، فعلى الغالب أن اليمين سيشكل الحكومة وعنوان المرحلة سيكون كيف سيتم قضم الجزء الأكبر من الضفة الغربية والتخلص من القضية الفلسطينية عن طرق إعطاء ما يريده الفلسطينيون من مسمى، والخلاف هو إذا كانت مناطق “ج” لوحدها أم لا، وإذا كان سيتم منح مواطنة للفلسطينيين في مناطق “ج” أم لا.

فأنا أعتقد أن المجتمع الإسرائيلي قد دخل بعد سنة 2000-2001 وصعود شارون والانتفاضة الثانية، في مرحلة من الصعب جدًا الرجوع منها، نحو زيادة العنف وزيادة الميل نحو جرائم ضد الإنسانية، حيث يخلق فائض القوة نوعًا من الإنسان الذي ينظر إلى الآخر بفوقية وعدم احترام، إضافة إلى نشوء جيل لا يعرف عن “سرقة فلسطين”، وهو يرى أنّ هذا الوطن له، فهو كبر وتربى على ذلك، والعامل الثالث هو عامل الخوف، وأنا كلما تحدّثتُ عن هذا العامل تعرّضتُ للنقد من زملائي الفلسطينيين، ولذلك أريد توضيحه، فالحديث عن خوف من أخذ مكان الآخر، وهو خوف يستغله اليمين وتستغله القيادات الصهيونية، ولن يكون التخلص منه ممكنًا إلا بطرح بديل عن الصهيونية يقبل اليهود بغير صهيونية.

عرب 48: فائض القوة الإسرائيلية التي تتحدث عنها ربما تنبع من ضعف الردع الفلسطيني والعربي؟

روحانا: نحن في فترة حرجة عالميًا، كأنما العالم أغمض عينه عنّا، التغيرات السياسية في الولايات المتحدة وصعود اليمين في أوروبا وقضايا العالم العربي الداخلية، ناهيك عن الحالة الفلسطينية، طبعا هناك العنفوان الفلسطيني والمقاومة الشعبية الفلسطينية وتحدي القوة المفرطة، كل هذا من شأنه أن يغيّر من المعادلة ويقلب السيناريوهات.

وعلينا أن نتذكّر أن الأثمان ليست عسكرية بالضرورة، فالثمن الذي دفعته جنوب أفريقيا ليس ثمنا عسكريا، بل بتحولها إلى دولة معزولة بفعل المقاطعة العالمية وتأثيرها على الاقتصاد، وتحولها إلى دولة مارقة.

عرب 48: وفي حال سيناريو صعود رئيس “كاحول لافان”، بيني غانتس، وتشكيل حكومة “وحدة وطنية”؟

روحانا: عندها ستجري مفاوضات بين أطراف العملية السياسية الإسرائيلية، غانتس يعالون لبيد ومن ثم الليكود، علمًا أنّ الحديث سيجري في كل الأحوال عن كيفية إجراء عملية الانفصال عن الفلسطينيين التي هي ذاتها عملية الضم، علمًا، أيضًا، أن هناك إجماعًا على القدس والمستوطنات والحدود، وأنّ الاختلاف هو في حجم الأراضي التي سيتم ضمها إلى إسرائيل، ويجب أن نذكر أن إيهود براك هو صاحب مقولة “نحن هنا وهم هناك” وليس اليمين.


نديم روحانا: أستاذ الشؤون الدوليّة ودراسة الصراعات في كلية فلتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس في بوسطن وهو باحث في مدى الكرمل-المركز العربي للدراسات الاجتماعيّة التطبيقية في حيفا

Author: فريق التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *