نحو ولادة مشروع وطني فلسطيني معافى

لو أن الجمعية العامة للأمم المتّحدة مدعومة من محافل دولية وتحالفات إقليميّة قرّرت غدًا الاعتراف بفلسطين دولة كاملة العضوية والسيادة ـ ماذا كان سيحصل على الأرض؟ هذا ليس سؤالًا نظريًّا أو استشرافيًا، بل سؤال يُسأل في ضوء ما آلت إليه فلسطين، مكانًا/وطنًا وشعبًا وقضيّة عادلة.

سؤال يُلحّ بعد حرب الإبادة ومفاعيلها المستمرّة. هو سؤال حاضر بقوّة في ضوء انتقال إسرائيل إلى تنفيذ الإبادة بعد أن أحدثت نكبة فلسطين من خلال التطهير العرقي. هو سؤال عن حال الفلسطينيين الآن في ضوء تدحرج الوهن الفلسطيني ككرة ثلج منذ انتكاسة أوسلو ـ أو ربّما منذ اتفاقية أوسلو ـ وصولًا إلى غزة. وهي ليست استثناء أو مكان بل هي في عُرفنا الاسم الجديد لفلسطين بعد الإبادة.

بدأنا بسيناريو القرار الدوليّ القاضي بإقامة فلسطين لنقول إننا لن نجد أحدًا على الأرض الفلسطينيّة يُمكن أن يكون شريكًا في تنفيذ القرار أو حمله إلى منتهاه. وأقصد ليس هناك إرادة جامعة فلسطينيّة (مركز فلسطيني) يُمكنها أن تشمّر عن سواعدها وتضع القرار موضوع التنفيذ. فلا السلطة قادرة على ذلك بسبب التحوّل في دورها من ممثلة الفلسطينيين إلى مقاول للمنظومة الكولونياليّة الإسرائيليّة، ولا في الموجود من قوى ونُخب قادرة على الفعل السياسيّ بهذا الحجم. وقد خبرنا بالتجربة إن شعبًا يعدم الإرادة السياسية الجامعة والمشروع الوطني يتحوّل إلى مجرّد فولكلور ورموز هشّة يستعيض بها الناس عن غياب الأفق والوكيل الفاعل. كثيرة هي الأسباب التي أفضت بنا إلى هنا، ومنها ما هو من صنع فلسطينيّ بامتياز ومنها ما من صنع منظومة الاستعمار الإسرائيلية وسياسات دولية وإقليمية معادية لفلسطين.

بشكل معاكس لمشاريع إسرائيل من حرب الإبادة على غزة وعموم فلسطين وغايتها تغييب الشعب والحيّز والقضيّة (التركيز واضح في الحرب على اللاجئين في كل مكان)، فقد كُتب للهوية الفلسطينيّة حياة جديدة أو طور جديد في مسيرتها. إن الإبادة عززت من حضورها ووحّدت الفلسطينيين حولها من جديد. ليس هذا فحسب، بل ألّفت أوساط في العالم دولًا وشعوبًا وقوى سياسيّة بما يُشبه أطواق تدعيم لها. هذا فيما كان المركز الفلسطيني في اضمحلال وتلاشٍ وأفول كجزء من أفول مشروعه الذي اعتمده منذ قام ـ انطلاقة فتح وإقامة منظّمة التحرير أواسط الستينيات ـ وهو مشروع الدولتين وتقاسم الأرض. صحيح أن هناك قوى لا تزال تسعى إلى نفخ الروح في هذا الخيار الآتي من قرار التقسيم 1947، إلّا أن هذا الخيار يبدو أنه صار في حكم المنتهي وغير القابل للحياة. وكل النُخب الفلسطينيّة وتنظيماتها ومؤسساتها التي قامت على أساس هذه الفرضية لنهاية الصراع تبدو اليوم خارج التاريخ وغير قادرة على الإحاطة بالمتغيّرات وصياغة مشروع وطني جديد يُحقّق للفلسطيني ما يصبو إليه من تقرير مصير وعودة اللاجئين في أقلّ تقدير.

النُخب في أي مجتمع ستتلهّى ببعضها إذ لم يكن لديها مشروع متكامل لجماعة الانتماء. وإذا سألنا ما هو المشروع الوطني الفلسطيني الآن ـ بعد انتكاسة أولو وصولًا إلى غزّة ـ لن يستطيع أحد من النخب والقيادات أن يُعطيك إجابة مُقنعة. بمعنى أنه ليس هناك أي مشروع يجتمع الفلسطينيون حوله. هناك اجتهادات وطروحات أعقبت انتهاء مشروع الدولتيْن. بل هناك نقاشات جدّية حول أفق فلسطين لكن لا أحد حتى الآن أخذ هذا أو ذاك من مشاريع ليحوّلها إلى مشروع وطني جديد يحظى بإجماع ويمتلك إرادة سياسيّة. من هنا قد نرتاح أحيانًا إلى طرح من هذه الشخصيّة أو ورقة من هذه المجموعة لكننا سندرج مثل هذه الأمور ضمن إرهاصات وبدايات وطروحات بغير بصمة أو كلمة فصل. وهذا ما يقودنا إلى الاعتقاد بأن هناك أمرين ينبغي أن يحصلا في الساحة الفلسطينيّة. الأوّل ـ تطوير مشروع وطني يستبدل ما أخفق، والثاني ـ تطوير إرادة سياسيّة جامعة. أمران لن يحصلا بدون الخروج من إسار الماضي الفلسطيني. وهو ماضي إشكالي في كثير من المستويات.

هناك حاجة إلى العزوف كلّيًا عن المراهنة على ضحويّتنا وعلى فرضية انتصار الحقّ بالضرورة. هناك حاجة ماسّة إلى قراءة جديدة للوضع تنطلق من حرب الإبادة الأخيرة كصفة الصهيونية الجوهريّة ومدّ هذه القراءة إلى الوراء (أقول هذا ومن عادة السياسة أن تقرأ بإملاء من توازن القوى ومصطلحاته). وهناك حاجة إلى إحالة فتح وإرثها إلى التقاعد والكفّ عن التقديس والتأليه. كل الوسائل التي تشبه “فتح” لم تعد تعمل وكانت أخفقت في سنوات الوساع! كما أن هناك حاجة إلى التأمّل في الإبادة رغم أننا كفلسطينيين لم نبرح إلى الآن منطقة النكبة وأثرها. فالتاريخ لا ينتظر والوقت، أيضا. من هنا أهميّة قراءة أحداث فلسطين قراءة متّصلة دون تقطيع الأوصال والجغرافيا أو الزمن أو الموضوع أو الحقّ.

صحيح أن هناك أحداثًا مصمّمة لكن علينا قراءة فلسطين من أوّلها إلى آخرها كحدث واحد كي نفهمه فهمًا جديدًا ونكتب فيه نصًا جديدا ونؤسس لمشروع وطنيّ جديد. واقتراحنا هنا أن نفترض أن فلسطين هي من البحر للنهر وأن الحل هو المشروع هو لكل شعب فلسطين دون استثناء وأن لا خط أخضر بعد الآن ولا جيتو غزّة ولا داخل ولا خارج. هذا يعني أن نقرأ الجانب الإسرائيلي قراءة كهذه متّصلة فلا يسار ولا يمين ولا مستوطنين ولا مواطنين. لنبدأ كل شيء من جديد ـ هذه النقطة التي يولد منها مشروع سياسي فلسطيني معافى.

عن عرب 48

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *