ندوة الحركة الفلسطينية الأسيرة: الجغرافيا السادسة

أجريت المقابلة مع: باسم خندقجي، ثابت مرداوي، عبد الرازق فرّاج، عبد الناصر عيسى، مروان البرغوثي، وجدي جودة، وليد دقة.

قبل قرابة شهر من الإضراب الكبير في 18 أيار / مايو 2021، والذي عمّ جغرافيات فلسطين التاريخية كلها، ورافقه تعاضد فلسطيني كبير في الشتات وتضامن عربي وعالمي عزّ نظيره، بدأ الإعداد لهذه الندوة التي تهدف إلى إسماع صوت نخبة من قادة الحركة الوطنية الفلسطينية الذين غيّبهم الأسر في سجون الاحتلال الصهيوني. واستمر إعداد الندوة قرابة أربعة أشهر شهدت إلغاء الانتخابات الفلسطينية في نيسان / أبريل، و”هبّة القدس” ومعركة “سيف القدس” في أيار / مايو، ومقتل نزار بنات على يد قوات الأمن الفلسطينية في حزيران / يونيو. وقد تسببت هذه السلسلة من الأحداث بزلزال سياسي في الساحة الفلسطينية، بدءاً بوصف التدخل العسكري للمقاومة في غزة بأنه “حرف للبوصلة” عن الهبّة الشعبية في القدس وعموم فلسطين، وانتهاء بوصف الاحتجاجات الشعبية على مقتل نزار بنات والتضييق على الحريات العامة بأنها صنيعة “أجندات خارجية.”

مثلت سنة 2021 بداية كيّ وعي للنظام الصهيوني والنظامَين الرسمي العربي والعالمي بـ “الحقيقة الفلسطينية”، بدءاً بتقارير منظمات “هيومان رايتس ووتش” و”آمنستي” و”بيتسليم” التي أكدت المؤكد بأن دولة المستوطنين (إسرائيل) “هي نظام فصل عنصري من النهر إلى البحر”، وليس انتهاء بالانتصارات، الصغيرة والكبيرة، التي حققتها “هبّة القدس” ومعركة “سيف القدس”؛ إلّا إن ما تلا من أحداث ذكّر الجميع بمقولة محمود درويش: “وأهلي كلّما شيّدوا قلعةً هدموها.” فبدلاً من جني الثمار السياسية لهبّة عموم فلسطين، وإضرابها التاريخي، والعناصر الجديدة في معادلة الردع التي حققتها المقاومة في غزة، تعزَّز الانقسام السياسي المتواصل منذ سنة 2007، بفعل خطابات “حرف البوصلة” و”المسؤولية عن إعادة إعمار غزة” والارتهان لـ “أجندات خارجية”، وما رافقها من تشبيح فيزيائي وسياسي وأيديولوجي، للدفاع عن وحدانية وشرعية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية (التي لم يختلف عليها أحد)، فأُضيفت رضّات إضافية إلى الجسد الفلسطيني، أكانت اجتماعية أم ثقافية، فضلاً عن خسارة المعركة السياسية التي كان يجب أن تجني ثمار نتائج المواجهة الأخيرة مع الصهيونيين وحلفائهم.

وفي ظل هذه الأجواء المأسوية، وعلى الرغم من الاصطفاف الوطني الكبير خلال هبّة القدس، والذي قارب الإجماع، وعلى الرغم من وجود مبادرات إصلاحية بعدها لاستدراك الحالة الوطنية من طرف الهيئات الحقوقية والقانونية، والأسرى المحررين، والعديد من المثقفين الوطنيين، فإن الساحة الفلسطينية افتقدت صوت قيادة الحركة الوطنية الأسيرة القابعة في سجون العدو الصهيوني، حيث تقع “الجغرافيا الفلسطينية السادسة”. وهذا الصوت لم يغب بإرادة الأسرى، أو جرّاء تلعثم صوتهم، أو لخواء كنانتهم، وإنما بحكم ظروف عزلهم من طرف سلطات الاحتلال، وتعزيز عزلتهم من جانب معظم فصائل العمل الوطني عبر إقصائهم عن دائرة القرار الفعلي، على الرغم من وجودهم في أعلى البنى القيادية فيها. وقد أدى ذلك إلى ما يشبه “كسوف فلسطين” وراء مَن يمثّل، أو يعتقد أنه يمثّل، مشروع التحرر الوطني، والذي لا يبدو أنه كان قادراً على التقاط اللحظة التاريخية النادرة لأيار / مايو 2021، والتي مثلت استعادة على الأرض، وعبر العنف الثوري، لخطاب التحرر الوطني الفعلي خارج متاهة الاستجداء السياسي.

ولذا، فقد أُطّرت هذه الندوة كي تُسمِع صوت مَن لا يمكن اتهامهم بأي ممّا سبق، لا بـ “حرف البوصلة”، ولا “سرقة منظمة التحرير الفلسطينية”، ولا “الارتهان لأجندات خارجية”، لأن المشاركين في هذه الندوة ليسوا من عشاق “الخطاب الأيديولوجي”، ولا من المتغنين بـ “شعارات السبعينيات”، ولا من المصابين بعوارض “النوستالجيا الوطنية البائدة”، وإن كانوا أبطالها التراجيديين، لأنهم مَن دفع ثمنها، وضحاياها التراجيديين كذلك، لأنهم استمروا في دفع الثمن. فهم “أسرى الحرية”، حرفياً، وقد أُسروا لأجل حرية الفلسطينيين، ولا تزال حرية الفلسطينيين تأسرهم، وتسكن خطابهم، وتملأ أجندتهم ببند واحد فقط، تكوّنه ستة أحرف: فلسطين.

وعليه، فإن أهمية هذه الندوة تنبع من توقيتها، ومن مكانة المشاركين ومكانهم من حيث المكانة السياسية والموقع الجغرافي. ولأن الحركة الفلسطينية الأسيرة هي خلايا الذهن التي لم يدركها العطب في جسم الحركة الوطنية الفلسطينية، وبسبب تاريخية دورها القيادي، ومكانتها الرمزية لدى الشعب الفلسطيني على اختلاف أماكن وجوده، فإن هذه الندوة هدفت إلى استطلاع آراء الأسرى على نحو حواري منتِج، يبحث واقع فلسطين كهوية وقضية في سنة 2021 ومآلاتها. ولمحورية دور الحركة الفلسطينية الأسيرة (ومكانتها من داخل أسوار السجن الأصغر) في توجيه بوصلة الفلسطينيين الوطنية (في السجن الأكبر وفي المنافي)، تعوّل هذه الندوة على أن تشكل دليلاً سياسياً وأخلاقياً، ونواة لمبادرة إنقاذ وطني، في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الشعب الفلسطيني. فالفلسطينيون، اليوم، يعتبرون السجون الجغرافيا السادسة من أمكنة مأساتهم وملحمتهم الوطنية، وهي الجغرافيا السادسة الموازية للقدس وقطاع غزة والضفة الغربية وفلسطين 48 والشتات، ويتوقون بجوارحهم كلها إلى الاستماع إلى ما لدى الأسرى من آراء.

لقد كان المخطط أن يشارك في الندوة جيلان يمثلان مختلف التوجهات السياسية في الحركة الفلسطينية الأسيرة: نخبة قيادية من الجيل الأول، هم الأسرى: وليد دَقّة، وباسم خندقجي، ومروان البرغوثي، وثابت مرداوي، وأحمد سعدات، وعبد الناصر عيسى، ووجدي جودة؛ ومجموعة شبابية من الجيل الثاني، وهنّ الأسيرات: أماني الحشيم، وليان كايد، وبشرى الطويل، ومنى قعدان، وميسون جبالي؛ فيناقش الأسرى القادة الأسئلة الوطنية الراهنة في الجولة الأولى، بينما تساجلهم الأسيرات الشابات في الجولة الثانية، ثم تؤطَّر الندوة بشكل تكاملي كأنها عُقدت بالتزامن بين الجيلين. غير أن ظروف التواصل مع الأسرى في السجون الصهيونية، لم تسمح لهذا المخطط بأن يكتمل، فالقائد أحمد سعدات لم يتمكن من المشاركة، وناب عنه الأسير المناضل عبد الرازق فرّاج. ونظراً إلى تأخر وصول الردود من أسرى الجيل الأول من قيادة الحركة الفلسطينية الأسيرة حتى نهاية تموز / يوليو، فإننا، وبسبب تقييدات الوقت، لم نتمكن من إدخال خلاصات الندوة إلى أسيرات الجيل الثاني في سجن الدامون من أجل التعقيب والسجال، فاستعضنا عن ذلك بحوارية مع أربع أسيرات محررات مؤخراً من سجن الدامون، هن: ميس أبو غوش، وشذى حسن، وسماح جرادات، وإيلياء أبو حجلة. وقد عملت قَسَم الحاج على تحرير المادة بعنوان: “أربع أسيرات، أربع محررات: قصص عن الحرية”، وستُنشر بشكل منفصل عن الندوة في هذا العدد الخاص من “مجلة الدراسات الفلسطينية”.

ومع أنهم، جميعاً، بغنى عن التعريف، إلّا إن إيراد بعض التفصيلات عنهم إنما هو من باب التذكير بمكانتهم الأخلاقية، لا الوطنية فقط، كما أن سيرة كل منهم تذكّرنا بالصرخة المرّة التي أطلقها الطاهر وطّار في رائعته “الشهداء يعودون هذا الأسبوع”، عن مآلات الوطنيين الأوفياء الذين خُذلوا في “سنوات الرصاص” التي تلت رحيل المستعمِر، واستحكمت فيها التذرّرات الوطنية. يقول عن الشهداء، والأسرى / الشهداء مع وقف التنفيذ: “حتى الذين ضحوا بأرواحهم من أجل إسعادنا، نشكّ في موقفهم من القضايا الثورية. أي أفكار يمكن أن يعودوا بها غير التي ذهبوا بها، غير التي ماتوا من أجلها؟ إذا كنّا نحن الأحياء قد وقعنا في فخ الخونة والانتهازيين، وغرقنا في متاع الحياة ولم ننتبه إلى أن العربة التي نركبها فُصلت عن القطار، فهؤلاء الأعزاء المقدسون، بالإضافة إلى أنهم أخلصنا، لأنهم ضحوا أكثر منّا، لم يلوَّثوا بمشاكل الحياة بعد، إنهم القطار الذي يلج النفق ويدفع العربة المنفصلة أمامه. لعل الاصطدام يخرج العربة والقطار عن السكة، لعل القطار الذي يأتي من الجانب الآخر يعيد العربة إلى الخلف.”

شارك في الندوة، من الأسرى الأحرار الذين اختاروا هذه العربة التي سعت ولا تزال لإخراج قطارنا الوطني من النفق الذي علق فيه، سبعة مناضلين من قادة الحركة الأسيرة، والذين يمثلون مختلف أطياف الحركة الوطنية الفلسطينية في فلسطين التاريخية، من: فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وحركات المقاومة الإسلامية، والحركة الوطنية في فلسطين 48. فهؤلاء، على الرغم من قطع سلطات الاحتلال الصهيوني، لمسيرة حياتهم “الاعتيادية”، نفياً ومطاردة واعتقالاً وعزلاً، إلّا إنهم تمكّنوا من حيازة تحصيل أكاديمي متميز وهم في الأسر، يتراوح بين درجتَي الماجستير والدكتوراه، وأصدروا كتباً رائدة في الفكر السياسي والكتابة الإبداعية والمشاركة في الحياة الثقافية في فلسطين، وأسسوا “جامعة السجن – هداريم”، فضلاً عن تاريخهم النضالي في صفوف حركة التحرر الوطني الفلسطينية، ومساهمتهم في إطلاق “وثيقة الأسرى للوفاق الوطني” في سنة 2006. وهؤلاء المشاركون هم من مختلف بقاع الجغرافيا السادسة التي تشكلها سجون العدو، من شمال فلسطين إلى جنوبها، ومجموع أعوام محكومياتهم يبلغ رقماً فلكياً يصعب، حرفياً، حسابه.

من سجن “جلبوع”، في بيسان المحتلة، كل من: وليد دَقّة، المولود في سنة 1961، في بلدة باقة (الغربية) في المثلث الفلسطيني المحتل، والمعتقل منذ سنة 1986 بتهمة العمل العسكري في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والمحكوم بالسجن المؤبد. وقد انتمى دَقّة في سنة 1998، إلى التجمع الوطني الديمقراطي في فلسطين 48؛ باسم خندقجي، المولود في سنة 1983 في مدينة نابلس المحتلة، والمعتقل منذ سنة 2004، والمحكوم بالسجن المؤبد ثلاث مرات بتهمة العمل العسكري خلال انتفاضة الأقصى. وهو عضو في اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني.

ومن سجن “هداريم”، بين طولكرم وأم خالد المحتلتين، كل من: مروان البرغوثي، المولود في سنة 1959، في قرية كوبر شمالي غربي مدينة رام الله المحتلة، والذي أمضى في الأسر أكثر من نصف أعوام عمره، وأُبعد عن فلسطين ثم عاد، وكان آخر اعتقال له، بعد أن فشل العدو في اغتياله، في سنة 2002. أُدين بخمس تهم بالمسؤولية العامة كونه أمين سر حركة “فتح”، ومؤسس كتائب شهداء الأقصى وقائدها، وحُكم بخمسة مؤبدات وأربعين عاماً. شغل قيادة اللجنة الحركية العليا لحركة “فتح”، وهو حالياً عضو في المجلس الثوري واللجنة المركزية للحركة، كما أنه عضو في المجلس الوطني التابع لمنظمة التحرير، والمجلس التشريعي التابع للسلطة الفلسطينية؛ ثابت مرداوي، المولود في سنة 1976، في بلدة عرّابة جنوبي غربي مدينة جنين المحتلة، اعتُقل وهو جريح، بعد نفاد ذخيرته، في معركة مخيم جنين في سنة 2002، وحُكم عليه بالسجن المؤبد 21 مرة و40 عاماً بتهمة العمل العسكري في إطار حركة الجهاد الإسلامي.

ومن سجنَي “رمون” و”كتسيعوت” الصحراويين في النقب المحتل، كل من: عبد الناصر عيسى، المولود في سنة 1968، في مخيم بلاطة في مدينة نابلس المحتلة، لعائلة لاجئة من طيرة دندن شمالي شرقي مدينة اللد المحتلة، وهو معتقل منذ سنة 1995، ومحكوم بالسجن مؤبدَين وسبعة أعوام، بتهمة العمل العسكري في إطار حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، والتي ترأّس الهيئة القيادية لأسراها في السجن؛ عبد الرازق فرّاج، المولود في سنة 1963، في مخيم الجلزون شمالي شرقي مدينة رام الله المحتلة، لعائلة لاجئة من مدينة اللد المحتلة. وقد أمضى 19 عاماً متقطعة في سجون الاحتلال، منها عشرة أعوام ونصف عام في الاعتقال الإداري، وهو موقوف منذ عامَين بتهمة الانتماء إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ وجدي جودة، المولود في سنة 1977، في قرية عراق التايه شرقي مدينة نابلس المحتلة، وهو معتقل منذ سنة 2004، ومحكوم بالسجن المؤبد بتهمة تأسيس “كتائب المقاومة الوطنية” التابعة للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين التي يشغل، حالياً، عضوية لجنتها المركزية.

لقد تم تزويد الأسرى المشاركين بمفهوم الندوة على مستويين: الأول، هو التشخيص العام؛ الثاني هو المحاور التي صيغت على شكل أسئلة حوارية. وسنورد أولاً التشخيص العام، ثم المحاور التي عملنا على استكمال الإجابة عنها. وتجدر الإشارة إلى أن مداخلات الأسرى المشاركين، والتي تتفاوت في طولها وتركيزها، وصلتنا بصيغ متنوعة شملت: تسجيلات صوتية، وكتابات بخط اليد، أو تصويرات منمنمة، أو مطبوعة عبر المحامين والأهل، وغير ذلك. وقد بذلنا قصارى جهدنا في أن نضعها في النص مثلما وردت، موزعة على المحاور التي ارتأينا تقسيم موضوعات الندوة وفقاً لها، إلّا في حالات نادرة من عدم الوضوح، جعلتنا بسبب مقتضيات التحرير، نضيف كلمات، أو نحذف بعض الجمل التي لا تستقيم مع السياق دلالياً، والتي لم نتمكن بحكم اختلاف ظروف السجون الصهيونية وظروف التواصل، من التأكد منها نظراً إلى القيود الأمنية والزمنية، مع الحرص على الإشارة إلى أماكن الحذف أو الإضافة بمربعين.

 التشخيص العام

 شهدت الأعوام الخمسة الأخيرة تحولات غير مسبوقة في كل من فلسطين المحتلة، والإقليم العربي، والعالم. وقد توالت التحديات من الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الصهيوني (2017)، مروراً بالسيادة على الجولان (2019)، وعقد “ورشة السلام من أجل الازدهار” في منامة البحرين بحضور العديد من الرسميات العربية (2019)، وانتهاء بإعلان “صفقة القرن” (2020) وما تضمنته من تنكّر تام للحقوق الفلسطينية، علاوة على التطبيع مع أربعة أنظمة عربية أُخرى وتتبيعها (الإمارات والبحرين والسودان والمغرب) ضمن ما عُرف بـ “اتفاقيات أبراهام”. وعلى الرغم من الخدر الذي ساد موقف السلطة الفلسطينية الرسمية التي بدت كأنها خسرت رهاناتها كلها، فإن الفلسطينيين تمكنوا من تحقيق نجاحات لافتة في مقاومة هذا التردي بتسجيل انتصارات متوالية لحركة مقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها (BDS) عالمياً، ومقاومة التطبيع عربياً، وابتداع أشكال متنوعة من المقاومة الشعبية العنفية وغير العنفية فلسطينياً، أهمها: “انتفاضة السكاكين” (2015)، و”مسيرات العودة” والعمليات الفردية (2018)، و”هبّة القدس” و”سيفها” اللذان تخللهما الإضراب التاريخي في 18 أيار / مايو 2021، في جغرافيات فلسطين التاريخية كلها، وفي الشتات. وهذه الأشكال المتنوعة أعادت الاعتبار إلى القضية الفلسطينية كنضال تقوده حركة تحرر وطني فلسطيني أصلانية ضد دولة استعمار استيطاني صهيوني في عموم فلسطين. فكيف ترون ذلك؟

  مروان البرغوثي: بداية أتوجه بالشكر الجزيل لكم على الاهتمام الكبير بالحركة الوطنية الأسيرة في الأسر، كما أسجل تقديري الكبير لـ “مجلة الدراسات الفلسطينية” المتميزة بمقالاتها ودراساتها النوعية، والتي نحرص على إدخالها إلى السجن والاستفادة منها، وعلى أن تكون من المراجع المعتمدة في برنامج الماجستير التابع لجامعة القدس والذي أتشرف بالإشراف عليه وتدريس جميع مساقاته. وقبل أن أجيب، أود تأكيد جملة من الحقائق والوقائع المتعلقة بالاستعمار الصهيوني الاستيطاني لأرض فلسطين، والذي تميّز بالثبات على عقائده الأساسية.

إن ركائز الهجرة، والأرض، والاستيطان، وبناء القوة العسكرية والأمنية المتفوقة، والحليف الدولي، منذ انطلاق هذا المشروع حتى الآن، لا تزال تشكل العمود الفقري لسياسات الاستعمار الصهيوني. فالهجرة اليهودية لا تزال تتدفق بمعدل 32,000 مهاجر يهودي سنوياً، والاستيلاء على الأرض الفلسطينية يسري بشكل يومي، ووصل إلى مرحلة متقدمة جداً، بحيث سجل زيادة 200,000 مستوطن في الأعوام العشرة الأخيرة في الضفة الغربية، علاوة على أن تطور القدرات العسكرية والأمنية وصل إلى مرحلة غير مسبوقة وبات الاستعمار الصهيوني يملك قدرة عسكرية لا تقلّ عن قدرة بريطانيا وفرنسا، كما أن هذا الاستعمار يواصل بناء تحالف لا مثيل له في التاريخ الحديث بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، ويجري تحالفات متقدمة مع كل من روسيا والصين والهند. وقد قطعت إسرائيل شوطاً كبيراً في التحول إلى دولة مركزية في الإقليم تسعى عدة دول للتحالف والتعاون معها، فضلاً عن أن الوضع الديموغرافي للوجود الصهيوني لم يسبق أن وصل إلى هذا الحجم، أي 7,5 ملايين يهودي.

وما يجب أن نلاحظه هو أن هذا المشروع الاستعماري، بأطيافه وأحزابه وتياراته، لا يقبل بالحد الأدنى الذي وافق عليه التيار الرئيسي في منظمة التحرير الفلسطينية كأساس للتسوية، ومع ذلك، وبعد ربع قرن من المفاوضات ومحاولات الوصول إلى تسوية، وصل هذا المشروع إلى فشل كامل، وتحولت السلطة الفلسطينية إلى سلطة بلا سلطة، واستعمار بلا تكلفة. وفوق ذلك كله، فإن سياسة التطهير العرقي ما زالت تتواصل إلى جانب السياسات الاستعمارية الأُخرى.

وفي المقابل، فإن المشهد، فلسطينياً، متداخل، من جهة وصول النظام السياسي الفلسطيني الذي تبلور في العقود الماضية، إلى حافة الانهيار، وسقوط جميع مكوناته المنقسمة والعاجزة والفاشلة. ومن جهة أُخرى، هناك بعد إضافي يمنح شعبنا كثيراً من الأمل: فبعد مرور أكثر من 130 عاماً على الغزو الاستعماري المدعوم دولياً، وما مارسه من سياسات ما انفكّ يمارسها على أرض فلسطين بين النهر والبحر، هناك 7 ملايين فلسطيني هم ليسوا عاملاً ديموغرافياً فحسب، بل إنهم فاعل سياسي ووطني وثقافي وإنساني وحضاري أيضاً. ولعل الأهم من ذلك، أنهم فاعل مقاوم لم يتراجع، على الرغم من مسلسل التطهير العرقي والمجازر والقتل والاعتقال والإبعاد والنفي والتعذيب والمعاناة والتجويع والحصار واللجوء، عن حقه في الحرية والعودة والاستقلال.

إن معركة القدس الأخيرة والمستمرة دليل ثابت وقاطع على ما أكدناه دوماً، ولم يصدّقه البعض، وهو أن شعبنا الفسطيني لديه مخزون نضالي لا ينضب، وأن معاناته وآلامه، مهما تبلغ، لم ولن تدفعه يوماً إلى التخلي عن حقوقه الوطنية الثابتة، فما يحتاج إليه هو ممارسة “المقاومة الشاملة” في مواجهة المشروع الصهيوني. وقد أثبتت المعركة الأخيرة المبدأ الذي دعونا إليه دوماً، وهو: “المقاومة الشاملة” التي تتكامل فيها أساليب وأشكال النضال، وتتعاضد فاعليتها مجتمعة. كما أن هذه المعركة كشفت عن عجز النظام السياسي الفلسطيني وهشاشته وضعفه، وأثبتت أن ما نحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى هو إنتاج نظام سياسي جديد مدخله الوحيد العودة إلى الشعب، وإنجاز الانتخابات العامة بمراحلها الثلاث من دون إبطاء، لأن البديل هو أسوأ ممّا يتصور كثيرون، فضلاً عن أن هذا حق مقدس لشعب عظيم، وتشديد على مبدأ التعددية وسيادة القانون والحريات العامة والتداول السلمي للسلطة وتجديد الشرعيات والقيادات.

  ثابت مرداوي: أتوجه إلى الإخوة في “مجلة الدراسات الفلسطينية” بخالص الشكر والتقدير على جهدهم الذي أدعو الله أن يمنّ عليه بالتوفيق، وبأن يُنتفع به. إن المحاور وما فيها من أسئلة تخطر على ذهن كل فلسطيني، أمّا نحن، في الأسر، فإنها تشغل تفكيرنا كله، وتلتهم جهدنا ووقتنا، ويكاد انشغالنا بها ينسينا انقطاع أنفاسنا هرباً من ظلم السجن وملاحقة المؤبد [….]. فالقضايا التي تتناولها المحاور تشير إلى خطورة المرحلة التاريخية التي نمر بها، والتي هي فعلاً أخطر ما وصلنا إليه منذ بداية المشروع الصهيوني، كما أن فيها ما يشير إلى مدى ابتعادنا عن صفات “حركة التحرر الوطني”، فكيف صدّق البعض منا “كذبة” أن لدينا سلطة بنظام سياسي وأننا في مرحلة بناء الدولة؟ فهذه مرحلة أو حالة لها متطلباتها وثقافتها وفرادتها وصراعاتها وأخلاقياتها وانقساماتها وقيمها، بينما جميع ما لدينا لا علاقة له بهذه الأمور، ويتناقض مع الحقيقة الأهم، وهي أننا شعب تحت الاحتلال. والمشكلة لا تقف عند هذا الحد، بل إن هذه “الكذبة” خلقت لنا “واقعاً افتراضياً” حوّلته مخيلتنا الجديدة إلى “واقع فعلي”، وصدّقه البعض منا بجوارحه حتى بات يرفض تصديق معطيات الواقع الحقيقي، فدخل، وأدخلنا معه في زمن التيه.

  وجدي جودة: في البداية، لا بد من شكر. ودامت “مجلة الدراسات الفلسطينية” منبراً عروبياً ووطنياً حراً للحوار وتطوير الأفكار، ودامت خطى شعبنا الفلسطيني وشعوبنا العربية، وأحرار العالم على طريق التحرر والتقدم والاستقلال نحو عالم جديد.

إن المرحلة الراهنة التي يمر بها شعبنا الفلسطيني ومشروعه للتحرر الوطني، هي الأخطر بعد نكبة 1948، بفعل ضعف العامل الذاتي الفلسطيني، واستمرار الانقسام والصراع على السلطة، وغياب قيادة وطنية مركزية، وتعطيل متعمد للمؤسسات التنفيذية والتقريرية، وفي ظل غياب برنامج وطني موحد، وانكشاف الحالة الفلسطينية على المحاور العربية والإقليمية والدولية، بما في ذلك مع المستعمِر الصهيوني. وهذا فضلاً عن توزّع الشعب الفلسطيني القسري على أكثر من وطن وأكثر من شتات، مع عدم وجود قيادة تستطيع لمّ شمل الفلسطينيين في برنامج وطني ونضالي جامع يحشد الطاقات ويوحد النضال ليواجه الاحتلال الذي يمارس حربه العدوانية التوسعية على الشعب الفلسطيني كله. وعندما نتناول تحولات الأعوام الخمسة الأخيرة وتحدياتها، والتي أتت دفعة واحدة، نجدها تؤكد نهاية النهج والبرنامج السياسي لقيادة أوسلو، فضلاً على أنها كشفت وعرّت أنظمة عربية هرولت وتهرول إلى التطبيع مع إسرائيل من موقع ضعف وتبعية للتحالف الإمبريالي الصهيوني. إلّا إن الشعب الفلسطيني، وعلى الرغم من تشاؤم الحالة الموصوفة، ما زال إيمانه وتفاؤله بإرادته راسخَين، ولا يزال يختزن الطاقات والقدرات والروح الوطنية الجمعية بهدف الخلاص من الاحتلال، وأظهر ويُظهر قدرة عالية على النضال الشجاع وتحقيق الانتصارات على يد المقاومة العنفية واللاعنفية في جغرافيات فلسطين التاريخية كلها، وفي الشتات، الأمر الذي يثبت أن على الفلسطينيين أن يعتمدوا على أنفسهم وعلى العامل الذاتي، على الرغم من أهمية وضرورة العامل الموضوعي الذي يتأثر أصلاً بالعامل الذاتي الفلسطيني، فالرهان أولاً وأخيراً هو على الشعب الفلسطيني.

 المحور الأول

أزمة القيادة في المؤسسة السياسية الرسمية

 في ظل تعطيل الحياة البرلمانية والفساد الذي ضرب المنظومتَين القضائية والتنفيذية، واستمرار التنسيق الأمني، ومأساة أوسلو وما يرافقها من سخط عام على القيادات التقليدية في المنظمة، والسلطة، ولجنة المتابعة العليا، والقائمة المشتركة بجميع أحزابها، كيف تشخّصون الأزمة، وما الطريق إلى الخروج منها؟

 مروان البرغوثي: إن أزمة القيادة جزء من أزمة النظام السياسي وأزمة المشروع الوطني والحركة الوطنية، وهي أزمة قادت إلى مطلب التغيير كمهمة نضالية متقدمة، إذ لم يعد هناك إمكان للإبقاء والتعامل المأزوم مع النظام السياسي، بل إن قيادته أصبحت عبئاً أمام تقدّم المشروع الوطني التحرري وتطوره ووحدته. وهذا الأمر يستدعي إحداث تغيير جوهري يتعدى تغيير الشخوص شكلاً، ليصل إلى الأفكار والبنى وسياق العمل والفعل السائد والمسيطر جوهراً، ذلك بأن إنتاج حالة مقاومة شاملة، وإحداث تغيير جاد على الأرض، لن يتحققا من دون إحداث التغيير الجوهري اللازم على صعيد المؤسسة الوطنية والوحدة والرؤى والبرامج والأهداف، انطلاقاً من أن المؤسسة وأدواتها تخدم أهدافها، وأن لا قدسية لها، ووجودها مرتبط بدورها وفاعليتها وقدرتها على التعامل مع التحديات والمهمات الماثلة أمامها، وعلى تعبيرها عن آمال الشعب وطموحاته، وتمثيلها لقيم الصدق والأمانة والتضحية.

هذا ما نحتاج إليه الآن لتجاوز إفرازات ونتائج الاتفاقات على الأرض، ولنتمكن من خلق وإنتاج جميع العوامل لتحقيق الأساس اللازم لانطلاقة ثانية للحركة الوطنية الفلسطينية، متجاوزين العقبات التي حالت دون إنجاز المهمات، ومؤسسين لمرحلة نضالية ثورية جديدة عنوانها وحدة الشعب والقضية، ووحدة الإطار التمثيلي الموحد، واتّباع نهج “المقاومة الشاملة” لمواجهة المشروع الصهيوني.

  وليد دَقّة: إن الأزمة تتجاوز القيادة السياسية وتعبيراتها اليومية المتمثلة في التنسيق الأمني، وتطال ما هو أعمق في نضالنا كشعب ما زال تحت الاحتلال، وتهيمن على حياتنا البرلمانية المفترضة، بل على حياتنا تحت الاحتلال، إذ لا عدالة قضائية، ولا قرارات حكومية يمكن أن تكون نافذة، بوجود المستوطنين الذين يقومون، وبحماية من الجيش الإسرائيلي، بالاستيلاء على الأرض والماء والهواء في الضفة والقطاع والقدس، والذين اصبحوا مؤخراً جزءاً من مشروع جديد لتهويد المدن المختلطة في الداخل الفلسطيني كحيفا وعكا ويافا واللد والرملة.

إن الأزمة القيادية عطلت عمل المشروع الوطني الفلسطيني وأضرت بالهوية، وهي أزمة مبنى فكري وذهنية سائدة، وتجربة غير قادرة على تجديد نفسها، فتكلّست مفاصلها على جميع المستويات السياسية والفكرية والثقافية، وعطلت القدرة على شحن الهوية بقيم وطنية وإنسانية جامعة. وخطورة هذه الأزمة ليست في شموليتها فحسب، بل في امتلاك هذه القيادة أيضاً، أدوات التعطيل أو ربما الإفساد من خلال سيطرتها على الkقرارَين السياسي والمالي اللذين من خلالهما تحاول تجديد شرعيتها، فتعيد إنتاج الأزمة على نحو أسوأ، مثلما حاولت أن تفعل عبر المصالحة، وكقرار الانتخابات الذي ألغته عندما وجدت أن رياحها لا تهبّ كما تشتهي سفنها، الأمر الذي كشف عدم جديتها في المصالحة.

أعتقد أننا نشهد اليوم، ومن خلال أحداث الهبّة الأخيرة التي قادتها فئة شابة من طلبة الجامعات وخرّيجيها من أبناء الطبقة الوسطى، لحظة تاريخية مثل تلك التي انبثقت منها منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في منتصف القرن الماضي بعد هزيمة 1967؛ وهذه القيادة الشابة رفضت نهج القيادة التقليدية التي تبنّت بشكل أساسي “استراتيجيا” السعي الدبلوماسي لدى الدول العظمى لاستجداء الحقّ الفلسطيني. لقد استطاعت هذه القيادة هضم لحظتها الكونية، واستوعبت دروس الحرب العالمية الثقافية، ومن أهم هذه الدروس هو تسليح الحق بالقوة. فقد كانت شاهدة على القوى وهي ترسم خريطة العالم من جديد، فعملت في ظل مناخات دولية مناهضة للاستعمار، وداعمة أو على الأقل مساندة لحركات التحرر، إلّا إنها اختزلت القوة، ولعدة أسباب لا مجال لذكرها هنا، في القوة العسكرية، بمعنى (force)، بدلاً من أن تسعى للقوة / القدرة بمعنى (power)، فخسرت تلك الفرصة التاريخية التي كانت متاحة لها عربياً ودولياً لحصد نتائج مجزية من الكفاح المسلح الذي هو أسلوب أساسي في النضال من أجل تحرير فلسطين، خلافاً لما حدث في كوبا وفييتنام والجزائر حيث أفضت النتيجة إلى التحرر والانعتاق من الاستعمار.

إن القيادة التي “انتفضت” على القيادة التقليدية التي سبقتها، تحولت هي ذاتها، بمبناها الفكري وتجربتها، إلى المواقع نفسها التي انتفضت ضدها، وتخلت عن العنف الثوري، ودانته بصفته عنفاً غير شرعي في ظل ما وقّعته من اتفاقيات، ولجأت إلى الدبلوماسية كأسلوب وحيد للنضال. فالقيادة الفلسطينية في رام الله مؤمنة بأن الكفاح المسلح كان خطأ وما زال، وهي غير مستعدة لأن تعترف أيضاً بأن طريق المفاوضات منذ أوسلو باء بالفشل وأوصلنا إلى طريق مسدود. وفي ظل هكذا وضع، بتنا أمام شكلين من النخبوية: نخبوية العمل الدبلوماسي في رام الله، ونخبوية العمل المسلح في غزة. ومن دون التقليل من أهمية الإنجازات التي حققها هذان الشكلان من النضال، فإن عدم اجتماعهما في مركز قرار سياسي واحد، على شكل حركة تحرر، وليس سلطة واحدة، أبقى الأغلبية الساحقة من الشعب الفلسطيني خارج دائرة استجماع القوة / القدرة، وخارج دائرة التأثير في القرار، ولا سيما القطاعات الشبابية التواقة إلى النضال والتأثير في مستقبلها في جميع أماكن وجودها في الوطن والشتات.

لقد لاحظنا، وبعد أن عُطلت أدوات وسبل التأثير الرسمي في القرار الفلسطيني، أن هذه القطاعات الشبابية لجأت إلى وسائل التأثير الشعبي مستخدمة الوسائل التكنولوجية، وإلى القوة الناعمة، والدبلوماسية الشعبية، متجاوزة الإعلام الرسمي، كما أنها فرضت فعلاً معادلة جديدة فاجأت بحجم تحركها وسعته، كلاً من إسرائيل، والقيادة التقليدية، والفصائل التي ما زالت تستبعدها من أطرها القيادية. إن هذه الأجيال التي ذوتت لحظتها الكونية، أدركت مجموعة من المتغيرات لم تدركها القيادات التقليدية للفصائل، والتي بدأت بالظهور والتبلور في السياسة والاقتصاد الدوليين منذ تسعينيات القرن الماضي، والتي ألخصها بالتالي:

1 – انفصال السياسة عن الاقتصاد وتداعيات ذلك على أشكال النضال وسُبُله، ولا سيما العمل المسلح.

2 – انفصال السياسات الرسمية للدول عن الأخلاق، وكيف يمكن استعادة قيم العدالة والمساواة والحرية عبر التواصل مع الشعوب ومنظمات المجتمع المدني في هذه الدول، والنضال ضد العنصرية، وربطه بالنضال ضد الأبارتهايد في فلسطين.

3 – ضعف الدولة القومية وتقلص وظائفها التاريخية في ظل اقتصاد العولمة، وكيف يمكن أن يكون حراكنا ضد الاحتلال منسجماً مع مصالح الشعوب وحركتها، بهدف استعادة سيادتها من الشركات العالمية، والحفاظ على البيئة وغيرها من القضايا التي أفرزها ضعف الدولة القومية.

4 – تعاظم قيم الحرية والفردانية في وجدان الفئات الشبابية، من دون أن تتعارض، في تكوينهم الأخلاقي والثقافي، مع القيم الوطنية الجامعة والتحرر، ووعي هذه الفئات تماماً بالعلاقة الجدلية بين قيم الحرية والتحرر.

  عبد الرازق فرّاج: لقد بات واضحاً أن الحركة الوطنية الفلسطينية، ومختلف جغرافياتها، يعيشان أزمة منذ عدة عقود؛ أزمة ترسخت وباتت تطال البنى القيادية للحركة مجتمعة ومنفردة، وكذلك البرامج ووسائل النضال، وذلك منذ توقيع “تعاقد أوسلو السياسي والاقتصادي والأمني” بين السلطة الاستعمارية الصهيونية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وما تلا ذلك من اتفاقيات مكملة. وليس مبالغة القول إن تلك الأزمة باتت بنيوية بوقوع الانقسام الكارثي، وما نجم عنه من تداعيات سلبية على مجمل المشروع الوطني التحرري الفلسطيني وأهدافه، بما في ذلك “الجغرافيا السادسة”، أي الحركة الوطنية الأسيرة، مثلما سمّاها القائمون على هذه الندوة المهمة.

فالحركة الوطنية الأسيرة – التي مارست دوراً وحضوراً متميزاً في النضال الوطني الفلسطيني منذ انطلاقة الثورة المعاصرة، ولا سيما في مراحل نهوض هذا النضال قبل “تعاقد أوسلو” – كانت ولا تزال الأكثر تأثراً بأزمة الحركة الوطنية الفلسطينية، فقد انقسمت هي أيضاً، وغاب نضالها الموحد في مواجهة السجان وإجراءاته، وتراجع لديها الاهتمام بالبنى التنظيمية الجماعية والخاصة، وبرزت مظاهر سلبية لم تعهدها في عقود الصراع الأولى مع السجان، أهمها تراجع الاهتمام بالثقافة والقيم الوطنية الجامعة اللتين تُعتبران بحقّ الجبهة الأهم لإبقاء جذوة النضال مشتعلة في مواجهة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني.

هذه الأزمة البنيوية تتجلى، فضلاً عمّا سبق، في أشكال ومظاهر أُخرى تشمل تعطيل الحياة البرلمانية، وإلغاء الانتخابات التي كانت مقررة في أيار / مايو 2021 بقرار فردي بناء على اعتبارات خاصة، وضرب منظومتَي القضاء والحقوق المدنية، وانتشار الفساد، وتدهور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، علاوة على الإصرار على التمسك بـ “تعاقد أوسلو” المدمر بأبعاده السياسية والاقتصادية والزمنية، وبالتالي، استمرار وهم المراهنة على الموقفَين الأميركي والأوروبي، وعلى استئناف المفاوضات العبثية المباشرة، وبالنتيجة عدم توفير المقدمات الضرورية لإنهاء الانقسام، وإنجاز الوحدة الوطنية.

ثابت مرداوي: أود الإشارة، أولاً، إلى أن مجمل مآلات القضية الفلسطينية، وما يتفرع عنه من قضايا القيادة والتنظيمات والمؤسسات والخيارات [….]، تجاوز مرحلة الأزمة منذ زمن، ودخل في مرحلة “الورطة”. فنحن الآن نعيش في “ورطات” وليس في أزمة أو أزمات. أقول ذلك لأن الأزمة يمكن الخروج منها وتجاوزها، أمّا الورطة فلا أعتقد بإمكان الخروج منها في ظل فواعل المشهد [….]. لكن تماشياً مع المطروح، سأستخدم مفردة أزمة، مع التشديد على أن الأزمة التي يتناولها المحور ليست حديثة [….]، وإنما لها عناوين وسياق تاريخي طويل. والسياق التاريخي للحركة الوطنية الفلسطينية، منذ بدايات تشكُّلها في عشرينيات القرن الماضي حتى اليوم، يقول إنها قامت على الارتجالية والعشوائية وردات الفعل، وتمحورت حول أشخاص، بل إن هناك مَن عمل على أسطرة الشخوص لإعاقة مهمة مراجعة تاريخها ونقده، علماً بأن من هذه الشخوص مَن أورثنا حطاماً وركاماً وخراباً.

ولعل ما يوجد على امتداد الحركة الوطنية التي مات فيها منطق المؤسسات والعمل الجماعي لفترة معتبرة زمنياً، هو الذي جعل التجربة الإدارية التنظيمية للحركة الوطنية كارثية، بل من الأسوأ على مستوى التجارب العالمية. وتكفي مراجعة ما تعرضت له مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية منذ سبعينيات القرن الماضي من عمليات ممنهجة ومقصودة لتخريب المحتوى وإفراغه وشلّ القدرة على الفعل، لندرك مدى هذه الكارثة ومستواها. إن كل باحث في، أو قارىء لتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، سيجد أن هناك مَن عمل بجد ومثابرة على تعطيل وإفشال وسائل وآليات العمل الجماعي في التنظيم والقيادة واتخاذ القرارات الوطنية، أكثر ممّا عمل في مواجهة المشروع الصهيوني.

بكلمات أُخرى، خضعت المؤسسات والأطر القيادية [….] باستمرار لعمليات إعادة تكيّف مع توجهات النخب المهيمنة وأمزجتها، لا مع متطلبات التحرير، وهذا كله حدث قبل خطيئة أوسلو التي كان يمكن عدم ارتكابها لولا إفساد المؤسسات وتعطيلها. لكن ما الذي أضافه اتفاق أوسلو على هذا الصعيد؟ أوسلو [….] مع كل ما يعنيه ويتضمنه، له دلالات كثيرة ابتدأت من حيث إنه أكبر عملية خداع وتضليل للتاريخ الفلسطيني، ولا يتوقف عند كونه مفسدة. وما يعنينا من دلالاته هنا، هو أنه منظومة إفساد متكاملة في حالة حركة دائمة أفسدت كل ما هو فلسطيني: الشخصية، والنفسية، والأخلاق، والقيم، والاهتمامات، والمؤسسات، والتنظيمات، علاوة على التصورات والمفاهيم، وأخضعتها كلها لعمليات تشويه. فمَن نحن؟ وماذا نريد؟ وما هي فلسطين؟ وما هو المشروع الوطني؟ وما هو المشروع الصهيوني؟ وما هو الأمن الفلسطيني ومجالاته؟ ومَن هو العدو؟ ومَن هو الصديق الذي تعرّفه عقيدة أمن أوسلو؟

هذه الأسئلة وغيرها أنتج لها أوسلو إجابات منسوخة شوهت صورة كل ما هو فلسطيني وجعلته على نقيض ما يجب أن يكون عليه. وبالتالي، فإن هذا المسار السياسي والإداري والتنظيمي للنخب المهيمنة على الحركة الوطنية، والتي تُوّجت بأوسلو، زرع في كل تفصيل من تفصيلات الاجتماع والسياسة والمؤسسة والقيادة والتنظيم أزمات لا نهاية لها، وأحاطها بشروط إعادة الإنتاج والتكاثر كافة. هذا من جهة، ومن جهة أُخرى، فإن “الواقع الافتراضي” الذي خلقه أوسلو، وأوجد له أخلاقيات ومسلكيات، ترك تأثيره السلبي على جميع الفلسطينيين، لكن أكثر المتأثرين به هم فلسطينيو 48 و67، وكلٌّ وفق مسار خاص. ففي فلسطين 67، قيل للناس: ارتاحوا واطمأنوا، القضية حُلت، والدولة على مرمى حجر، وحقوقنا ستعود إلى مسار التسوية وجهود المجتمع الدولي. غير أن معطيات الواقع الحقيقي كانت تقول: الناس لن يرتاحوا، ولن يطمئنوا، فالحقوق لم تعد، ولا يوجد في الأُفق دولة، وزحف الاستيطان إلى داخل غرف المنازل، وتغلغل الفساد، وانتشرت المحسوبيات، ووصل التأزم الاجتماعي والاقتصادي إلى مستويات لا تقدر حتى المجتمعات المكتملة التكوين على تحمّلها، فكيف لمجتمع تحت الاحتلال، وفي طور التكوين، أن يتحملها؟ أمّا فلسطينيو 48، فقال لهم أوسلو: “ما تنتظرونه انتهى، ولستم جزءاً من المشروع الفلسطيني؛ أنتم عرب هذه الدولة، وهذا مصيركم النهائي أو الموقت، في انتظار مآلات الزمن الصهيوني.”

ومثلما خُدع فلسطينيو 67 في إمكان تحصيل دولة من المشروع الصهيوني، خُدع فلسطينيو 48 في إمكان التعايش مع الدولة الصهيونية ونيل حقوقهم المدنية والسياسية، وهو الخيار الذي راهن عليه البعض منهم أو أغلبيتهم، ثم جاءت الأيام بأحداثها وقوانينها وتشريعاتها لتؤكد أنه حتى الصلاة في “مسجد الكنيست” لا تساوي عناء الوضوء أو عناء الاستنجاء. هذه المآلات لأوضاع فلسطينيي 48 و67، ومستويات التأزم والفشل والفساد وانعدام الأفق من ناحية إمكان الإصلاح أو تحسن الأوضاع، لو عرضناها على مجمل قوانين الطبيعة والعلوم لكانت أجمعت على رد واحد: لماذا وكيف لم يحدث الانفجار؟ وعلى الرغم من ذلك كله، فإن القيادات التقليدية في منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة والتنظيمات ولجنة المتابعة ترفض رؤية إلّا ما تراه، مع أن ما تراه لا علاقة له بالواقع، بينما الفلاسفة يتواضعون أمام ظروف سوريالية مثل التي نشهدها. لهذا، أرى انعدام إمكان تغيير أو تحسّن الأوضاع بالحوار، بل أظن أن توقّع حدوث إصلاح أو تغيير في الأوضاع من خلال الحوار ليس سوى نوع من الوهم، فمستوى الفساد والخراب، وعمق الأزمات، وقبح الفشل، لا ينفع معها إلّا قانون “الهدم وإعادة البناء”.

  باسم خندقجي: قد يكون التشخيص الأعم للحالة الفلسطينية هو الأزمة العضوية في البناء السياسي الفلسطيني، قيادةً ومعارضة، وهي أزمة استفحلت لتغدو تأزيماً أخلاقياً تفشّى في مختلف الجسد الفلسطيني بتجلياته كافة. وفي اعتقادي، فإن معاناتنا ليست محصورة بمرحلة أوسلو فقط، والتي عانينا فيها التيه والالتباس ونشوء خطابات سلطوية وسياسية مشوهة أحبطت القدرة على إنشاء مفهومية فلسطينية إلى جانب منظومة أخلاقية تحكم آليات عملنا وقدرتنا على التحرك ضمن إرادة تاريخية، بل إن معاناتنا مستمرة كذلك منذ نشوء وتطور الحركة الوطنية الفلسطينية. ومن أهم أسباب التباسنا المقيم هو أن خطاب منظمة التحرير الفلسطينية لم يركز فقط على عملية التحرر والكفاح ضد نظام كولونيالي استيطاني، بل تعامل مع المسألة على أنها “احتلال” أيضاً. إن إغفالنا لهذا السياق كان له تداعيات خطرة، من أهمها: انفصالنا عن زمن النكبة، وتحديداً ما بعد أوسلو، ونشوء سلطة فلسطينية أدت سياساتها الكارثية إلى بناء العازل الذي يفصل أغلبية الشعب الفلسطيني عن إفرازات النكبة المستمرة، زمانياً ومكانياً. ولهذا، بات التنسيق الأمني مصلحة وطنية لا تقنية استعمارية، وأوسلو ضرورة تكتيكية لا مساراً استسلامياً وتوطينياً، والمصالحة الوطنية هدفاً استراتيجياً يجب التكتيك له بصورة تكفل تعزيز ثقافة سلطة الوهم والحيرة.

وجدي جودة: بالنسبة إليّ، فإن أي حركة تحرر وطني تقوم على ثلاثة مقومات ضرورية: أولاً، تحديد الأهداف والبرنامج والخطاب؛ ثانياً، استعداد الشعب الواقع تحت الاحتلال للانخراط في مهمات البرنامج النضالية والكفاحية بهدف تحقيق الأهداف المحددة؛ ثالثاً، توفّر قيادة وطنية مركزية موحدة تنظم نضال الشعب وتقوده تحت راية برنامج وطني موحد وخطاب وشعار جامع. فلسطينياً، الأهداف والحقوق السياسية محددة ومعروفة، وهي الخلاص من الاحتلال وانتزاع الحرية والاستقلال، كما أن البرنامج الوطني، بأشكاله المتنوعة وأدوات نضاله، مختبَر تاريخياً. وقد أثبت الشعب الفلسطيني ويثبت، تاريخياً، جهوزيته واستعداده للنضال الشجاع والتضحية وتحمّل أعباء الكفاح من أجل تحقيق الأهداف والحقوق السياسية. لكن المحزن في هذه المرحلة المصيرية هو أن المشروع الوطني الفلسطيني يواجه أزمة حقيقية هي أزمة انعدام وجود قيادة، ومؤشرات هذه الأزمة: أولاً، عدم قدرة هذه القيادة على التحرر من أوهام المفاوضات، وافتقادها الجرأة على أن تعلن فشل برنامجها السياسي؛ ثانياً، عجزها عن التقاط اللحظة التاريخية من جديد في احتضان النضال الوطني الموحد وتنظيمه وقيادته، مثلما كان يجب أن تفعل في هبّة القدس وسيفها؛ ثالثاً، تفاقم عزلتها واتساع الفجوة بينها وبين الجماهير الفلسطينية؛ رابعاً، افتقارها إلى الرؤيا والبرنامج، وتعطيلها المتعمد للمؤسسات التنفيذية والتقريرية الجامعة، واستخدامها فقط لمصالح موسمية وظرفية وآنية؛ خامساً، وأخيراً، عدم تحقيق هذه القيادة النتائجَ السياسية الموازية لحجم التضحيات التي يقدمها شعبنا الفلسطيني في معاركه وهبّاته وانتفاضاته.

إذاً، نحن اليوم أمام قيادة تقليدية فشلت جرّاء فشل برنامجها السياسي، وباتت تشكّل عقبة في استنهاض النضال. فعلى الرغم من غزارة كلامها على المقاومة الشعبية، فإنها، في الحقيقة، تتفادى المواجهة مع الاحتلال، ولم تستطع توظيف تضحيات الشعب الفلسطيني في الخلاص منه. وبالتالي، فإن هذه القيادة فقدت شرعيتها المميزة، بمعنى فقدت شرعيتها الثورية لأنها تتفادى المواجهة مع الاحتلال وترفض ممارسة النضال بجميع أشكاله وفق الشرط والظرف، كما فقدت شرعيتها القانونية وباتت نظاماً تسلّطياً يتعامل مع إجراء الانتخابات كملهاة. إذاً، لم يعد ثمة قيادة وطنية مركزية للنضال الفلسطيني الموحد؛ قيادة تعيد تعريف المرحلة على أنها مرحلة تحرر وطني، وأن إسرائيل عدو استعماري استيطاني.

  عبد الناصر عيسى: لقد أظهرت التطورات والأحداث الأخيرة على الساحة الفلسطينية مدى عمق الأزمة التي تعيشها المؤسسة السياسية الرسمية لجهة فقدانها ثقة الجماهير الفلسطينية بها، وابتعادها شيئاً فشيئاً عن آمالها وتطلعاتها، الأمر الذي عبّر عنه بعض استطلاعات الرأي العام، إذ إن 56% من الجمهور الفلسطيني يرى أن السلطة أصبحت عبئاً عليهم، بينما يعتقد 35% فقط منهم أنها إنجاز.

وفي السياق نفسه، فإن الاحتجاجات الشعبية الواسعة، غير المسبوقة انتشاراً في أنحاء الضفة الغربية، وحجماً من حيث أعداد المشاركين فيها ودوافعهم وقمع السلطة لهم، وانتقادهم سياسات أجهزة أمن السلطة التي كان من صورها قتل الناشط نزار بنات بسبب انتقاداته اللاذعة لسياسات السلطة في مجالات السياسة والاقتصاد والأمن، والهتافات الواضحة بضرورة رحيل الرئيس محمود عباس، أكدت عمق الأزمة التي تعيشها القيادة الرسمية التي وصلت شعبية رأسها إلى أقل من 10%، وأظهرت مدى فاعلية واستعداد أبناء شعبنا الفلسطيني في الضفة للانتفاض، على الرغم ممّا قيل عن ربط فئات واسعة منهم بآليات التحكم ومنظومات السيطرة التابعة للسلطة، والقائمة على الرواتب والديون، ومبدأ “انفع وانتفع”.

وفي دلالة على عمق الأزمة، أظهر بحث داخلي خاص بحركة “فتح”، نشرت بعض أجزائه صحيفة “هآرتس” في 11 تموز / يوليو 2021، أن “الجيل الفلسطيني الشاب محبط من قيادة (فتح)، وينظر إليها كقيادة ضعيفة ومترددة”، وأن “هناك فجوة هائلة بين قيادة (فتح) وناشطيها في الميدان.” ويشير البحث إلى أن “الجيل الفلسطيني الشاب يلاحظ أن قيادته فاقدة الفاعلية، وفاشلة في قراءة رغبات الجمهور، وغير قادرة على ملاحظة الفرص واستثمارها، والسبب في ذلك هو خشية السلطة من اندلاع انتفاضة جديدة، وكذلك الصراع بين قيادات حركة (فتح) على خلافة أبو مازن” [يمكن الوصول إلى هذا الاقتباس من خلال موقع “حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية“.

وجاء قرار الرئيس عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية، دليلاً إضافياً على أزمة القيادة التقليدية ورعبها من فقدان مكانتها، وخصوصاً أن الانتخابات تجدد الشرعيات، وهي مدخل للمصالحة الوطنية وترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، ولا سيما منظمة التحرير الفلسطينية. أمّا حجة رفض الاحتلال المتوقع لإجرائها في مدينة القدس، فاعتبرها ثلثا الفلسطينيين واهية، بينما الحقيقة هي خوف الرئيس والدائرة المحيطة به من نتائج الانتخابات. لكن الخشية الآن، بعد تأجيل الانتخابات، هي من احتمال اندلاع حرب عنيفة لخلافة أبو مازن الذي بلغ من العمر عتياً، إذ إنه تجاوز الخامسة والثمانين.

وفي المقابل، لا بد من الإشارة إلى استعداد “حماس” وسائر الفصائل للانتخابات وتقديمها التنازلات لتحقيق ذلك، ومقارنة ذلك بالانتخابات الداخلية المميزة التي أجرتها قيادة “حماس” في قطاع غزة، والتي فاز فيها بولاية ثانية وبصعوبة بالغة الأخ وزميل الأسر لعدة أعوام يحيى السنوار. ولو كانت قواعد التصويت لدى “حماس” تسمح، على غرار القانون الرسمي، بأن يصوّت لنفسه، لكان فاز منذ الجولة الأولى.

إن القيادة الفلسطينية الرسمية وعلى رأسها أبو مازن تسعى لانتخابات “على المقاس” لتثبيت القيادة الحالية، وليس لتجديدها لا سمح الله. وبالمناسبة، فإن التفرد بالقرار ليس بدعة ابتدعها أبو مازن، وإنما هي ثقافة عربية وسلبية سائدة طبّقها الرئيس الشهيد أبو عمار، لكن أبو مازن ذهب بها بعيداً سابقاً الأوّلين والأخيرين. وهنا تحضرني شكوى شفيق الحوت لمحمود درويش، رحمهما الله، والتي ترد في كتاب “مذكرات الحوت: بين الوطن والمنفى”، عندما قال: “بيني وبين نفسي كنت أشعر بأننا تحولنا إلى أصفار، وأن لا دور لنا سوى أننا ديكور لشيء يسمى قيادة.” فأجابه درويش، قائلاً: “يا أبا الهادر، هذه ثورة فصّلها أبو عمار على قياسه، فإمّا أن تقبل وإمّا أن ترحل.” والفارق أن درويش يتحدث عن ثورة، وثائر اسمه أبو عمار، والثورة يدفع الناس بها أثماناً باهظة من أرواحهم وأملاكهم، أمّا اليوم، فنحن نتحدث عن سلطة وأموال وامتيازات يمكن من خلالها شراء الأتباع والمواقف وتحقيق المغانم، الأمر الذي يسمح للقيادة بضمان مزيد من السيطرة على الفرد، ويعقّد مسألة التغيير والإصلاح. وهذه السلطة فصّلها أبو مازن، هذه المرة، على مقاسه، والمشكلة أن لا أحد يمكنه الرحيل عن وطنه.

بعد تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية لم يتم طرح أي بدائل جدية أُخرى للخروج من الأزمة الداخلية وإنهاء الانقسام، إلّا مقترحات غير رسمية قُدّمت لبعض الفصائل من أجل تشكيل حكومة توافق وطني، أو حكومة وحدة وطنية، شرط انسجامهما مع القرارات الدولية، وهذا كله من دون أن تلاحظ القيادة الفلسطينية الرسمية أن من الضروري الاستفادة من انتصار الفلسطينيين في معركه القدس وسيفها في غزة، كأن رسالة أبو مازن ومَن حوله، وتحديداً الرجلين الأكثر نفوذاً حالياً: حسين الشيخ وماجد فرج، هي أن الوضع القائم هو الأنسب والأفضل من أي خيار آخر قد يحمل التغيير والإصلاح الوطني الديمقراطي، كأنك يا شعبنا ما غزوت، بمعنى حرمان “المقاومة”، بل شعبنا بأسره، من الاستفادة من انتصاراته في غزة. وقد كرّس هذا الأمر أزمة القيادة من خلال تعزيزه شعور ومواقف فئات واسعة من أبناء شعبنا، بأن القيادة الحالية المستمرة في التنسيق الأمني مع الاحتلال تتآمر عليه، فهي تحبط أو تحاول أن تحبط كل إنجاز قد تأتي به المقاومة.

المحور الثاني

التناقضات الداخلية في البنى التنظيمية

 ثمة انقسامات وتناقضات بين مختلف المستويات القيادية والقاعدية، أكانت الحركات المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، أم حركتَي “حماس” والجهاد الإسلامي، أم الأحزاب الفلسطينية في الأراضي المحتلة منذ سنة 1948. كيف تنظرون، في حركتكم وفي الحركات الأُخرى، إلى هذه الانقسامات أو التناقضات أو التباينات، من حيث تآكل الشرعيات، وظهور البدائل الشبابية الثورية؟

مروان البرغوثي: الرؤية التي تمثلها حركة “فتح” رسمياً على المستوى السياسي، هي رؤية مرتبكة تحتاج إلى مراجعة عميقة وشجاعة لمسار أفضى إلى فشل كبير، كما تحتاج إلى تحديد رؤية وطنية شاملة، وإلى استراتيجيا تعيد إلى “فتح” طليعيتها كحركة تحرر وطني، بما يتطلبه ذلك من شروط، وعلى مختلف المستويات والوسائل والأساليب والأدوات. وهناك حاجة أيضاً إلى الارتباط الحقيقي بالشعب عامة، وامتلاك القدرة على التعبير عن نبض الكادر والقواعد.

إن الحركات النضالية الفاعلة على الأرض تنتج قياداتها وتولد الأفكار الجديدة، وهذه قاعدة نضالية وفكرية مهمة تنطبق علينا. لقد عانينا، فلسطينياً، جرّاء غياب البدائل التي يمكنها أن تكون معبّرة عن طموحات أجيال شابة بات دورها ومشاركتها في اتخاذ القرار غائبَين. فهذا الجيل الشاب يتلمس تجليات الأزمة العاصفة التي تجتاح بنى ومركبات الحركة الوطنية، ويبحث عن خيارات نضالية تؤمّن القدرة على الفعل والتأثير في ظل تراجع حالة الثقة بالقوى والفصائل والأحزاب، الأمر الذي جعل قطاعات شبابية تتوجه نحو تشكيل عدة حركات. غير أن مجمل هذه الحركات ما زال يفتقر إلى البرنامج والإطار العام اللذين يمكنهما أن يوحدا الجهد للوصول إلى حراك مستقل، لكن هذا لا يلغي دعمنا التام والمطلق لقطاع الشباب والحراك، ولأصحاب المبادرات والتفكير المتجدد؛ فهؤلاء الأبطال الذين يقاتلون على الأرض، ويشكلون مثالاً يُحتذى في القدس وغزة والضفة والجليل والمثلث والنقب ويافا واللد، وفي مخيمات اللجوء وخارج الوطن، وفي بؤر المواجهة كلها وفي مقدمها قرية بيتا وعشرات المواقع الأُخرى، بحاجة إلى كثير من التشبيك بين جميع المواقع، وإلى مزيد من الفعل والمبادرة والإبداع في المواجهة وتحدي الصعاب والعقبات والخذلان والتمسك بالأمل. فالفعل الثوري الذي تجسده الحالة الشبابية المنتفضة، والذي يمثل تحدياً للمشروع الصهيوني، يمثل أيضاً نقداً جريئاً وجاداً لعجز القوى السياسية المهيمنة، ويسعى لإيجاد البدائل. 

عبد الناصر عيسى: لابد من التأكيد أن الخلافات في وجهات النظر هي ظاهرة طبيعية وصحية، والأهم هو أن نُحْسِن كيفية إدارة هذه الخلافات بحيث لا تؤدي إلى انشقاقات صعبة ينتج منها إضرار بإمكانات التنظيم والشعب الفلسطيني في الوصول إلى أهدافه الوطنية المشروعة.

لقد تميّزت “حماس”، بصورة عامة، بعدم حدوث انقسامات أو انشقاقات جدّية لديها، على الرغم من الملاحقات الأمنية الشرسة التي تتعرض لها، وتحديداً من طرف الاحتلال في الضفة والقدس، فهي أكثر تماسكاً من غيرها داخلياً، وقد يكون للأيديولوجيا الإسلامية التي تتبنّاها دور كبير في ذلك، كما أن الثقافة التنظيمية للحركة لا تسمح بنشر الخلافات أمام الرأي العام، بل تعمل على بقائها داخل الإطار التنظيمي. أمّا فيما يتعلق بالإخوة في “فتح”، على سبيل المثال، فإن الوضع لديهم مختلف، فالخلافات عندهم كثيراً ما تكون علنية، وقد تصاعدت بشكل كبير في أثناء التحضير لانتخابات المجلس التشريعي والرئاسة [الأخيرة التي أُلغيت بقرار من الرئيس عباس]، إذ برز العديد من القوائم المحسوبة على “فتح”، وكان أهمها “قائمة الحرية” المدعومة من الأخ المناضل مروان البرغوثي.

ولعل أحد أهم أسباب ذلك طبيعة الانتخابات الداخلية الدورية: ففي “حماس” تجرى انتخابات دورية ومنتظمة يمكن من خلالها تحديد الشرعية وإنتاج قيادات وكوادر جديدة وشابة نسبياً، فقيادات “حماس” هم من جيل الشباب. أمّا الأسرى المحررون فلهم نصيب الأسد، فرئيس الحركة في إقليم غزة هو الأخ المحرر يحيى السنوار، ورئيس إقليم الضفة الشيخ صالح العاروري، علاوة على كثير من أعضاء المكتب السياسي كزاهر جبارين وحسام بدران وموسى دودين. وفيما يتعلق بقطاع السجون، فإن رئيس الهيئة القيادية العليا الجديد في دورتها التاسعة هو المهندس سلامة القطاوي، بينما كنتُ أنا قائد الهيئة في دورتها الأولى (2005 – 2006)، وكان يحيى السنوار رئيس الثانية والثالثة، وقد خَلَفه روحي مشتهى، ثم عثمان بلال، ثم عباس السيد، ثم محمد عرمان. هكذا يتم تجديد الشرعية باستمرار، الأمر الذي يسمح بتعاقب الأجيال، ويحدّ من مشكلة الانقسامات والانشقاقات، لأن الطريق مفتوح أمام الأجيال والكفاءات الشابة للتقدم. ومع أننا حركة تعاني القمع والملاحقة الأمنية، كما أن الأمور ليست وردية طبعاً، إلّا إن الاختلافات موجوده، وربما تكون إحدى أهم الإشكاليات في انتخابات “حماس” الدورية هي المدة الزمنية الطويلة نسبياً للخروج بالنتائج النهائية التي قد تصل إلى عام أحياناً، نظراً إلى تأخر إقليم الضفة والخارج في تسليم نتائجهما، علاوة على المدة الزمنية الطويلة التي يجري بها توزيع اللجان والتشكيلات، وطبعاً ثمة أسباب أُخرى كثيرة، لكن يمكن تجاوز بعضها.

وليد دَقّة: منذ أن تحولنا من حركة تحرر وطني إلى سلطة، صار الجهد المبذول في الصراع على السلطة يفوق أضعافه في النضال لتحقيق أهداف حركة التحرر، وبالتالي، كان من الطبيعي أن يكرَّس مفهوم السلطة في الأدبيات الحزبية والثقافة السياسية، وإن كانت من دون سيادة، على حساب مفهوم الوطن والبنى التنظيمية للفصائل امتداداً لهذه الذهنية، سواء تلك التي وافقت على اتفاق أوسلو، أو تلك التي عارضته، فالمعارضة غدت جزءاً من الخطاب السياسي المهيمن، ذلك بأن خطاب السلطة والمعارضة وجهان لاتفاقية واحدة وثقافة سياسية واحدة. إننا أمام نسخة فلسطينية لأحزاب السلطة والمعارضة التقليدية في العالم العربي، والتي تجاوزتها الحراكات الشبابية في سياق الثورات العربية، وتجاوزت أبويتها المستحدثة، ففي هذه النسخة التقليدية نجد أن بقاء الفصائل هو أهم من أهدافها، وأن الخطاب المهيمن على أوساطها بات خطاباً متورماً يتمسك باللفظي والشكلي، كما أن الفصيل الذي يُفترض أن يكون أداة نضال، مأسس وجوده على حساب هذه الأهداف التي سيطرت عليها “الفُرجوية”؛ والفُرجوية هي سيكولوجيا الفاشل في تحقيق أهدافه.

إن حالة اللاتوازن (dissonance) التي تعيشها قيادات هذه الفصائل، تظهر من خلال الهوة ما بين الخطاب والأهداف من جهة، وصغر الإنجازات من جهة أُخرى، وهي حالة بدلاً من أن تحيل الفصائل إلى المراجعة الفكرية والسياسية، وربما الأخلاقية أيضاً، كي تعيد صوغ برامجها بما يمكّنها من التواصل مع الواقع، جعلتها تلجأ إلى الاستراتيجيا الفُرجوية التي تسللت إلى قواعدها، أو ما تبقّى منها. وعبّرت الفُرجوية عن نفسها بمظاهر الدولة من دون سيادة، والكفاح المسلح من دون حركة تحرر، بل إن السلاح تحوّل إلى أسوأ مظاهر الفُرجوية بحشد البنادق وإطلاق النار لإحياء حفل أسير أنهى محكوميته، كأنه تحرير. وبفعل هذه الحالة السياسية والثقافية الرثّة يتم استدعاء تاريخ الفصيل، وترديد مقولات شهدائه وقادته كمحفوظات من دون فهم في الإعلام الرسمي الذي تحول إلى إعلام الفصيل، فيغدو التاريخ تاريخ الفصيل، من دون نقد، ويصبح أهم من مستقبل الشعب والقضية، كما أن رايته تصير أعلى وأبرز من علم الوطن. وقد أملت الأجيال الشابة بأن يمثل بعض فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بخطابه بديلاً، وأن يجدد بنيته التنظيمية، إلّا إن هذه الفصائل آثرت الصوفية التنظيمية والسياسية عملاً بالمبدأ القائل: “إذا أردت أن تحافظ على الروح والجسد، فاعتكف!” والاعتكاف تحول إلى أيديولوجيا، إلى الحدّ الذي أوصل هذه الفصائل إلى حافة الاضمحلال، وإلى انفصال جيلي بينها وبين الحراكات الشبابية وما تمثله من قيم وطنية وأخلاقيات كونية، وهي حراكات ترى قضيتها الوطنية بمنظارها، لا بمنظار فصائلي أو أيديولوجي ضيق.

يخطىء مَن يعتقد أن الهبّة الأخيرة التي شملت القدس والداخل والشتات تمثل موقفاً داعماً لتيار أو فصيل بعينه، أو تنتمي إلى أيديولوجيا أو عقيدة. فهذا الحراك ينفرد بثلاث ميزات:

الأولى، إيمانه بالتعددية، واحترامه للفردانية، وانطلاقه من قيم أخلاقية مثلت له بوصلة، الأمر الذي جعله حراكاً قادراً على التواصل مع أقرانه في جميع بقاع العالم، وفي أماكن وجود الشعب الفلسطيني كافة. لهذا، كان الحراك شاملاً، ليس من الناحية الجغرافية فحسب، بل من ناحية الفئات المشاركة، من بيلّا حديد إلى آخر فتاة منقبة كانت موجودة في الاعتصامات، فضلاً عن المشاركة اللافتة للمرأة، ليس في الفاعليات فحسب، بل في الدعوة إليها وتنظيمها أيضاً.

الثانية، عدم إعطائه وزناً للتقسيمات العقائدية والسياسية، وتأكيده الهوية الوطنية، وعدم النظر إلى الحدود السياسية التي صنعها الاحتلال، بل إن فلسطين من النهر إلى البحر هي التي كانت حاضرة. فهذا هو فضاء الوطن الذي يريدون أن يمارسوا فيه حريتهم، ويقيموا عدالتهم، ويبدعوا به أدباً وفناً موسيقى، وبالتالي، نادوا بالعدالة لفلسطين، وليس لحدود تفرضها موازين القوى.

الثالثة، لقد أدرك شبان وشابات هذا الحراك، وبعفوية، أن المعادلة هي معادلة استجماع القوة (القدرة) عبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فلم تنطلِ عليهم الأسافين التي تدقّها الصهيونية في كل مواجهة أو محكّ معها، بينهم وبين نخب المجتمع، أكانت هذه النخب سياسية أم ثقافية أم اقتصادية. فهم لم يعادوا رأس المال باسم أيديولوجيا اقتصادية، وإنما حاوروه واستمالوه إلى جانبهم، ولم يزايدوا على المثقفين، ولم يَصِموهم بمناضلي المكاتب المكيفة، وإنما دعوا للفصائل التي كان جزء منهم أعضاء فيها، بالصحة والعافية وصلاح الحال.

عبد الرازق فرّاج: إن مظاهر الأزمة تشمل مستوى التناقضات الداخلية في البنى التنظيمية القيادية لمختلف الفصائل، وبينها وبين بنيتها القاعدية، مع الإشارة إلى أن تلك التناقضات متفاوتة المستوى بين تنظيم وآخر، وهو ما يظهر واضحاً في نتائج استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن ما يقارب ثلث المستطلعين في الضفة والقطاع لا يثقون بأي من الفصائل الوطنية والإسلامية، وفي ترشح عشرات القوائم المستقلة للانتخابات الأخيرة الملغاة. وبناء على عدة مؤشرات، فإن الواقع فيما يتعلق بهذا الشأن، في الشتات وفي الداخل الفلسطيني (بالنسبة إلى مكونات لجنة المتابعة والقائمة المشتركة)، لا يبدو مختلفاً عنه في الضفة والقطاع، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعة معمقة من طرف الجميع بهدف استخلاص الدروس.

السؤال الكبير والمهم الذي يطرح نفسه هو هل ثمة فرصة لتجاوز الأزمة؟ إن إعادة الاعتبار إلى القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني وديمقراطي، تواجه منظومة استعمارية استيطانية عنصرية صهيونية، تعمل بتناغم وتكامل بين جميع مكوناتها التشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلامية والأمنية على شطب الهوية الوطنية الفلسطينية والرواية والحقوق التاريخية الفلسطينية، من خلال استخدام وسائل القمع والقتل والاعتقال والأسرلة والتهويد والتطهير العرقي والتمييز العنصري، إلخ. وهذا الاستعمار يراكم مزيداً من عناصر قوته العسكرية والأمنية والاقتصادية والتكنولوجية والعلمية والسياسية، عبر توسيع علاقاته وتمدده في الوطن العربي وفي مختلف قارات العالم، وعلى الأرض بتنفيذ صفقة القرن عبر قضم متدرج للمنطقة “ج”، وأيضاً بحصوله على اعتراف أميركي بـ “القدس الموحدة” عاصمة له، وبضمّه هضبة الجولان.

وبالتالي، يمكن القول إنها أزمة فلسطينية عامة، وهذا على الرغم من حجم ومستوى التضحيات والبطولات والإبداعات النضالية التي سطّرها ويسطّرها شعبنا في مختلف ساحات وجوده، وكذلك على الرغم من قدرة مقاومته في القطاع على ردع العدو، وعلى أن تكون سيفاً للقدس. إن العبرة هي في النتائج، بمعنى مدى مساهمة تضحيات شعبنا وهبّاته وانتفاضاته ومعاركه التي خاضها ويخوضها، في شقّ الطريق ومراكمة الإنجازات والبناء عليها، في اتجاه البدء بتحقيق انتصارات حقيقية على الأرض، والشروع في تفكيك بنية المشروع الاستيطاني الصهيوني.

فلنتذكر مثلاً، الانتفاضة الشعبية الكبرى الأولى التي جسدت نموذجاً لمراكمة الإنجازات في اتجاه دحر الاحتلال عن الضفة والقطاع، ففي ذروة عطائها نقلت هذه الانتفاضة شعار الدولة الفلسطينية المستقلة من حيّز الإمكان التاريخي إلى حيّز الإمكان الواقعي، مثلما قال الراحل الحكيم [جورج حبش]، وذلك قبل أن تصيبها، وبالتالي تجهضها، لوثة أوسلو.

ثابت مرداوي: من دون الرجوع إلى تفصيلات تاريخية، فإن ما بات معلوماً من تاريخنا هو أن هناك ما يثبت أن ثمة “عقداً وطنياً” غير مكتوب نشأ بين التنظيمات والشعب، وأن التنظيمات بموجب هذا العقد، ستقوم بكل ما يلزم من أجل تحرير فلسطين. وهكذا أصبحت التنظيمات مسؤولة عن هذا الهدف، ومتحكمة في الفضاء الفلسطيني، وخصوصاً بعد هيمنتها على منظمة التحرير الفلسطينية وعلى القرار، وبين يديها باتت أمانة الشعب، والرواية، والهوية، والجغرافيا، والوحدة، والمصير، وإرث الأسرى، ووصايا الشهداء، وحقوق اللاجئين. وطبعاً كان على الفصائل، وبحكم الواجب الوطني والأخلاقي، إن لم تتقدم بهذه الأمانة خطوة إلى الأمام، ألّا تعود شبراً إلى الخلف، لكن الحقيقة المؤلمة أنها، ومن دون استثناء، لم تقترب يوماً من شروط الحد الأدنى لحمل هذه الأمانة.

وسأذكر فيما يلي مجموعة من العناوين لن أستفيض في شرحها، لأن كلاً منها يحتاج إلى بحث مستقل، وأشدد أنها مجتمعة شرط أساسي لحمل هذه الأمانة: التأصيل الفكري الصحيح (قراءة صحيحة لطبيعة الصراع على فلسطين)؛ تشكيل الوعي الوطني والقومي وحمايته؛ الحفاظ على الرواية وتقديسها، وعلى الذاكرة الجمعية وقضايا التحصين الوطني؛ الحفاظ على منظومة القيم والأخلاق، والارتقاء بها؛ التربية الوطنية هي أساس التربية التنظيمية؛ القضية والتنظيمات ومَن يتكيف تبعاً للآخر؛ القضية والمواقف والتحالفات والعلاقات الخارجية ومَن يتكيف تبعاً للآخر؛ معايير الحكم على السلوك والمواقف التنظيمية؛ دراسة قدرات الشعب الفلسطيني وإمكاناته، حيثما يوجَد؛ هياكل وأسس وخطط قادرة على إيجاد إمكانات؛ دراسة متطلبات الشعب وحاجاته في أثناء عملية التحرر وآليات توفيرها؛ بناء المجتمع القادر على تحمّل أعباء عملية التحرر اجتماعياً واقتصادياً؛ الحدّ من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية الخطرة؛ تعزيز الترابط والتواصل بين مختلف تجمعات الشعب؛ الحشد والتعبئة والجهوزية على المستوى الوطني وطرق التحضير وقضايا الإعداد؛ التنظيم أداة ووسيلة وليس غاية؛ ثقافة النقد والمراجعات؛ آليات المحاسبة والمساءلة والرقابة وتصويب الأخطاء؛ عمل المؤسسات وآليات استخدام القرار؛ التفكير الاستراتيجي ودراسة البدائل؛ العلاقة بين التنظيمات؛ العلاقة البينية داخل كل تنظيم (بين الأعضاء والمستويات القيادية، وبين الأعضاء والفكرة، وبين مجمل مكونات التنظيم والهدف)؛ مستوى قدرات أعضاء التنظيم (أفراداً وقيادة) وإمكاناتهم، والنموذج الوطني الذي يقدمونه؛ دور المرأة في المستويات القيادية في اتخاذ القرار؛ تواصل الأجيال في القواعد الحزبية في مختلف المستويات التنظيمية.

هذه العناوين ليست لموضوعات إنشاء، ولا لفرضيات بحثية، بل إنها مع غيرها، تمثل أهم المكونات والوظائف التي يجب أن تكون لدى أي تنظيم، وهي التي تحدد ما إذا كان التنظيم سيقوم بأداء واجبه، أو أنه سيصبح مركباً من مركبات التأزيم والفشل. ولو أخذنا أياً من هذه العناوين، وحاولنا البحث عن تموضعه في أي من التنظيمات أو كلها مجتمعة، لوجدنا أن أفضل نتيجة ستكون دون الحد الأدنى المفترض، أي أننا كتنظيمات “سنرسب” في اختبارات هذه العناوين، لأنه لا يوجد تفصيل تشير إليه هذه العناوين إلّا ويُظهر أن عملاً كان يجب أن يُعمل، لكنه لم يُعمل، أو أنه عُمل بطريقة خطأ. ومن ناحية أُخرى، فإن كل عنوان هو في الحقيقة مؤشر إلى حالة مرضية تعانيها التنظيمات، ومجموعها يكشف عن مدى استفحال أمراض هذه الأخيرة. وهنا، لا بد من السؤال عمّا إذا كان ممكناً بعدُ تعافي الفصائل منها، أم أنها تجاوزت فعلاً نقطة اللاتعافي على هذا الصعيد.

إن أي واقع هو، في النهاية، نتاج سلوك وأداء، وانعكاس لأحوالنا، وبالتالي فإن التنظيمات هي المسؤولة عمّا يعانيه واقعنا الوطني والسياسي بمجمل مآلاته وأزمته وفشله، فما العمل؟

هذا يأخذنا إلى سؤال البدائل المطروحة، وهنا لا بد من الإشارة إلى ملاحظتين: الأولى، أن عديداً من التنظيمات والمؤسسات استكمل، ومنذ زمن، الشروط الذاتية لعملية الانتقال إلى الذاكرة السياسية؛ الثانية، هي ملاحظة يمدنا بها تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الذي نرى فيه أن تعاقب التجارب لم يخضع لقانون واضح، وإنما ساده نوع من الفوضى، واحتكم، إلى حد كبير، إلى منطق الهيمنة والغلبة الخلدونية، إن جاز التعبير، ذلك بأن كل تجربة، وبمساعدة بعض الظروف، إمّا هيمنت على أُخرى سابقة، وإمّا نافستها، وإمّا كانت مزامنة لها.

ولعل ما يمكن استنتاجه ممّا تقدم هو أن الظروف والشروط الموضوعية أكثر من جاهزة وناضجة لظهور البدائل، وأن جميع المعطيات تنبّه إلى أحد أمرين: إمّا قرب نهاية الدورة التاريخية الحالية للتنظيمات مثلما نعرفها، وإمّا حدوث تغييرات كثيرة بفعل منطق الهيمنة، الأمر الذي ينتج منه خلطة جديدة بفواعل المشهد لدينا. وكل احتمال من هذين الأمرين له ما يدعمه من المؤشرات، لكن إذا أصبحت البدائل، في سياق هذه الحالة، متوقعة وحاجة، فإن ما يقلق هو عدم توفر ما يؤشر أو يضمن أن تكون البدائل أفضل من التجارب الحالية أو السابقة.

باسم خندقجي: إن التناقضات الداخلية في أي حزب أو تنظيم تكون تناقضات ذات طابع صحي، وذلك في حالة واحدة فقط، هي قدرة الحزب على حل هذه التناقضات بما يكفل تقدمه وانتشاره وحفاظه على إرادته الجماعية ووحدته الداخلية وتلبية تطلعات الجماهير. لكن فيما يتعلق بواقع الأحزاب والحركات الفلسطينية، فإن الأمر يختلف بعض الشيء، لأن التناقضات لم تصل إلى حد الانقسامات الداخلية، وإنما وصلت إلى الاغتراب الداخلي، إذا جاز التعبير، فثمة اغتراب مرير أدى إلى فصل الجسم القيادي وعزله عن قاعدته الأصيلة، وغالباً ما تكون هذه القاعدة شبابية وحالمة.

وكي لا أذهب بعيداً، فإنني سأتحدث عمّا أعيشه كرفيق منتمٍ إلى أقدم حزب سياسي فلسطيني هو حزب الشعب – الامتداد التاريخي للحركة الشيوعية في فلسطين. فأنا لم أعد أشعر بأن الحزب بقيادته ورؤيته السياسية الحالية وما يعانيه جرّاء الترهل والانفصال عن الواقع، بات يعبّر عني وعن عضويتي فيه، وهو ما أدى إلى نشوء الاغتراب بيني وبين قيادة الحزب. وهذا الأمر لا أعانيه أنا فقط، بل يعانيه العديد من رفيقات ورفاق الحزب أيضاً. وهذه النظرة يمكن إسقاطها أيضاً، على وجه التحديد، على اليسار الفلسطيني الممزق واللامفهوم، وغير المدرك لدوره التاريخي عقب تعرّضه لأزمة حادة أدت إلى انفصام في شخصيته التاريخية. إن أزمة الحزب هذه ساهمت في الدفع في اتجاه حراكات شبابية متنوعة الأهداف والأطياف، فضلاً عن الكفاحات الفردية المتمثلة في عمليات الطعن والدهس الفردية واللامنظمة، غير أن هذه العمليات الفردية لم تكن تطعن الآخر الصهيوني المستعمِر بقدر ما كانت تطعن أطياف النظام السياسي الفلسطيني وتشكيلاته كافة. وهذا للأسف ما لم تدركه هذه الأحزاب والحركات بعد.

أنا لا أطالب بإنهاء ما تبقّى من دور للأحزاب في قيادة الشعب وتمثيله، ولا أسعى أيضاً لأن أكوّن نصباً تذكارياً لهذه الأحزاب، لأن من الخطورة بمكان إنهاء ومهاجمة دور الأحزاب في هذه المرحلة التي يتمخض فيها مزاج شبابي ثوري جديد، بل المطلوب هو استعادة الأحزاب، وخصوصاً اليسار الفلسطيني، لدورهما التاريخي، لا على أساس سلطوي وإقصائي، وإنما على أساس تشاركي وأخلاقي يكفل تكوين كتلة تاريخية تعبّر عن الكل الفلسطيني. أمّا الحراك الأخير (هبّة القدس)، وانخراط شبيبة شعبنا كله فيه، فهو مقدمة بنّاءة في اتجاه البديل الذي لا يلغي ولا يقصي، بل يحدّث الخطاب السياسي الفلسطيني ويطوره، ويلغي ذكوريته المطلقة، إلّا إنه ليس بديلاً في الوقت الحالي، وهذا يعود إلى حالة الارتباك التي سادت في أوساط الأحزاب والحركات بمختلف مشاربها إزاء هذا التحرك.

وجدي جودة: لقد تراجع اهتمام الفلسطينيين بالفصائل، وهناك حالة من الإحباط العام تجاهها، وهذا ما لمسناه ونلمسه من الأسرى المعتقلين الجدد في الأعوام الأخيرة، وذلك ناتج من عدم قدرة هذه الفصائل على تحويل الهبّات والمواجهات إلى انتفاضة شعبية شاملة تتسم بالديمومة والاستمرارية. كما أن هناك فصائل فلسطينية جل اهتمامها محصور في البحث عن مواقع وامتيازات ونفوذ داخل السلطة، وفصائل اليسار تعاني جرّاء وهن قوتها، وتراجع وزنها نضالياً وسياسياً وجماهيرياً، وتجمُّدها عند الحنين إلى ماضيها النضالي، علاوة على أنها فقدت قدرتها على كبح جماح الهيمنة والتفرد بالقرار الوطني، فـ “حماس” مثلاً، باتت متهالكة على السلطة، وغائبة عن دائرة الفعل في الضفة، ومتقوقعة في غزة، وذلك على حساب النضال الوطني الفلسطيني الأوسع والأشمل. لذلك فإن عزوف الشباب عن الانتساب إلى صفوف الفصائل هو بسبب عدم قدرتها على احتضانهم وتأطيرهم بشكل واعٍ نضالياً وفكرياً ووطنياً وتنظيمياً. إن الشباب الفلسطيني اليوم بات يفتقد قوة المثال والنموذج والقدوة، وبالتالي، فإن على الفصائل أن تجدد خطابها وبنيتها القيادية بضخّ دماء جديدة في المراكز والمستويات القيادية من الشباب، وعدم الحذر والخوف منهم، وبالتالي التمثّل بما فعلت سابقاً قيادة المنظمة مع قيادة الأرض المحتلة مثل الجبهة الوطنية في سنة 1974، والقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة الأولى في سنة 1987. ولهذا يجب الانتباه جيداً والإنصات وفتح الباب أمام القيادات الشبابية التي أفرزتها الهبّات والمواجهات، وآخرها هبّة القدس وسيفها.

المحور الثالث

ظهور المبادرات الإصلاحية أو الثورية

 ظهرت المبادرات الإصلاحية والثورية نتيجة ترهل الواقع السياسي الفلسطيني، وكردة فعل مباشرة على وصول مشروع أوسلو، وحل الدولتين، إلى نهايتهما، ومثلهما مشروع “دولة كل مواطنيها” بعد إقرار إسرائيل قانون القومية في سنة 2018. ولعل العامل المشترك الأكبر بين هذه المبادرات أنها تمثّل وعياً لافتاً بضرورة تركيز النضال الجماعي على حل مبني على الحقوق السياسية، يشمل فلسطين كلها، والفلسطينيين جميعاً، ويكفل حق العودة والدولة وتقرير المصير. فكيف تنظرون إلى المبادرات التالية اليوم:

1 – وثيقة الأسرى (2006): هل لا تزال صالحة كوثيقة وفاق وإنقاذ وطني يمكنها أن تشكل مظلة لاستراتيجيا “المقاومة الشاملة”، في ظل إلغاء الانتخابات (التشريعي، والرئاسة، والوطني)، واستمرار الانقسام، وتعارض نهجَي الواقعية السياسية والتنسيق الأمني في الضفة الغربية مع المقاومة العنفية في غزة والشعبية في عموم فلسطين، وانهيار القائمة المشتركة في فلسطين 48، وخصوصاً أن هذا كله عزز لدى معظم الفلسطينيين قناعة بأنه “لا يمكن هدم بيت السيد بأدوات السيد”؟ فهل يمكن الخروج بـ “وثيقة الأسرى 2” بعد سقوط حل الدولتين؟

2 – مبادرة “حملة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية”، وهي حملة لا تقتصر على الفلسطينيين وحدهم، وستفرض، إذا ما كُتب لها النجاح، تنازلات قاسية تجاه نتائج الاستعمار الاستيطاني الصهيوني السابق وصولاً إلى نكبة 1948، وهي مبادرة لن تكون، في أحسن أحوالها، إلّا محاكاة لنموذج جنوب أفريقيا. فهل ثمة مستقبل لهذه المبادرة أخذاً بعين الاعتبار الواقعَين الفلسطيني والإسرائيلي؟

3 – مبادرة “مؤتمر المسار الفلسطيني البديل – نحو عقد ثوري جديد، مدريد – إسبانيا، [تشرين الأول/] أكتوبر 2021″، وهي المبادرة الأكثر جذرية في الدعوة إلى استعادة منظمة التحرير الفلسطينية بصيغتها الميثاقية في سنة 1968، الأمر الذي يقتضي التحلل (الإكراهي) من كل ما ترتب على انحرافات المسار السياسي للمؤسسة الرسمية الفلسطينية منذ سنة 1974، وخصوصاً البنى السياسية والأمنية والاقتصادية لاتفاق أوسلو. كيف تنظرون إلى هذه المبادرة؟

4 – مسار الثورة الشاملة التي اندلعت في نيسان / أبريل – أيار / مايو 2021، وتحديداً بعد “هبّة القدس”، ومعركة “سيف القدس”، والإضراب الكبير في 18 أيار / مايو 2021، وهو المسار الآخذ في التبلور بظهور قيادات شابة في مختلف الميادين على امتداد فلسطين التاريخية والشتات. هل يمكن أن تشكل هذه القيادات الشابة بديلاً سياسياً فعلياً يفرزه الميدان؟ وما هي آليات فَوْلَذَته وحمايته؟

مروان البرغوثي: مثّلت “وثيقة الأسرى” للوفاق الوطني استجابة واعية لمتطلبات مرحلة وطنية، وشكلت حالة إجماع وطني، وعكست دوراً ريادياً للقيادات الفلسطينية في الحركة الأسيرة، ونجحت في تقديم رؤية شاملة محددة الهدف والوسائل والأساليب والأطر الملائمة لتحقيق ذلك. كما أن الأوضاع التي تعاملت معها “وثيقة الأسرى” سابقاً، من تحدٍّ واقعي ما زال فاعلاً على الأرض، والانقسام وتفرّق القوى السياسية، وفقدان الإرادة السياسية الصلبة ضد الواقع، تجعل من هذه الوثيقة قاعدة وطنية يمكن البناء عليها وتطويرها وإدخال أفكار جديدة عليها إذا ما تطلّب الأمر ذلك، مع تأكيد ما جاءت على ذكره دائماً من قواعد: أولاً، أن “الوحدة الوطنية هي قانون الانتصار” لحركات التحرر الوطني وللشعوب المقهورة، وثانياً، ضرورة وجود قاعدة وطنية سياسية وأخلاقية ونضالية هي قاعدة “شركاء في الدم شركاء في القرار”. وقد تجلت القاعدتان في “وثيقة الوفاق” بشكل ملموس، فضلاً عن مبدأ “المقاومة الشاملة”، ذلك بأن وِحْدتنا المؤسسة على الشراكة الوطنية الكاملة هي ضرورة وشرط للانتصار، وهذه أولى أبجديات مرحلة التحرر الوطني.

أمّا إمكان الخروج بـ “وثيقة ثانية” تبادر إليها الحركة الأسيرة على ضوء التطورات الجارية، فقد حاولنا مراراً القيام بذلك، لكن من دون جدوى ولأسباب كثيرة. فالحركة الأسيرة تواجه تحديات وصعوبات وأوضاع داخلية صعبة ومعقدة، ولا يمكن أن تفصل بين الأزمة العامة للحركة الوطنية، وتجلياتها على واقع الحركة الأسيرة، غير أن هذا كله لن يحول دون المحاولة والنضال من أجل تفعيل دور القيادات الفلسطينية الأسيرة في المبادرة والمساهمة في الحوار الوطني وإعلاء البرنامج الوطني.

إن الأولوية المقدسة للشعب الفلسطيني هي مواصلة النضال لإنهاء الاستعمار الصهيوني ونظام الفصل العنصري، وعندما يتم إنجاز هذه المهمة الشاقة التي تحتاج إلى ثورية النفس الطويل، يستطيع الشعب الفلسطيني عندئذ أن يمارس حقه في تقرير مصيره ويختار الشكل الملائم للكيان السياسي، مع الأخذ في الاعتبار أن انهيار خيار ما يتم التعارف عليه بـ “حل الدولتين” وفشله، إنما جرى بقرار إسرائيلي استراتيجي، من خلال رفض الاعتراف بشروط الحد الأدنى للتسوية السياسية التي وافقت عليها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وعبر استمرار إسرائيل في العمل على تقويض هذا الحل.

لقد أسس الواقع القائم والسياسات الحاضرة، طرحَ مبادرات وخيارات متعددة، وهي خيارات يمكن دراستها، غير أن هذا الأمر مرتبط بكيفية تطور الحالة القائمة على الأرض فلسطينياً، وبالقدرة على التوافق على برنامج وطني جامع. فقد بات من الواضح ضرورة تجديد الخطاب السياسي والبرنامج والخطوات العملية، وضرورو طرح جميع البدائل، على أن يشمل الحوار فيها أوسع مشاركة وطنية من الشعب الفلسطيني في كل مكان. لكن، مرة أُخرى، المهمة الأولى والمقدسة هي “مقاومة شاملة” للمشروع الاستعماري الذي يتوجب لمواجهته البحث عن الخيار والبديل اللذين يقررهما الشعب الفلسطيني بكل إرادة وحرية.

إن إنتاج البدائل يتطلب توفر عدة عوامل، منها: الوعي، والإرادة، والبرنامج المؤسس على رؤية الأدوات والوسائل، وتحديد الأهداف بدقة، وإيجاد الأطر الملائمة، والقدرة على التشبيك، والتمايز بين الطرح السياسي المقدم والممارسة، وقوة المثال وتقديم القدوة والنموذج، كي تنتج حالة فاعلة، متفاعلة بواقعها السياسي لا منفعلة به. وهناك حاجة إلى تواصل وحوار جاد بين الحركات في جميع الساحات، وإلى بناء تنسيقيات جادة تحدد عناوين نضالية عامة وشاملة ومباشرة للنضال من أجل تحقيقها، مع أهمية الحذر الدائم من محاولات الإفساد والردع ضد الحالة الشبابية، لكن في النهاية، فإن الإطار الفضفاض الجاد هو ما تحتاج إليه هذه الحركات.

وليد دَقّة: قبل الرد على سؤالكم بشأن المبادرات المتنوعة، أو التوقف عند الفرضيات الخفية في السؤال، أو في المبادرات المتعددة، باستثناء المبادرة الأخيرة التي تناولها سؤالكم، فإن الفرضية الأولى التي ينطلق منها السؤال، تقول بضرورة البحث عن حل القضية الفلسطينية في سياق الحل الدولاني؛ هكذا، إذا فشل حل الدولتين، يكون المطروح حل الدولة الواحدة، كأن مهمة الشعب الفلسطيني وقيادته البحث دوماً عن صيغة مقبولة “واقعية” للحل، وليس النضال لفرض الاعتراف بحقّه في وطنه السليب. وهذا المنطق في التفكير قادنا إلى تقديم التنازلات الخطرة، وإلى النتائج التي نحن في صددها كفشل حل الدولتين، والتي كانت المفاوضات هي أداة تحقيقها، وما ترتب على ذلك من تجزئة للهوية وللشعب الفلسطيني وشطب حق العودة. فحل الدولتين جاء كمقاربة سياسية واقعية، مثلما يدّعي أصحابها، بعد فشل حل الدولة الواحدة الذي كان الكفاحُ المسلح أداةَ تحقيقها المركزية. وضمنياً، فإن الفشل هو القاسم المشترك في كلا الحلّين، فمع حل الدولتين فشلت المفاوضات، ومع حل الدولة فشل الكفاح المسلح. وفي المقابل، لم تتزحزح الصهيونية قيد أنملة عن مواقفها “المبدئية”، وادعائها أن هذا الوطن هو وطنها من النهر إلى البحر، بما فيها الصهيونية التي صُنّفت يسارية وقبلت بالتفاوض، مع أن قبولها بالتفاوض لم يكن إلّا محاولة منها لإنقاذ الدولة من الأغلبية الفلسطينية، فهي لم تعترف، لا في أي حال ولا في أي مرحلة من مراحل التفاوض، بالحقّ الفلسطيني وروايته التاريخية، وظلت من قاعدة انتصارها على الحركة الوطنية الفلسطينية ترسم حدود الدولة بالقوة.

الفرضية الخفيّة الثانية التي قادتنا إلى منطق البحث عن الحلول الواقعية، وعن انتصار الصهيونية وواقعية انتصار الصهيونية، هي فرضية صحيحة جزئياً. فمن الواقعية أيضاً ألّا نكرس الواقع، بل أن ننهض به من حيث انتهى. وأود هنا أن أستعين بمثال من عالم الأسر، فنحن الأسرى مع أننا مكبلون بالأيدي والأرجل، ومحتجزون في زنزانات، وسجاننا يمكنه نظرياً أن يفعل بنا ما يشاء، إلّا إنه غير قادر على ثنينا عن أن نخوض إضراباً عن الطعام، أو أن يغير قناعاتنا ومواقفنا مستخدماً قوته، فالأسير يتعامل مع هذه المعطيات مستنداً إلى إرادته في تغيير الواقع، ومدركاً أن لاستخدام القوة حدوداً حتى إن كان مع إسرائيل. والواقع يقول إن الدولة الواحدة وتحريرها بأداة الكفاح المسلح، والدولتين وأداتها المفاوضات والدبلوماسية، قد فشلا فشلاً ذريعاً، وإن إسرائيل تفرض إرادتها بقوة السلاح، فتبني المستعمرات وتهدم البيوت وتصادر الأراضي وتواصل حصارها لغزة، لكنها لن تكون قادرة على تغيير الرواية التاريخية من أذهان وأفئدة الشباب والصبايا الذين تشرّبوا هذه الرواية ليس من خلال نص قرأوه فحسب، ولا بفعل تعبئة وتثقيف إعلامنا الفلسطيني ومدارسه التي قد تُتّهم لا قدّر الله بالتحريض، بل بفعل واقع الأبارتهايد الذي خبرناه موضوعياً أيضاً. فالنكبة لهذه الأجيال ليست تاريخاً، وإنما ماضٍ مستمر يشاهدونه يومياً في كل بقعة من فلسطين التاريخية، ولهذا، لم تعد هذه الأجيال مهتمة بالحلول التي تفرضها موازين القوى، وإنما بالوطن الذي يرسمه الحق وتؤكده الرواية.

لم يكن شعار “دولة كل مواطنيها” مشروعاً يتم التفاوض عليه مثلما هي الحال مع مشروع حل الدولتين، وبالتالي، لا يمكن الحديث عنه بصفته حلاً فاشلاً. فقد رُفع كشعار لنضال فلسطينيي الداخل المحتل منذ سنة 1948 عندما استثناهم اتفاق أوسلو، وأعتقد أن هذا الشعار الذي تحوّل إلى خطاب سياسي لجميع القوى في الداخل حمى الأجيال الشابة من الأسرلة في أول أعوام اتفاق أوسلو، وما نشهده اليوم من وعي وطني سببه هو الإدراك العميق لمعناه، والتحدي للصهيونية. فإذا كان حل الدولتين قد تجاوز مواجهة الصهيونية بصفتها أيديولوجيا عنصرية، وأتاح للصمت العربي والفلسطيني أن يمرر إلغاء قرار الأمم المتحدة الذي اعتبر الصهيونية أيديولوجيا عنصرية، فإن شعار دولة كل مواطنيها أعاد إلى المقدمة الصراع بهذا المعنى، واضعاً أمام دولة العرق تحديات عملية يومية، وجامعاً بين الوطني والمطلبي، كما أنه من الناحية النظرية تجاوز أهميته الفلسطينية، وأصبح ناظماً للنضال العربي في مواجهة دولة كل طوائفها أو شبّيحتها، إذ لا معنى للاستقلال الوطني لهذه الدول من دون أن تصبح دول كل مواطنيها.

على كل حال، الشباب المشاركون في الحراكات التي شاهدناها في الشيخ جرّاح وباب العمود وحيفا ويافا وغيرها من المدن والبلدات الفلسطينية، ليسوا أجيالاً عدمية أو واهمة، فهم: أولاً، يدركون أن إسرائيل قوة عسكرية واقتصادية، وأنه يجب عدم منازلتها في موقع قوتها مثلما نفعل دوماً، كأن حال هذه الأجيال تقول: ما دمنا غير قادرين على ملاكمة الصهيونية وهو المجال الذي نخسر فيه، فإن علينا أن ننازلها بلعبة الشطرنج التي تعني في هذا السياق استخدام أشكال القوة الناعمة كلها من خلال وسائل التواصل الجديدة في تنظيم الوجود في الشارع. ثانياً، بما أن الصراع جرى تكريسه منذ بداية الاستيطان الصهيوني كصراع أهلي محلي، وأصبح، لاحقاً، صراعاً بين حركة التحرر الوطني الفلسطيني والدولة الصهيونية على الحدود، وتحول فيما بعد في الانتفاضة الأولى، وإلى حد ما في الثانية، إلى صراع بين مجتمع فلسطيني منتفض وقوات الاحتلال، ثم تطور، مثلما شاهدنا في الهبّة الأخيرة، ليكون بين مجتمعين، فقد غدا في ظل تعمّق سياسات الأبارتهايد، أكثر شبهاً بالصراع بين الأفارقة السود والأقلية البيضاء الحاكمة في جنوب أفريقيا منه بالصراع في فييتنام أو الجزائر والمحتل الأميركي والفرنسي. ثالثاً، لأن هذه الأجيال تدرك ما ذكرناه كله، فإنها تناضل ضد الصهيونية فكراً وممارسة من دون أن تلغي فكرة مجتمع يهودي، وشرطها الأساسي للنضال المشترك هو الاعتراف بالنكبة وبالحق الفلسطيني وبالعودة إلى الوطن. وفي حال أُطّر هذا الحراك، وهذا ما نأمله، فإننا سنجد في برنامجه ما يعبّر عن ويخاطب مصالح هذا المجتمع اليهودي. لكن هل سيكون هذا مقبولاً من إسرائيل؟ وهل قبلت إسرائيل بجميع ما قدّمته القيادة الفلسطينية من تنازلات؟ إن نضالنا يحتاج إلى صبر وتضحيات وصمود على الأرض، وإلى الاستثمار في عامل الزمن الذي سيصبّ في مصلحتنا، إذا أجدنا استخدامه، وملأناه بالفعل التضالي الذي من شأنه أن يشحن الهوية بمعانٍ وقيم جديدة.

لقد حاولت الفصائل الفلسطينية في الضفة والقطاع إنهاء الانقسام، بينما عملت الأحزاب العربية داخل مناطق 48 على كسب ثقة الناخب، فشكّلت الانتخابات في الداخل وفي مناطق 67، كآلية لتجديد الشرعية. ومع أن ثمة اختلافاً بين الواقعَين القانوني والسياسي، إلّا إن هناك أوجه شبه بينهما لناحية تعامل القطاعات الشبابية مع الدعوة إلى الانتخابات. فقد اتسعت دائرة المقاطعين في الداخل، في حين عارضتها قطاعات شبابية واسعة في الضفة والقطاع، ولا سيما في قواعد اليسار، باستثناء قواعد حركة “حماس” التي، وعلى الرغم من إلغاء الرئيس الفلسطيني للانتخابات، استفادت من تمكّن المقاومة في الحرب الأخيرة على غزة، فجددت شرعيتها مرحلياً، في انتظار ما سيترتب ليس فقط على نتائج المفاوضات بشأن الإعمار وفك الحصار وتبادل الأسرى، وهذا مهم، بل على تحقيق المصالحة كنقطة برنامجية أملت الحراكات الشبابية بأن يتم تحقيقها أيضاً، على الرغم من إدراكها أن برامج هذه القوى لا تحمل أي جديد يستجيب لآمالها وتطلعاتها كافة. وهنا يجب الإشارة إلى أنه حتى القوائم الانتخابية الجديدة التي ظهرت عشية الانتخابات الملغاة لم تكن سوى صيغ أُخرى لنهج أوسلو من أجل تقاسم سلطة وهمية.

إن المتوقع والمأمول من الانتخابات التشريعية الفلسطينية هو أكثر ممّا تحمله الانتخابات في أي نظام سياسي آخر، فمهمتها ليست تشكيل أغلبية لاستلام السلطة التنفيذية، وإنما حل الأزمة المتمثلة في الانقسام وغياب الإطار الجامع لحركة التحرر. لكن في ظل التقاسم الجاري بين “فتح” و”حماس”، وغياب تيار ثالث، مؤثر وفاعل، فإن أي نتائج للانتخابات ستعيد إنتاج الأزمة، لأن الانقسام تحوّل إلى انقسام شامل في الاقتصاد والثقافة والإعلام.

أمّا وثيقة الأسرى، وحتى إن قالت “شركاء في الدم شركاء في القرار”، فتندرج في سياق تقاسم السلطة ذاته، وإجراء محاصصة في مؤسسات منظمة التحرير بعيداً عن أغلبية الشعب الفلسطيني في الوطن مثلما أثبت الحراك الأخير؛ هذا الحراك الذي أعلى صوته ونشط مدفوعاً بهويته الوطنية الفلسطينية المتطابقة مع الوطن التاريخي الذي هو قضية حرية وعدالة، وليس بحثاً عن حل. لهذا، لا أرى أي معنى للحديث عن حلول (دولة أم دولتين)، ولا سيما في ظل التنكر الكامل من جانب الصهيونية للحق الفلسطيني، ومواصلتها فعل النكبة.

عبد الرازق فرّاج: إن إنجازات المعركة والهبّة في أيار / مايو الفلسطينية الشاملة، تؤكد أن الفرصة لتجاوز الأزمة قائمة، وأساسها: رسوخ الوطنية الفلسطينية وعمقها لدى أبناء شعبنا في جغرافيات انتشاره كافة؛ القوة الرادعة لمقاومة القطاع وصموده الأسطوري؛ الوحدة الميدانية الجماهيرية النضالية لأبناء شعبنا في مواجهة المستعمرين.

لكن بعد مرور نحو شهرين ونصف شهر على المعركة والهبّة في أيار / مايو، فإن واقع شعبنا لم يكن قد تحسن، والانقسام ما زال يتعمق وربما يتمأسس، وهذا كله بدلاً من السعي الجدي لإنهائه، ولإعادة إحياء المشروع الوطني باعتباره مشروعاً تحررياً وديمقراطياً يواجه استعماراً استيطانياً. علاوة على ذلك، يمكن ملاحظة مساعي إقليمية بالوكالة عن الإدارة الأميركية لاستئناف المفاوضات المباشرة، بل أكثر من ذلك، نرى سلطة رام الله، على الرغم من كونها سلطة تحت الاستعمار، تتحول إلى نسخة مشوهة لأنظمة الاستبداد العربية من خلال إقدام أجهزتها الأمنية على قتل الناشط السياسي المعارض الشهيد نزار بنات، وسحل وتكميم أفواه المحتجين والمحتجات المطالبين بالحقوق المدنية وبتحقيق نزيه فيما جرى، بينما الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية على حافة الهاوية، في حين يتواصل الحصار الخانق على القطاع، وتستمر محاولات فرض شروط استعمارية لإعادة الإعمار.

أعتقد أن مدخل تجاوز الأزمة الفلسطينية والنهوض مجدداً يتطلب عقد “مؤتمر وطني” ينهي الانقسام، ويخصَّص لإجراء مراجعة استراتيجية شاملة ومعمقة لمسيرة العقود الثلاثة الماضية، بهدف استخلاص الدروس وإعادة بناء المشروع الوطني على قاعدة التحلل المتدرج من “تعاقد أوسلو”، وإنجاز شراكة سياسية ونضالية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية كائتلاف وطني عريض على أسس وطنية ديمقراطية وكفاحية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا والمعبّر عن هويته الوطنية، بغضّ النظر عمّا ألحقته وتلحقه بها القيادة المتنفذة من وهن وتهميش واستخدام، خدمة لتفرّدها وتوجهاتها.

المقصود هنا “مؤتمر وطني” لا تقتصر المشاركة فيه على ممثلي الفصائل والأحزاب فحسب، بل على ممثلي الأسرى والمؤسسات والفاعليات والحركات الشبابية والأكاديميين والمثقفين من مختلف جغرافيات انتشار الشعب الفلسطيني أيضاً؛ مؤتمر تكون ورقته الأساسية وثيقة الأسرى لسنة 2006، مع أهمية تطويرها أخذاً بعين الاعتبار متغيرات 15 عاماً. ولهذا، يجب إضافة / تعديل في مضمونها، وفق التالي:

1 – التحلل المتدرج من “تعاقد أوسلو” بأبعاده السياسية والاقتصادية والأمنية، مثلما جاء في قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في اجتماعه الأخير.

2 – تأكيد رفض المفاوضات المباشرة مع المستعمِر، على أن يكون أساسُ ومطلب التحرك السياسي والدبلوماسي الفلسطيني، بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية، عقدَ مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة لتطبيق قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، وليس التفاوض بشأنها.

3 – إعادة الاعتبار إلى الميثاق الوطني الفلسطيني لسنة 1968.

4 – إعلان الجميع تبنّيهم لحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، وتوفير سبل الدعم كلها لدورها المهم باعتبارها استراتيجيا نضالية رئيسية تستند إلى منظومة الحقوق السياسية، وتشمل بمبادئها أماكن وجود الشعب الفلسطيني كافة.

5 – إعادة بناء أجهزة السلطة الأمنية بحيث تكون أدوات لحماية شعبنا وأرضنا من المستعمرين الصهيونيين.

6 – اعتبار السلطة أداة من أدوات منظمة التحرير الفلسطينية، وظيفتها الأساسية تعزيز صمود أبناء شعبنا في الضفة والقطاع في مختلف المجالات، وخصوصاً ضمان حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والمدنية.

6 – الإجراء السريع للانتخابات التشريعية والرئاسية، والانتخابات الخاصة بالمجلس الوطني، وفرض إجرائها في القدس وفق الأسس السياسية الواردة أعلاه.

لكن هذا الرأي الخاص بـ “المؤتمر الوطني”، تعوق تنفيذه عقبات بحجم الجبال، أبرزها اعتقاد البعض أنهم ينوبون عن الشعب الفلسطيني في اتخاذ القرارات، وأنهم يمتلكون الحقيقة. ومع ذلك، فإن من شأن الحراك الشعبي أن يؤسس لتغيير في الاتجاه الصحيح.

أيضاً يجب التمييز بين المواقف الدولية والعربية والفلسطينية المنادية بـ “حل الدولتين” الذي مات وشبع موتاً، وبين التمسك الفلسطيني بحق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس كمشروع كفاحي نضالي يتطلب استنفار جميع الطاقات الفلسطينية بدعم من أحرار العرب وأحرار العالم. وأعتقد أن ما سبق ممكن، وقد يكون مشروع خلاص وطنياً يعيد إلى فلسطين الواحدة والموحدة بريقها ووهجها السياسي والثقافي والأخلاقي كقضية تحرر وطني ضد مشروع استعماري استيطاني.

أمّا فيما يتعلق بداخل الداخل الفلسطيني الذي يعاني الأمرّين في ظل المنظومة الاستعمارية الاستيطانية العنصرية، فإن التطورات خلال الأعوام الأخيرة، والمتعلقة بالتفشي الواسع النطاق للعنصرية والفاشية في الشارع الصهيوني، والتي من ضمن تجلياتها: قانون القومية اليهودية، وقانون المواطنة، والبناء، وغيرها… كلها تستدعي بحثاً معمقاً في جدوى استمرار المشاركة في انتخابات الكنيست الصهيوني، يتم خلاله فحص إيجابيات المقاطعة وسلبياتها، كما تستدعي البحث في فكرة انتخاب لجنة المتابعة العربية العليا، وتحويلها إلى برلمان فلسطيني داخل الداخل.

أخيراً، فإن صعود دور الشباب والحراكات الشبابية خلال الأعوام الأخيرة في مجالات متنوعة، سياسية وثقافية، وتميُّز هذا الدور خلال المعركة والهبّة في أيار / مايو، وإطلاق فاعليات اجتماعية أخيراً ضد سياسات السلطة، أمور تؤكد كلها تجذّر أزمة القيادة على مستوى القوى الفلسطينية والتناقضات داخلها، وترهّل دور القوى السياسية وتراجعها، الأمر الذي دفع الشباب إلى الاحتجاج على هذه الأوضاع، وعلى إقصائهم عن المواقع التي يستحقونها في مختلف المجالات. إن صعود دور الشباب يؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، أن إمكان النهوض الفلسطيني هو أمر واقعي، أسوة بالتجارب الثورية المتعددة في العالم. وأرى أن ما سبق بدأ يفرض على بعض القوى الفلسطينية تجديد ذاته، عبر العمل مع الشباب بعقول منفتحة، والأهم ضخّ دماء شبابية جديدة في الهيئات القيادية لهذه القوى.

باسم خندقجي: ثمة مفارقة يجب أخذها بعين الاعتبار عند الحديث عن البرامج والمبادرات الساعية لإيجاد حلول للمسألة الفلسطينية، وهي أن دولة الكيان الصهيوني، وانطلاقاً من موقعها كنظام استعماري استيطاني، قامت بشرعنة ومنهجة عنصريتها وفاشيتها إزاء الفلسطينيين ضمن تقنيات موحدة وشمولية، بمعنى أن هذا النظام الاستعماري قام بتصنيف مسبق للفلسطيني، أياً يكن، وفي أي زمان ومكان. غير أن هذا التصنيف الموحد لم يعكس في الجانب الفلسطيني ردة فعل موحدة وقادرة على رد العنصرية وإفرازات النكبة من جهة، وعلى تشكيل وإعادة تشكيل هوية فلسطينية جامعة ومفتوحة وضد العنصرية، من جهة أُخرى. فالغياب التام للفعل الموحد أدى إلى تجلّي العديد من الرؤى والبرامج الساعية لإيجاد حلول كي تصبح عملية صوغ وبلورة المبادرات والحلول تشبه إلى حدّ ما سلوك ربّة منزل تمارس عملية التسوق الأسبوعي براحة ولذّة تامّتَين.

مرة أُخرى، أؤكد أن هذه الحلول كلها، تفتقد التموقع ضمن السياق الاستعماري الاستيطاني، إذ كيف يمكن لحل أن يتحقق على أرض الواقع، من دون أن أدرك، أنا كفلسطيني، أنني جزء من المعادلة الكولونيالية، وأنني العنصر السلبي الخاضع فيها، شئت أم أبيت، وبالتالي، أنا مخلوق مشوّه وليد النكبة الكولونيالية، أي عبارة عن كائن كولونيالي بلا وجه، وبلا اسم، وبلا ملامح، ومقحم رغماً عني في الخطاب الصهيوني الكولونيالي. وكي أتحرر من هذ التصنيف فإنه يتعين عليّ أن أخلق خطابي وسرديتي عبر فهمي التام لكيفية تخلصي من هذه الهوية المشوّهة التي ألحقها بي الآخر الكولونيالي المسيطر. وعليه، فإن جميع الحلول لا تمثل الحد الأدنى من المأمول في مواجهة العدوانية والشمولية الصهيونية الكولونيالية.

أمّا وثيقة الأسرى لسنة 2006، فإنني لا أنظر إليها كممارسة سياسية واعية يمكن أن تمهّد الطريق أو تحلّ محل ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية لسنة 1968، إذ إنها مجرد محاولة فاشلة لإجراء صلح عشائري بالمعنى السياسي. وبالتالي، فإنها لا تشكل الحد الأدنى من المظلة الاستراتيجية للكل الفلسطيني، لأنها تستثني فلسطينيي 48 المحتجزين في حيّز زمكاني مشوّه داخل المركز الكولونيالي. والحديث عن وثيقة الوفاق الوطني كإحدى القواعد الأساسية لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني هو حديث مبالغ فيه، وهذا ما أثبته التحرك السياسي الأخير الذي كان يعمل على إجراء الانتخابات التشريعية، أي إعادة إنتاج الانقسام عبر صندوق الاقتراع، وترسيخ وجود تشكيلات وخيبات أوسلو من دون الأخذ بعين الاعتبار التحولات نحو اليمين الفاشي المتطرف داخل المركز الصهيوني الكولونيالي، من جهة، وكذلك ظهور تيارات سياسية فلسطينية نظمت تحركات ميدانية في الفترة الأخيرة، وأثبتت قدرتها على تحدي إفرازات النكبة بجميع مستوياتها، من جهة أُخرى.

وفيما يتعلق بالحديث عن وثيقة الأسرى – 2، فأنا أعتقد بوجود إمكان لبلورة وثيقة ثورية جديدة لا تستند إلى الوثيقة الأولى، ولا تعبّر عن برامج ومصالح الأحزاب والحركات الفلسطينية فقط، بل عن تطلعات وحراكات الشباب الفلسطيني أيضاً، الباحث عن حاضنة تاريخية أو قومية له، يمكن الانطلاق منها وتحدي المركز الكولونيالي بواسطتها. وبالتالي، فإن أي وثيقة جديدة يجب أن تستند إلى عدة قواعد، من أهمها: توفير المقدمات التي تكفل تأسيس كتلة تاريخية فلسطينية جامعة منطلقة من منظومة أخلاقية تؤكد بدورها لاأخلاقية عزل إفرازات النكبة الكولونيالية عن الشعب، وتشدد على أخلاقية النكبة كحدث مؤسس للهوية الفلسطينية السلبية والإيجابية؛ السلبية لأنها كولونيالية خاضعة، والإيجابية كفلسطينيين ساعين نحو هوية إنسانية لاعنصرية. ويجب أن تتضمن الوثيقة دعوة إلى تأسيس حركة مقاومة شمولية واجتماعية وثقافية ومعادية للعنصرية والفاشية، وقادرة على إنتاج وعي المقاومة ضمن السياق الكولونيالي. وهنا يُطرح التساؤل التالي: إلى أي حدّ ستمتلك هذه الكتلة التاريخية الجرأة الكافية في رؤيتها إلى دولة الكيان الصهيوني لجهة الاعتراف بوجود مجتمع وثقافة وحضارة وعادات وتقاليد في الكيان، ومدى إمكان خلق، والتفاهم على، قواسم مشتركة مع الآخر اليهودي المعادي للصهيونية كنظام استعماري استيطاني، وهو ما يتطلب إرادة لدراسة المجتمع الصهيوني عبر مقاربات وآليات ومناهج نظرية بعيدة كل البعد عن تغويل الآخر وأسطرته. فكي تهزم الوحش، عليك أن تؤنسنه أولاً.

وبالنسبة إلى مبادرة حملة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية، فأنا ليس لديّ فكرة واضحة عن هذه المبادرة بسبب ظروفي الاعتقالية القاهرة، إلّا إنني أفهم من هذه المبادرة النضالَ في سبيل دولة ديمقراطية. لكن، مَن سيناضل معي؟ وضد مَن سأناضل؟ بل إنني قد أصطدم في النهاية بطوباوية هذه المبادرة في حال افتقرت إلى الجرأة اللازمة لبثّ رؤيتها الواضحة فيما يتعلق بمواجهة مشروع الصهيونية الدينية الخلاصية المشيحانية، هذا المشروع الذي يمتد وينتشر في الأوساط الصهيونية، والمدعوم من طرف التيار الصهيوني – المسيحي الترامبي. وطبعاً، يجب ألّا ننسى ضرورة امتلاك الوعي اللازم لقراءة الصدوع الآخذة في التعمق داخل التركيبة الاجتماعية الديموغرافية والسياسية الصهيونية بشكل يكفل تعجيل وتسريع عوامل انهيار دولة الكيان ونظامها الاستعماري عبر إيجاد النقاط والأهداف المشتركة مع كل مَن يؤمن بأخلاقية الدولة الواحدة، أي الإيمان بعودة اللاجئين إلى أراضيهم وبيوتهم، ونبذ العنصرية والخطاب اليميني الفاشي، وتصحيح الأخطاء التاريخية التي حدثت في النكبة. إن خيار الدولة الديمقراطية ليس غريباً عن برنامج منظمة التحرير الفلسطينية، وحتى عند بعض أحزاب اليسار الفلسطيني، لكن فيما يتعلق بالأحزاب الإسلامية، كيف ستتفهم وتتعامل مع هذا الخيار، ولا سيما أنها تؤمن بوقفية فلسطين الإسلامية؟

يقود هذا الأمر إلى التعليق على المبادرة الأُخرى، وهي مبادرة “مؤتمر المسار الفلسطيني البديل – نحو عقد ثوري جديد، مدريد – إسبانيا، [تشرين الأول/] أكتوبر 2021″، فهي تقضي بإعادة تبنّي ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية لسنة 1968، لكننا الآن في سنة 2021، ودولة الكيان الصهيوني لم تعد تلك الدولة الوليدة التي تعمل على بناء مجتمعها وصوغه. غير أن الجيد في هكذا مبادرة هو رفضها المطلق للإخلالات التاريخية التي مارستها منظمة التحرير الفلسطينية بعد سنة 1974، بدءاً بإعلان وثيقة الاستقلال في سنة 1988، وصولاً إلى أوسلو في سنة 1993. وبالتالي، فإن مبادرة كهذه قد توفر الأرضية لإعادة توحيد الإرادة التاريخية الفلسطينية بما يكفل انصهارها ضمن منطق الكتلة التاريخية الجامعة.

وبشأن مسار الثورة الشاملة التي اندلعت في نيسان / أبريل وأيار / مايو 2021، فدعني أتحفّظ على إطلاق هذا المسمّى المبالغ فيه على ذلك الحراك الثوري الرائع، وسأطرح مسمّى أو مفهوم “الحراك الشبابي الفلسطيني” الذي يسعى لامتلاك ملامح هويته الفلسطينية العابرة لإفرازات النكبة الزمانية والمكانية والهستوريوغرافية. فخلال الإضراب الكبير في 18 أيار / مايو 2021، والذي جرى في أجواء جولة “سيف القدس”، انتعشت أنفاس الشباب الفلسطينيين العنفوانية، وكي لا نقطع أنفاسهم بالقول إنهم هم البديل من النظام السياسي الفلسطيني المترهل، أقول إن علينا أن نساهم في توفير الحاضنة الجامعة التي لا تقدّم إجابات لهم فحسب، بل توفر بيئة تفكير الوعي المقاوم المعادي للكولونيالية والعنصرية أيضاً. فالجانب المضيء في هذه الحراكات، والتي تابعتها بجوارحي كلها، هو أنني لم أسمع في المسيرات والمواجهات أي شعار عنصري ضد اليهود، وإنما جل ما سمعته كان ضد التطهير العرقي والأبارتهايد والكولونيالية. هذا على الأقل ما قالته جيجي حديد في ردّها على اتهامها بمعاداة السامية، فهذه الفتاة الفلسطينية التي لم تزر فلسطين يوماً على أرض الواقع، بل زارتها حلماً، ثارت وانتفضت في نيويورك البعيدة لنصرة شعبها وقضيتها، وقادت أكثر من مئة مليون متابع لها إلى مشهدية أُخرى لفلسطين، مشهدية شبابية وتقدمية وديمقراطية ونسوية بحاجة إلى حاضنة ليست جامعة فحسب، بل كونية أيضاً.

ثابت مرداوي: تشترك أغلبية هذه المبادرات، إن لم يكن جميعها، في أنها جاءت كردات فعل بعد أحداث، أو حتى نتيجة تراكم شعور بعدم الرضى، وبأنه لم يعد ممكناً استمرار الحال على ما هي عليه. فالعمل من خلال ردات الفعل يُكمل أولى نقاط ضعفنا، أي أن الفعل لا يأتي بعد دراسة متأنية ومعمقة وبحثية في جميع التجارب والأخطاء، ليكون في إمكاننا بعدها تقييم البديل الذي نحتاج إليه، ذلك بأن ما نحتاج إليه هو بديل “خارج السياق” بكل ما في التعبير والدلالة والمعنى والأدوات. وفي المجمل يمكن تقسيم هذه المبادرات إلى قسمين:

القسم الأول: مبادرات هدفت أساساً إلى العمل على إنهاء الانقسام بين “فتح” و”حماس”، كـ “وثيقة الأسرى”، لكن مشكلة هذا النوع من المبادرات تكمن أساساً في ضعفه، ذلك بأنه لا يمتلك من الأدوات والقوة ما يمكنه من إيصال الطرفين إلى صيغة توافقية تنهي الانقسام، علاوة على أنه لا يوجد لدى التنظيمين، لا القناعة ولا الإرادة الجدية لإنهاء الانقسام، كما أن اعتباراتهم التنظيمية لا تشكل عاملاً ضاغطاً في هذا الاتجاه، إن لم يكن العكس، ولذا لا أعتقد أن ثمة احتمالاً لنجاح هذا النوع من المبادرات. أمّا بشأن إمكان الخروج بـ “وثيقة أسرى ثانية”، فإن المشكلة مرة أُخرى، ليست كامنة في الوثيقة الأولى، ولا في الثانية إن وجدت، وإنما في عدم توفر الشروط اللازمة لإنجاح هذا النوع من العمل والمبادرات، إذ من الخطأ القيام بالتجارب ذاتها، ثم توقّع نتائج مختلفة، فضلاً عن أن أوضاع الأسرى وتفتتهم وانقسامهم وتراجع دورهم، كلها عوامل تدفع إلى الشك في قدرتهم على إعادة إنتاج وثيقة ثانية. لقد كنت ممّن شاركوا في مناقشة وصوغ “وثيقة الأسرى”، وما لا يعلمه كثيرون هو أن عدة أطراف في الخارج “استكثرت” على الأسرى دخول “الحرملك السياسي”، أو حتى الوقوف على بعض نوافذه.

القسم الثاني: مبادرات تطرح رؤى وتصورات للحل والصراع مع الاحتلال، وهي أيضاً قسمان: قسم يدعو إلى حلول معينة مع العدو وينظمها، وقسم تقوم رؤيته على رفض أي شكل من أشكال الحلول معه، وسأتطرق إليه في حديثي في المحور الرابع. فيما يتعلق بالقسم الأول، فإنه يضم توجهات متعددة، مثل حل الدولتين والدولة الواحدة ودولة جميع مواطنيها، وهي ومثيلاتها تجمعها عدة مشتركات، منها مستوى الوهم المتحكم في أذهان أصحابها من ناحية إمكان التعايش مع المشروع الصهيوني، ومنها المنافسة في تقديم الهزيمة بأشكال متعددة، والإصرار على تدوير خطاب الهزيمة وإعادة إنتاجه بدلاً من محاولة البحث عن خطاب آخر.

ومن الأسئلة التي لا بد من الاستمرار في طرحها فلسطينياً، سؤال: ماذا يعني وجود توجهات أو تنظيمات تدعو وتنظّر وتؤمن بحلول قصيرة المدى مع الاحتلال؟ المعنى الأهم والأساس في مثل طروحات كهذه هو أن هناك أطرافاً فلسطينية مقتنعة أساساً بعدم إمكان هزيمة المشروع الصهيوني، هذا إذا أحسنّا الظن بها، وافترضنا أنها أرادت أو تمنت له الهزيمة منذ البداية، وبالتالي، فإنها اختارت الهزيمة أمامه وأمام ولايته، لأن أي شكل من أشكال القبول ببقاء المشروع الصهيوني وأدواته، فضلاً عن التصالح والتنسيق معه، هو هزيمة وليس أي شيء آخر، مهما يحاول أصحابها التبرير أو البحث عن أسماء أُخرى. وهؤلاء لم يُهزموا فقط، بل يريدون لنا ولجميع الأجيال الفلسطينية السابقة والحاضرة واللاحقة أيضاً، حمل تبعات هذه الهزيمة وعارها وتكاليفها أيضاً، وأن نسلّم بها كأنها قدر، وكأن التاريخ وصل فعلاً إلى نهايته، وكأنه لم يعد هناك من قوانين يحكمها التاريخ.

منذ نصف قرن تقريباً، أَخَذَنا هذا التيار في رحلة سراب خلف دولة، بدءاً بالمشروع المرحلي، ومروراً بالدولة الوطنية، ووصولاً إلى مشروع الدولتين. وهذه المشاريع مرفوضة وباطلة من أساسها ووفق أي زاوية من زوايا التحليل، فهي أوصلتنا الآن إلى ما وصلنا إليه من تيه وضياع وفشل وأزمات، ومن انتهاء الإمكان العملي لهذه الحلول، في الوقت الذي حدثت تغيرات اجتماعية وسياسية في المكون البشري لدى العدو، والتي تجعل حلولاً كهذه في حكم المستحيل. وبدلاً من أن يُقرّ هذا التيار بأولى الحقائق الواقعية التي تقول باستحالة التعايش مع المشروع الصهيوني بجميع مكوناته، من يهوديته حتى علمانيته وتوسُّعيته، فإنه لا يزال مصراً على حل الدولتين، وعلى التفاوض والتسوية كخيار أو حل وحيد. وهذا موقف يحتاج إلى ذوي اختصاص لعلهم يجدون له تفسيراً أو يتمكنون من فهمه. وقد خرج من رحم التيار الأول تيار أخذته أوهامه بعيداً في رحلة الهزيمة، فبات يستخدم خطاب هزيمة مخادعاً لا يعرف حداً يقف عنده، وصار يعيد إنتاج ذاته والترويج لها بوجوه متنوعة. وهنا، لا ينفع طبعاً توظيف ملامح الانبهار والدهشة مع كل طرح جديد ليبدو أنه اكتشاف للحل السحري الذي انتظرناه طويلاً: يا الله! كيف لم نره وهو تحت أقدامنا طوال هذه السنين؟ يا حرام، طوال هذه الأعوام ولم ننتبه إلى أن الحل، طوال هذا الوقت، تحت أقدامنا؟ كيف غاب عنا أن الحل دولة واحدة؟ هكذا هي حال بعض خطاب الهزيمة التي تعيد به تدوير ذاتها.

وبالمناسبة فإن بعض أكاديميّينا ممّن كانوا في الثمانينيات فرسان التنظير لحل الدولتين، بات اليوم من منظّري حل الدولة الواحدة، على أساس أن حل الدولتين أصبح غير واقعي، إذ من المستحيل تفكيك المستعمرات وإخراج المستوطنين من الضفة، وعلينا الآن أن نناضل لنيل حقوقنا كدولة واحدة مع اليهود! وبعد عدة أعوام، عندما تصل رحلتهم هذه إلى نهايتها، إلى حيث السراب والمستحيل، فإنهم لن يعدموا الحيلة في إلباس الهزيمة وجهاً آخر، ولعلهم يقولون آنذاك: دولة واحدة بأنظمة متعددة. وسيبدأون في الترويج له، وكيف أنه حل عبقري ومطبَّق بنجاح باهر في العديد من دول أوروبا، وأنه يُعدّ نموذجاً متميزاً من التعايش والازدهار والرخاء الاقتصادي والتكاثر ولتحسين النسل!

لكن، دعونا نمارس قليلاً من اللهو والترف والسياسة، وندخل معاً الآن، ولو للحظات، إلى قاعات الأوهام، لطرح الفرضية الأساس والتي من دونها لا يمكن مناقشة هذا المشروع، وهي: هل يمكن للمشروع الصهيوني التخلي عن مركباته الفكرية والعدوانية والتوسعية، ليقبل بعدها أن يعيش مع غير اليهودي في دولة واحدة؟ ثم: لنفترض، مثلاً، أن القضية انتهت، وأنه تخلى وقبل. وفي هذه الحالة، فإن سيناريوهات هذا الافتراض لن تخرج عن اثنين: الأول، قيام المشروع الصهيوني بتفكيك ذاته وأدواته (الفكر الصهيوني ومركباته وأدواته؛ الدولة الصهيونية ومواصفاتها؛ الوكالة الصهيونية ومؤسساتها؛ المؤتمر الصهيوني؛ العلاقة العضوية مع الغرب بمكوناتها كافة) ليتسنى بعدها إنشاء نظام جديد لمؤسسات وبنية جديدة تتناسب والعلاقة الجديدة بين الشعبين. أمّا الثاني، فتطبيق هذا الحل، لكن مع بقاء المشروع الصهيوني وأدواته. وهنا يبرز سؤال: هل هناك حاجة إلى مناقشة أن كليهما هو في عمق المستحيل، وإن كان احد المستحيلَين أقرب من غيره؟

مع هذا، وحتى بعد الإجابة عن أسئلة الأخلاق، والدين، والتاريخ، والحق، والخير، والكينونة الفلسطينية، فماذا يقول حل كهذا في الدلالات والمعاني التالية: (1) هزيمة ونهاية الرواية الفلسطينية والعربية، والخروج من سياقنا الزماني والدخول في سياقات زمنية سنبقى فيها الآخر من دون شك؛ (2) نهاية المشاريع الوطنية الفلسطينية كافة؛ (3) نهاية منظومة الروابط والعلاقات الفلسطينية وتمدد بقائها العربي، ونشوء منظومة روابط وعلاقات جديدة في فضاءات كانت تعاني وما زالت، الأمر الذي يعني: (أ) انتصار الرواية اليهودية والصهيونية؛ (ب) انتصار المشروع الصهيوني وضمانه لبقاء واستمرار الوجود اليهودي الفاعل والمؤثر في الجغرافيا الفلسطينية ومحيطها.

إن هذا الحل يبدأ من حيث انتهى المشروع الصهيوني: من عند آخر شهيد، وآخر أسير، وآخر جريح، وآخر بيت هُدم، وآخر مهجّر، وآخر شبر أرض تُرك، وآخر شجرة اقتُلعت، وآخر وآخر وآخر… ثم، ماذا؟ إذ بحكم تفاوت الإمكانات والقدرات الحالية، وأشياء كثيرة أُخرى، فإن بنية وهيكلية النظام الجديد (السيناريو الأول) ستكونان لمصلحة اليهود، وكل ما تحتاج إليه أنظمة التمييز العنصري، بينما سيكون السيناريو الثاني فرصة ثانية لخلق جميع علاقات التبعية والتخدير وعبودية الحداثة بين الفلسطينين واليهود. ولا أريد، هنا، أن أسأل الذين يذهبون بعيداً في ترفهم ولهوهم وهزيمتهم عن مئة عام وأكثر من التهويد والاضطهاد والسرقة والعدوان والتهجير والتطهير العرقي… عن مئة عام وأكثر من الأوجاع والآلام والعذاب والدماء والقهر، وإنما أسأل: كيف يمكن التعايش مع هذه المعايير والدلالات، وهل يمكن تجاوزها؟ أم لدينا سيناريو آخر بدلالات ومعانٍ أُخرى؟ إن الذي يريد دليلاً على وجوب وجود معيار وضابط للعقل البشري، من خارجه، أظنه سيجد في سلوك ومواقف وتحليلات عقول بعض الفلسطينين ما يمكنه به الاستدلال على ذلك وبقوة!

وجدي جودة: إن تعدد المبادرات والمشاريع دليل حرص ومسؤولية وتنوّع وغنى، لكن لا يسعني إلّا أن أعيد التأكيد أن وثيقة الأسرى لسنة 2006، والتي تحولت بعد التعديلات إلى وثيقة الوفاق الوطني، شكّلت وما زالت أول وثيقة مؤسسة لصوغ العلاقات الفلسطينية – الفلسطينية، وربما هي الإنجاز الفلسطيني الصرف من دون تدخلات وضغوطات عربية وإقليمية ودولية، وخصوصاً أن الذي صاغها هو عدد من الأسرى الموجودين في زنزاناتهم خلف قضبان حديدية، والذين لا تربطهم علاقات أو مصالح مع جهات خارجية، وإنما يعبّرون عن ضمير الشعب الفلسطيني الحي ومصالحه وتطلعاته، وهمهم الوحيد حرية الشعب الفلسطيني وانتزاع حقوقه السياسية بالحرية والاستقلال. وعليه، فإن هذه الوثيقة ما زالت صالحة وتشكل استراتيجيا متكاملة، وتدعو إلى المقاومة الرشيدة والفاعلة بمفهومها الشامل، وتشكّل مدخلاً لترتيب البيت الداخلي الفلسطيني على أساس الوحدة والشراكة الوطنية في القيادة والقرار الوطني بديلاً من الانقسام وعقلية المحاصصة والصراع على السلطة والتفرد والهيمنة.

أمّا شعار الدولة الديمقراطية الواحدة، فأعتقد أنه لا يتجاوز مستوى الطرح الشعاراتي الذي يفتقد الروافع الحقيقية التي تحمله إلى حيّز العمل السياسي العملي من خلال البرنامج النضالي الملموس، فالوقائع على الأرض تثبت أن إسرائيل ما زالت تحافظ على طبيعتها الصهيونية وأهدافها الاستعمارية الاستيطانية، وتنكر حق الشعب الفلسطيني في الوجود. ولذلك، فإن فكرة الدولة الديمقراطية الواحدة تبقى في إطار الشعار، ولم تنتقل إلى رحاب البرنامج، وتظل طرحاً نظرياً محضاً يضعنا في حالة انتظار عدمية.

لقد سمعنا، كلنا، رئيس حكومة العدو السابق نتنياهو، في كلمته أمام الكنيست، في 13 حزيران / يونيو 2021، عندما أكد أن التحديات التي تواجه إسرائيل في هذه المرحلة هي إقامة دولة فلسطينية، معتبراً أن إقامتها ستشكل أكبر تهديد وجودي لإسرائيل. كما سمعنا رئيس حكومة العدو الحالي المستوطن نفتالي بينت، وهو يدعو في برنامجه إلى ضم المناطق “ج” بشكل أحادي إلى السيادة الإسرائيلية بواقع 62٪ من مساحة الضفة الغربية، ويؤكد أن “محاولة إقامة دولة فلسطينية في بلدنا انتهت.”

إن الواقع اليوم يبعدنا عن إقامة دولة فلسطينية حتى في المدى المنظور؛ فهذا الواقع يدعو الفلسطينيين، الآن وفي المستقبل، إلى العودة إلى استراتيجيا التحرير الكامل بدلاً من تكتيك الدولة، وإلى استعادة أسس ومرتكزات وخطاب وبنية حركة التحرر الوطني الحقيقية، عبر العودة إلى ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية لسنة 1968 كمرجعية وحيدة لحركة التحرر الوطني، ومن خلال تعبئة وحشد قدرات شعبنا وتركيز نضاله على مشروع التحرير الكامل.

يجب أن ندرك أنه في الحالة الفلسطينية لا يمكن محاكاة نموذج جنوب أفريقيا، إذ علينا كفلسطينيين أن نميز بين الاستعمار الصهيوني، والاستعمار الأبيض في جنوب أفريقيا. فالأخير يرتكز على إقامة مجتمع مغلق للبيض منعزل عن المجتمع الأسود، وعلى قاعدة الاستغلال والتمييز العنصري ضد الأسود، بينما يقيم الاستعمار الصهيوني مجتمعاً يهودياً مغلقاً، ويسعى لقتل وتشريد وطرد الشعب الفلسطيني الأصلاني، ويهدف إلى إقامة دولة يهودية تقوم على استعباد وقتل الفلسطينيين، وجعلهم مثل “الهنود الحمر” في عالم اليوم، مع تحفّظي على هذا المصطلح.

أمّا ما حدث في نيسان / أبريل وأيار / مايو 2021، فيجسد أبرز الدروس والعبر عن هبّة القدس وسيفها: أولاً، أظهرت هبّة القدس وسيفها وحدة الشعب الفلسطيني وتلاحمه خلف شعار جامع، بالرد على العدوان بالحجر والنيران، والربط الخلّاق بين النضال الشعبي اللاعنفي والمقاومة المسلحة؛ ثانياً، أعادت الزخم الجماهيري إلى الفعل النضالي المشتبك في الشوارع مع الاحتلال؛ ثالثاً، أظهرت الدور اللامع للشعب الفلسطيني الأصلاني في الجليل والساحل والمثلث والنقب، وأبرزت تشديدهم على وحدة الانتماء والمصير المشترك؛ رابعاً، أثبتت أن الشعب الفلسطيني في الوطن المحتل وفي الشتات ما زال يختزن الحيوية والروح الوطنية والكفاحية والاستعداد للتضحية، لكن خلف شعار جامع؛ خامساً، لمّت شمل جغرافيات الشعب الفلسطيني ما بين وطن وشتات؛ سادساً، سلطت الضوء على الرغبة المدفونة لدى الشباب الفلسطيني في استعدادهم للنضال، وعلى ما يمثلونه من ثقل استثنائي في المجتمع؛ سابعاً، أكدت عجز القيادة التقليدية وعقمها وعدم رغبتها في التقاط هبّة القدس وسيفها كلحظة تاريخية يمكن البناء على منجزاتها نضالياً وكفاحياً، وكمدخل لاستعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، وها هي كعادتها، تتنكر وتتجاهل منجزات الهبّة؛ ثامناً، نجحت في إدخال الصراع الفلسطيني مع الاحتلال في مرحلة جديدة نوعياً ومعنوياً، وغيرت قواعد الصراع والمواجهة، وكانت أشبه بزلزال قلب الأوضاع ومنع التجول في المدن الصهيونية، وهزت نتنياهو وجيشه هزة عنيفة لم تهدأ حتى الآن؛ تاسعاً، وأخيراً، عززت موقع القضية الفلسطينية والحقوق السياسية للشعب الفلسطيني أمام العالم باعتبارها قضية شعب تحت الاحتلال، وأعادت تقديم إسرائيل كعدو استعماري استيطاني عنصري.

إذاً، المطلوب فلسطينياً اليوم هو البناء على ما أنجزته هبّة القدس وسيفها، واستثمار منجزاتها نضالياً وسياسياً ووحدوياً.

عبد الناصر عيسى: أعتقد أن إسرائيل كدولة استعمار استيطاني إحلالي لا تريد أي حل يمكن من خلاله إعادة، ولا حتى قليلاً، من الحقوق المسلوبة إلى شعبنا المظلوم، بل إنها، بقصر نظر وعنجهية وغطرسة القوي الغاشم، لا ترى أي حاجة إلى أن تفعل ذلك. فسياساتها التعسفية مدعومة، أو على الأقل، مسكوت عنها من طرف اللاعبين الكبار في المنطقة والعالم، والفلسطينيون لا يمتلكون أدوات الضغط الملائمة (المقاومة الكافية)، وإن امتلكوا فإنهم لا يحسنون إدارتها. وأحد أهم أسباب ذلك هو أزمة القيادة التي يعيشها شعبنا، والتي سبقت الإشارة إليها. وممّا يزيد الطين بلّة، مثلما يقولون، هو تزايد قوة وفاعلية اليمين الاستيطاني القائم على الإغراق في الأساطير اليهودية: كأرض إسرائيل، وشعب إسرائيل، وذلك على حساب قوى تزعم أنها تدعو إلى الديمقراطية، وإلى تقاسم البلد بين العرب واليهود. وبالتالي، فإن ما يحدث على الأرض، وبعيداً عن المبادرات، قاد ويقود إلى دولة أبارتهايد يهودية، ولذا، فإن أي مقدمة لأي حل هي ضرورة تطوير وتعزيز النضال والمقاومة بجميع أشكالهما، من أجل إضعاف هذه المستعمرة المتغولة وإجبارها على القبول أو التعامل مع الحلول المطروحة.

من الملائم هنا الإشارة إلى أن المقاومة الشعبية تصلح لأن تكون مقدمة ضرورية لأي من هذه الحلول والمبادرات، لكن لا يمكن تفعيل هذا النوع المهم من المقاومة من دون وحدة وطنية على الأرض بين قوى وفصائل شعبنا كافة. ولا بد من التذكير أيضاً، بأن الشعب الفلسطيني، بجميع قواه، يؤمن بأن فلسطين التاريخية من بحرها إلى نهرها هي وطن لجميع الفلسطينيين أينما يوجَدوا، وهو يمر الآن بمرحلة التحرر الوطني من الاحتلال الصهيوني الذي يشمل بلدنا كله، أي أن جميع عناصر الوحدة الرئيسية تجتمع في قضية شعبنا، وبناء عليه، فإن الحديث عن مبادرات وحلول مختلفة للقضية يجب ألّا يمس بهذه المعاني.

بناء على ما سبق، أعتقد أن “وثيقة الأسرى”، أو التي سُميت “وثيقة الوفاق الوطني” بعد أن أُجريت عليها تعديلات طفيفة، هي الصيغة الوطنية الواقية لمواجهة الاحتلال وتحقيق بعض حقوق الشعب الفلسطيني في الدولة والتحرر والعودة. فهي تمثل برنامجاً مرحلياً لا يغلق الباب أمام الخيارات والمبادرات المتنوعة، إذ لأول مرة توافق “حماس”، بشكل رسمي، ومن خلال الموافقة على الوثيقة، على إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على كامل أراضي 67، مع تأكيد عدم التنازل عن حقنا التاريخي، وعدم الاعتراف بشرعية الكيان الغاصب.

صحيح أن السياسة الإسرائيلية على الأرض كادت تقضي على هذا الحل، إلّا إن المقاومة الراشدة، وفق ما جرى تأكيده في “وثيقة الأسرى”، والذي يقضي بتشكيل جبهة مقاومة موحدة لقيادة وخوض المعركة ضد الاحتلال، يمكنها أن تفرض وقائع جديدة تجبر العدو على التراجع عن سياساته، بل على تفكيك بعض مستعمراته. وفي المقابل، فإن تحقيق حل الدولة الديمقراطية الواحدة، وفي ظل موازين القوى الحالية، هو أصعب كثيراً، لأنه يعني نهاية دولة الاحتلال والقضاء على يهوديتها لمصلحة الديمقراطية، كما أن المسألة لا تتعلق بقيم “العدالة” و”الحقوق” فحسب، بل بالإمكان الواقعي أيضاً لهذا الحل أو تلك المبادرة.

وبالنسبة إلى مبادرة “مؤتمر المسار الفلسطيني البديل – نحو عقد ثوري جديد، مدريد – إسبانيا، [تشرين الأول/] أكتوبر 2021″، والتي تعود بالمسار السياسي الفلسطيني إلى ما قبل حل الدولة في سنة 1968، أي خيار الدولة الواحدة من خلال المقاومة الثورية المسلحة، لكن من دون تبنّي النموذج الجزائري في طرد المحتل المستعمر، وإنما بالقضاء على دولته من خلال وسائل المقاومة كلها بما فيها العنيفة، فإنها قد تكون أقرب إلى فكر المقاومة ونهجها مثلما تراها “حماس”، وأعتقد أن دعم مثل هذه المبادرات يعزز نضال شعبنا ضد الاحتلال وأعوانه.

المحور الرابع

أولويات العمل فلسطينياً وعربياً وإقليمياً وعالمياً

 على الرغم من تباين البرامج السياسية المطروحة في المبادرات السابقة، هل ترون إمكان انبثاق مشروع خلاص وطني مبني على منطلقاتها السياسية والثقافية والأخلاقية المشتركة؟ وكيف لهذا المشروع أن يستعيد المعنيَين السياسي والثقافي لفلسطين، الواحدة والموحدة، كقضية تحرر وطني ضد مشروع استعمار استيطاني، لا بد من مركزتها حول الحقوق السياسية لا حول الواقعية السياسية؟

عبد الناصر عيسى: أعتقد أن واجب المرحلة هو إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني الكارثية، وتفعيل وتطبيق ما جاء في الاتفاقات الوطنية السابقة في هذا الصدد، وتحديداً “وثيقة الأسرى” التي أكدت “تطوير وتفعيل” منظمة التحرير الفلسطينية، وانضمام جميع القوى والفصائل الفلسطينية إليها وفق أسس ديمقراطية. وعليه، فإن التهرب من هذه الاستحقاقات هو جريمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

باسم خندقجي: إن أولويات العمل في هذه المرحلة يجب أن تتمحور في الدرجة الأولى، مثلما قلت سابقاً، على الداخل الفلسطيني التاريخي، أي العمل على تأسيس المفهومية الفلسطينية الجامعة. فهذه المفهومية تستطيع أن تشكّل سلطة مرجعية تحكم سير إرادتنا الجماعية، من خلال إدراك وتفكيك الأماكن والأزمان المغايرة التي أفرزتها [النكبة] الكولونيالية والنظام الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، وذلك عبر مقاومة شاملة واعية ونقدية ومتعددة وإلكترونية ونسوية وشبابية وتقدمية قادرة على توفير مكان للجميع بما يكفل التفكيك النهائي للشيفرة الكولونيالية.

مروان البرغوثي: إن شعبنا الفلسطيني المقاوم بما قدم وما زال يقدم، بات بحاجة إلى وجود جسم / كيان / إطار يجسد وحدته ويحمل ترجمة فعلية لشعارنا: “وطن واحد وشعب واحد وقضية واحدة وهوية واحدة وذاكرة واحدة ومستقبل واحد”.

نحتاج إلى جسم / كيان / إطار، يحافظ على الهوية الوطنية الفلسطينية، ويرسي قواعد وأسس الرواية الوطنية الفلسطينية المتماسكة والمحافظة على الذاكرة الجماعية القادرة على الانتقال إلى أجيال المستقبل، والذاكرة المؤسسة على النكبة وكارثة التطهير العرقي، ويرسخ خطاب الحق الفلسطيني كمكون لها، ويتمسك بفلسطين بين البحر والنهر وطناً كحق طبيعي ووطني وإنساني وتاريخي وأخلاقي للشعب العربي الفلسطيني ولا بديل منه.

لقد بات هناك حاجة ماسة وملحّة إلى تأسيس بناء جامع للشعب الفلسطيني ليس على صعيد التمثيل السياسي فيه، فالتمثيل يتجسد في إطار منظمة التحرير الفلسطينية في طبيعتها التمثيلية الديمقراطية الجديدة، وإنما الفكرة المقترحة هي تأسيس المؤتمر الفلسطيني العالمي الذي يتم تمثيله في إطار فلسطيني في جميع تجمعات فلسطين 48، والقدس، والضفة الغربية، وقطاع غزة، ومخيمات الشتات، والأسرى في السجون الصهيونية، والتجمعات الفلسطينية في أنحاء العالم، بألوان الطيف السياسي والاجتماعي والاقتصادي كله، علاوة على الشباب والنساء ورجال الأعمال والمثقفين والأكاديميين والإعلاميين، وسائر الفصائل والأحزاب من دون استثناء.

أي أن ثمة حاجة ماسة إلى جسم وطني شامل يمنح التجمعات كلها الفرصة في المشاركة والحوار واتخاذ القرار وتحديد الهدف، والأساس هو توليد جسم يمثل جميع الفلسطينين في العالم، وبشكل يحافظ على وحدة الشعب والذاكرة والهوية، ويكون حاضنة للحركة الوطنية الفلسطينية برمّتها، ويدعم ويساند تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية بصورتها الديمقراطية الجديدة والممثلة للجميع، ويعزز الوحدة الوطنية كمبدأ أساس، ويقف إلى جانب الخيار الديمقراطي ومبدأ “المقاومة الشاملة” في مواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني، ويؤكد قدسية حق العودة، ويُنتج شبكة تواصل وتنسيق ديمقراطي لمختلف الشرائح والتجمعات، ويشكل محطة للتفاعل والحوار بين جميع الاتجاهات والأجيال والأفكار والآراء. أمّا الآليات فيمكن التوافق عليها، إذ يمكن أن يُعقد المؤتمر كل عامَين مثلاً، بحيث يشارك في عضويته ما لا يقل عن 200 فلسطيني من جميع التجمعات، وهو ليس بديلاً من أحد، وليس ممثلاً سياسياً للشعب الفلسطيني، وإنما هو إطار وطني يجسد وحدة الهوية والقضية، وتشارك فيه جميع القوى والأحزاب والتوجهات، وهو جسم يصون وحدة الشعب والقضية والتمثيل ووحدة الوطن والحاضنة للحركة الوطنية برمّتها، ويتيح الفرصة لجميع التجمعات بالمشاركة من دون تعريض أي منهم لأي مخاطر، لأن رسالته وحدة الشعب والقضية والذاكرة الفلسطينية.

وليد دَقّة: لا أعتقد أن حلاً للخروج من الأزمة التي أطاحت بالقضية الفلسطينية منذ أوسلو، سيتوفر داخل الفصائل الفلسطينية القائمة، فهي أسيرة تاريخها ومواقفها، وقد أصبحت معوّقاً ومعرقلاً وجزءاً أساسياً من الأزمة. وبالتالي، فإن الحل سيأتي من خارجها عبر ممارسات الضغط عليها، ومن خلال عدة مبادرات بدأت تتبلور على يد مثقفين وأكاديميين وناشطين سياسيين فلسطينيين في فلسطين والشتات. وما الحراك الأخير الذي صُقلت تجارب كاملة فيه، بعيداً عن أذرع السلطة وتأثيرها في غزة ورام الله، إلّا أحد تعبيراتها، فإرهاصات هذا الحراك الذي بدأ قبل الهبّة الأخيرة رُفدت على نحو غير مسبوق بالدعم الإعلامي والسياسي من حراكات انطلقت من أوروبا وأميركا وحيفا والقدس ومن دول الشتات. وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا يمكن لأي حلول لبلورة إطار فلسطيني جديد أن تتجاوز الوقائع الفلسطينية الناشئة على الأرض كمؤسسات السلطة في الضفة وسلاح المقاومة في قطاع غزة، فهذه بالتالي إنجازات الشعب الفلسطيني، بينما تستطيع هذه المبادرات والأطر الجديدة أن تفرض على الجميع برنامجها ورؤيتها، لا بالتنظير فحسب، بل بالتأثير في الشارع أيضاً، مثلما فعلت خلال الهبّة الأخيرة، بمعنى أن الفعل على الأرض وكسب ثقة الجماهير هو أداة تأثيرها وإقناعها. وهذا الحراك، يحتاج، بالتالي، إلى تأطير حركي، فوق فصائلي، ومرن، يتيح للجميع المشاركة بما يتلاءم والواقع السياسي والقانوني للمشاركين. وأعتقد أن منصات التواصل وأطر التنسيق القائمة، التي امتُحنت في الهبّة الأخيرة، كافية للبدء بالتأطير وتطويره ومراكمة مزيد من التجربة من خلال محكات عملية قادمة تحت شعار الحرية والعدالة لفلسطين، ومن أجل نضال مشترك ضد السياسات العنصرية التي تمارسها الصهيونية، وضد نظام الأبارتهايد.

ثابت مرداوي: إن تحديد أولويات العمل يمر حكماً من بوابة ماذا نريد، الأمر الذي يستدعي رفض الحكاية [مثلما هي] والرجوع إلى أصل الصراع المتجسد في قيام حركة استيطانية إحلالية (يهودية الجوهر والإعداد والمنشأ والأدوات والدعم) لمواجة الشعب الفلسطيني واحتلال أرضه ووجوده وجغرافيته من خلال إنشاء أحياء استيطانية في هذه الجغرافيا تتزايد بالتوالد والهجرات. وعليه، فإن الإجابة عن سؤال ماذا نريد، هي أكثر من شرط وجوبي لتحديد الأولويات: فهل نريد دولة وتمثيلاً؟ أم نريد التحرر وهزيمة المشروع والحركة الصهيونيين؟

وهنا، فإننا مهما نحتكم إلى شيء، أكان الحقّ أم التاريخ [….] أم الواقع [….] أم غير ذلك، فإن النتيجة واحدة، إذ ليس أمامنا سوى خيار التحرر وهزيمة الصهيوني وإنهاء وجوده من وعلى الجغرافيا الفلسطينية. ومن أجل هذا الخيار / الغاية، لا بد من تحديد الأولويات والأدوات، لكن أولى عقبات مناقشة هذا الأمر، هي بقاء الدولة ومخرجاتها وهيمنتها على أجزاء من المشهد، وما تخلقه تفاعلاتها ومؤشراتها من أجواء وتناقضات تعوق [….] إمكان أي عمل فلسطيني، ذلك بأن أي فعل فلسطيني، والحالة هذه، يخضع لقانون توازن القوى. وهذا الأمر يعني استمرار متلازمة العجز لهذا الفعل، فإمّا أن يكون عاجزاً في المحصلة كفعل مقاومة، وإمّا أن يكون عاجزاً [….] كفعل تسوية. وهذه معضلة تحاصر الزمان والعقل الفلسطينيين.

نعم، هناك أولويات كثيرة تفرض تحدياتها علينا، لكن لو أخذنا أياً منها، فكيف سيتم مناقشتها أو الاتفاق عليها أو إخراجها من دوائر التنظير والتخطيط إلى دائرة العمل؟ ففي المعنى النظري العام، لو أخذنا، مثلاً، المشروع الوطني الفلسطيني كأولوية قصوى، على اعتبار أنه لا يوجد لدينا مشروع وطني، فإن رفع البعض الصوت عالياً للحفاظ على مشروع وطني، لا يعني وجود هذا المشروع [….]. المشروع الوطني الفلسطيني بدأ يتآكل في سنة 1974، ومات في أوسلو، وشُيّع في القاهرة، ودُفن في مكان بين رام الله وتل أبيب. لكن، حتى هذا المشروع [….]، هناك علامة سؤال كبيرة عليه، من ناحية إمكان بنائه، واستمراره في ظل نهج التسوية وبقاء هذا النهج. وعلامة السؤال هذه لا تقتصر على المشروع الوطني، بل تطال أيضاً رأس كل أولوية يمكن أن نتحدث بشأنها داخلياً أو عربياً أو دولياً.

لذا، أعتقد أن كل فعل فلسطيني سيصل إلى لا شيء، وكل تحرك فلسطيني سيبقى دائرياً، ما لم يتم التخلص من نهج التسوية، لكن، في المقابل، فإن ذلك لا يعني أن نظل منتظرين زوال هذا الخيار من تلقاء ذاته. كما أنه ليس مطلوباً نشوء صراعات داخلية، وإنما المطلوب تجاوز خيار التسوية وفرض الفعل عليه. فالمواجهة الأخيرة، “عملية سيف القدس”، كان من الممكن أن تقدّم نموذجاً عملياً لتجاوز الأمر لو أنها امتلكت رؤيا مسبقة إلى كيفية الانتقال بضع خطوات إلى الأمام، وكيفية تعويض هذا الجزء، وحمله إلى مديات ومساحات أطول وأوسع. غير أنها بجميع مكوناتها، جعلتنا نفكر في وجوب الحصول على الإجابة عن أسئلتنا كلها: سؤال الخيار؛ سؤال الفعل؛ سؤال [….] الهوية الفلسطينية؛ سؤال حشد طاقات الفلسطينيين وتعبئتها؛ سؤال الأولويات [….] عربياً ودولياً؛ وغيرها. “سيف القدس” هي المنتَج الذي يتعين على جميع المبادرات الثورية الفلسطينية التمحور حوله، والانطلاق منه، والسعي له.

وجدي جودة: فلسطينياً، المطلوب هو العودة إلى الأساسيات قبل الأولويات:

أولاً، المطلوب تعريف وإعادة تعريف المرحلة الراهنة على أنها مرحلة تحرر وطني، وأن إسرائيل هي عدو استعماري استيطاني، وأن أميركا هي عدو الشعوب.

ثانياً، تعريف وإعادة تعريف وفهم عدد من المفاهيم: الصراع؛ التناقض؛ التعارض؛ الوحدة؛ النقد؛ القيادة الجماعية؛ البرنامج الوطني؛ الشراكة الوطنية؛ الانقسام؛ الدولة؛ التحرير الكامل.

ثالثاً، تجديد الخطاب والبنية القيادية، وضخّ دماء وعقول شابة أفرزتها النضالات في هياكل وقيادة منظمة التحرير والفصائل والأطر والاتحادات النقابية والشعبية والجماهيرية.

رابعاً، لمّ شمل جغرافيات فلسطين التاريخية والشتات في برنامج وطني، وتفعيل المؤسسات التنفيذية والتقريرية في منظمة التحرير الفلسطينية استجابة للمصلحة الجمعية للشعب الفلسطيني.

خامساً، إنضاج العامل الذاتي من خلال: استئناف الحوار الوطني الشامل؛ إجراء انتخابات شاملة (المجلس التشريعي، والرئاسة، والمجلس الوطني)؛ استعادة الوحدة الوطنية؛ إنجاز الإصلاح الديمقراطي في المنظمة والسلطة؛ صون الحريات؛ وقف الصراع على السلطة والحكم تحت الاحتلال؛ إعادة صوغ دور ووظيفة السلطة كسلطة وطنية؛ تمتُّع القضاء بالاستقلالية والنزاهة ومساءلة المسؤولين عن الفساد في البلد.

سادساً، التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية سياسية ووطنية تمثيلية، ووقف تطاول السلطة على دورها، وإجراء إصلاح ديمقراطي حقيقي في مؤسسات المنظمة.

سابعاً، التوافق على استراتيجيا تقوم على برنامج سياسي مقاوم، وتسعى لجعل الاحتلال مكلفاً، وتجمع بين أشكال النضال وأدواته، بما فيها الدعم المباشر والعلني لحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، والتحرر من أوهام المفاوضات، ووقف التنسيق الأمني. وعلى هذا البرنامج أن يركز النضال الجماعي للشعب الفلسطيني من خلال تعبئة وحشد طاقات الشعب الفلسطيني في الوطن المحتل والشتات.

أمّا عربياً، فإن إنجاز ما تقدّم فلسطينياً سيؤدي دوراً رئيسياً في عودة حقوق الشعب الفلسطيني السياسية كأولوية على جدول أعمال الدول العربية، وسيجبر هذه الأخيرة على تحمّل مسؤولياتها وواجباتها تجاه الشعب الفلسطيني وحقوقه. فبقدر ما يتمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه وأهدافه، والأهم تمسّك قيادته بتسهيل وسائل المقاومة وأشكالها، بقدر ما يؤثر ذلك في الأنظمة العربية. ومن الجدير ذكره هنا، أن المطلوب عربياً اليوم هو رفع درجة الحذر واليقظة من دول عربية قد تكون مرشحة ومتحمسة لركوب قطار التطبيع مع إسرائيل، فضلاً عن ضرورة انتشال الدول التي سقطت أخلاقياً وسياسياً ووطنياً وعروبياً في مستنقع التطبيع مع إسرائيل (الإمارات، والبحرين، والسودان، والمغرب)، كما أن رهاننا سيظل على الشعوب والقوى والأحزاب والأطر والاتحادات النقابية والنسوية والشعبية والجماهيرية، لأن فلسطين وشعبها وحقوقها ما زالوا حاضرين في عقول الشعوب ووجدانها، وهو ما ظهر من خلال دعم الشعوب العربية وإسنادها وتأييدها لهبّة القدس وسيفها.

وفي المديَين الإقليمي والدولي، فإنه لا بد من قيادة فلسطينية وطنية صلبة ومتماسكة وموحدة تقود وتنظم نضال الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كلها، وتستنهض الحالة العربية، الأمر الذي يضغط على المجتمع الدولي ويحمله على التعامل مع الشعب الفلسطيني كشعب تحت الاحتلال، ومع إسرائيل كاحتلال استعماري استيطاني عنصري. وعلينا، فلسطينياً وعربياً، تكثيف وإقامة علاقات استراتيجية مع روسيا والصين مثلاً، وألّا تقتصر علاقتنا على أوروبا وأميركا، فالعالم من حولنا يتغير وموازين القوى تتغير. وختاماً، النصر لفلسطين.

عن مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 128/ 2021

Author: أجرى المقابلة: عبد الرحيم الشيخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *