نحو بناء ثقافة سياسية جديدة في الساحة الفلسطينية

ثمة أهمية كبيرة للنقاش الذي بادرت إليه “الآداب” نظرا لجرأته على اقتحام “التابوات” السياسية السائدة وتناوله مستقبل الفلسطينيين في حاضر محاصر بمخططات “الابارثايد” و”الترانسفير” والخطط العسكرية “المتدحرجة”، التي تحيكها إسرائيل والدوائر الأميركية ضدهم، مستعيدة، في ذلك، شعارا طموحا ونبيلا (الدولة الديمقراطية العلمانية) في زمن تكاد فيه تنكسر الآمال وتنغلق دوائر الحوار.
وأهمية هذا النقاش تكمن في أنه يدعو إلى الاشتغال في حقل التفكير السياسي، بمعناه الاستراتيجي والمستقبلي، بما هو تفحّص للبديهيات وتفكيك للاشكاليات وانتقال من حديث الشعارات إلى صوغ الاستراتيجيات ومن حيّز الرغبات إلى صنع السياسات.
والحقيقة المؤسفة أن الفلسطينيين لم يشتغلوا بالقدر المناسب على تطوير فكرهم السياسي، برغم حيوية قضيتهم وأبعادها ومداخلاتها القومية والدولية، ورغم كثرة فصائلهم و”قياداتهم” ومنشوراتهم، وذلك بسبب تخلّف الثقافة السياسية في المجتمعات العربية وغياب تقاليد الحوار وتقبّل الرأي الآخر، وبسبب ضعف المنابر والإطارات التي تمكّن من تبادل الآراء وتفاعل الأفكار.
والساحة الفلسطينية، مثل الساحة العربية، تتعامل بالخطابات التحريضية والعاطفية، على طريقة الوصفات الطبية والمواعظ الأخلاقية والفتاوى الأيدلوجية، أكثر بكثير من تعاملها مع موازين القوى والتفاعلات والمتغيرات السياسية، الدولية والإقليمية، ما يفسّر ضعف الحراك السياسي، في هذه الساحة، وجمود أطرها وأفكارها ووسائل عملها عند النقطة التي انطلقت منها في الستينيات، برغم كل ما مرت به من منعطفات وتطورات وإنجازات وانكسارات!
ومن دون الإجحاف بحق المثقفين الذين ساهموا بنقد الفكر السياسي الفلسطيني وإغنائه، فثمة ملاحظة تتعلق بإحجام معظم المثقفين عن المساهمة في تطوير هذا الفكر، لصالح اشتغال بعضهم في الحقل الدعاوي: السياسي أو الأدبي، واكتفاء البعض الآخر بنقد الأحوال الداخلية بنزعة تطهّرية ومن دون إنتاج أفكار سياسية جديدة، أي أنهم في الحالين لم يكونوا ذوات ثقافية فاعلة.
ويمكن تفسير ذلك بعدة أسباب منها: أولا، غياب مثل هذا الحقل المعرفي الهام؛ وثانيا، ضعف تقاليد الحوار والتفكير النقدي؛ ثالثا، سيادة التفكير الذي لا يشجّع على الاجتهاد والذي يميل إلى التصنيفات المسبقة والثنائيات المطلقة مثل: وطني أو خائن، مناضل أو مفرّط؛ رابعا، الحذر من مغبّة تقديم أفكار غير تقليدية بسبب عدم نضج المجتمع الفلسطيني لذلك، كونه لا يملك “ترف” مناقشة المستقبل في حاضر بائس محيط به، ولأن مثل هذه الأفكار ربما تبدو تفريط بالحق والوطن؛ خامسا، غياب التواصل والتفاعل والمشاركة بين الشعب والطبقة السياسية (سلطة ومعارضة)، ما يحول دون تنمية ثقافة سياسية مجتمعية.
جدل الخيارات وانسداد أفق العملية السياسية
كان ثمة ضرورة لهذا المدخل كي أبيّن أهمية المداخلات التي قدمتها “الآداب”، في عددها السابق، في معرض دعوتها لإعادة الاعتبار لشعار “الدولة الديمقراطية العلمانية”، والتي ركّزت على أطروحات: دولتين لشعبين، دولة ثنائية القومية، دولة ديمقراطية علمانية، باستثناء مداخلة باروت التي طرحت تصورا مختلفا يتمثل بدولة فيدرالية في فلسطين التاريخية، وهو تصور قريب من طرح المرحوم خالد الحسن (القيادي البارز في فتح) والقائم على تبني نموذج “الاتحاد السويسري”. ومعنى ذلك، أيضا، أن التصورات المذكورة، ماعدا مداخلة باروت، تركزت على المشهد الفلسطيني أو الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وبالتالي، فقد غاب عنها سيناريو يتأسس على مستقبل فلسطيني ـ عربي، أو فلسطيني ـ إسرائيلي ـ عربي، وهو سيناريو غير مستبعد، سواء بسبب البعد العربي للقضية الفلسطينية أو بسبب المشاريع “الشرق أوسطية” ومسارات العولمة.
من ناحية أخرى فقد احتل حق العودة للاجئين مكانة متميزة في مختلف السيناريوهات المطروحة، ولكن مداخلة أبو ستة تميّزت بجعلها تطبيق هذا الحق بمثابة مرجعية أساسية للمستقبل، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، وعلى ضوء المعطيات غير المواتية في هذه المرحلة، هو: ما هي المعادلة التي لا تجعل من حق العودة حالة اعتراضية على الحق في إقامة الدولة الفلسطينية، على افتراض تشكل الظروف التي تسمح بذلك؟ إذ ما من شكّ في أن جهود أبو ستة تثير كل الإعجاب والتقدير ولكنها مع علميتها ومنطقيتها بحاجة إلى تفاعلات سياسية تحولها من قوة في المنطق والحق إلى قوة بالفعل، وواقع الحال أنه برغم عدالة العودة وشرعيتها، إلا أنها مازالت مستحيلة، من وجهة نظر التفاعلات السياسية والفاعلين السياسيين، والحال فإنه ليس من المفترض التنازل عن هذا الحق(بالمعنى الدارج) وإنما إيجاد المعادلات التي تؤدي إليه عبر توسيع مضامينه وتحميله مفاهيم جديدة تتناسب مع التطورات السياسية والمجتمعية والثقافية لدى الطرفين: الإسرائيلي والفلسطيني، وذلك بتبني الدولة الثنائية أو الديمقراطية العلمانية، طالما أنه من المتعذر تطبيقه وفق موازين القوى الراهن.
ولعل تجربة الخمسين سنة الماضية بينت بأن الشعب الفلسطيني هو الذي يخسر من أرضه ومن مستقبله، وأنه، في ظل المعطيات العربية والدولية السائدة، لا يوجد ما يفيد بإمكان تغيّر هذا الواقع في المدى المنظور، لذلك فإن الطرف الفلسطيني معني أكثر من غيره ببلورة التصورات التي يمكن أن توقف هذا التدهور في أوضاعه لصالح مسار آخر قد يفتح الأفق المسدود أمامه.
في هذا الإطار قد يبدو أن الطرح المتعلق بالدولة الديمقراطية العلمانية، كما أكدت مداخلات باروت ودراج والكرمي والشريف ومخول، هو الطرح الأكثر عدالة وثباتا وأكثرها تمثّلا لمختلف جوانب الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، إضافة إلى أنه الأكثر حضارية وإنسانية، خصوصا وأنه يتضمن تحرر اليهود من الفكرة الصهيونية، بطابعها العنصري والغيبي والعدواني، ولكنه يبدو الأكثر طوباوية على ما أكد المؤيدون لهذا الحل، خصوصا في هذه الظروف المأساوية والتي يحارب فيه كل من الطرفين الآخر بهدي من النوازع القومية والوجودية.
أما الحل المتعلق بالدولة الثنائية فهو، كما يؤكد الشريف وباروت (وأيضا: عزمي بشارة وأسعد غانم وكمال الخالدي ونديم روحانا) فيمكن اعتباره بمثابة المرحة الوسيطة بين الدولة الفلسطينية والدولة الديمقراطية العلمانية، كونه يجمع إيجابيات هذين الحلين ويجاوب على طموحات الطرفين القومية، ولكن هذا الطرح يحتاج إلى المزيد من الاشتغال عليه بترويجه كثقافة سياسية بمختلف أبعاده وصولا لاعتباره مرحلة على طريق الدولة الديمقراطية العلمانية.
ومع ذلك فإن فكرة “دولتين لشعبين”، برغم الاجحافات الكامنة فيها، تبدو الطرح الأقرب منالا، في هذه المرحلة، لاستجابتها لمتطلبات وتوازنات هذه المرحلة من الصراع مع إسرائيل، برغم الممانعة الإسرائيلية الظاهرة، لاسيما أن هذا الحل بات يكتسب شرعية دولية وعربية وحتى إسرائيلية. وبالطبع فإن هذا الحل ليس نهاية المطاف بالنسبة لمختلف جوانب الصراع العربي – الإسرائيلي، إذ أن قيام دولة فلسطينية، هو عملية ضرورية باعتبارها ثمرة للنضال الفلسطيني والعربي، وتأكيد على فشل إسرائيل في إلغاء الشعب الفلسطيني. وبمعنى آخر فإن خيار الدولتين، ربما يخلق توازنا نسبيا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وربما كان هو الجسر الذي لا بد من عبوره نحو الخيارات الأخرى الأكثر تطورا من مثل: دول ثنائية القومية، أو دولة كونفدرالية مع بعض دول الجوار العربي، أو دولة ديمقراطية علمانية ديمقراطية/ دولة لكل مواطنيها.
أما الحديث عن أن هذه الدولة ليست هي الدولة الحلم فهذه هي الحقيقة التي يجب إدراكها للانتقال من الدولة المتخيلة إلى الدولة الواقعية، الناتجة عن موازين القوى والأوضاع العربية والدولية الراهنة ومستوى التطور الثقافي والسياسي لدى الشعب الفلسطيني.
ويمكن أن نستنتج هنا وبصراحة بأنه لا توجد أطروحة بين الاطروحات المتداولة (دولة ديمقراطية أو كونفدرالية أو دولة ثنائية أو دولتين لشعبين) لا تتضمن حلا مجحفا بحق الشعب الفلسطيني، لاسيما وأنها كلها تنطلق من واقع وجود إسرائيل ووجود جماعة قومية إسرائيلية، لذا تبدو المفاضلة بين هذه الأطروحات نسبية وصعبة، على نحو ما فعل (مسعد) بتبنيه دولة ثنائية (والكرمي) بحماسها للدولة الديمقراطية، أو كما ذهب (مخول) باعتباره أن حل الدولة الديمقراطية حلا غير عادل، وباشتراطه أن يكون حل الدولتين غير مقيد بفكرة إنهاء الصراع، ذلك إن العدل المطلق غير موجود في الواقع خصوصا وأننا نتعامل مع قضية هي على غاية في التعقيد والصعوبة، كما أن المسألة لا تتعلق بقرار ينهي الصراع إذ أن حل المسائل التاريخية لا يكون على هذا النحو كما أن هذا الصراع يمكن أن يأخذ أشكالا متغيرة، ليست بالضرورة عنفيّة أو استئصالية.
وما يجب التأكيد عليه، أيضا، أنه من الصعب استحضار نموذج بعينه لحل القضية الفلسطينية، على غرار الحل في جنوب أفريقيا (الكرمي وبشارة) أو على غرار الاتحاد السويسري (الحسن) فالمسألة هنا جد مختلفة وعلى غاية من التعقيد، لدى الطرفين المعنيين، برغم من أنه من الممكن ومن المفيد الاسترشاد بهذه التجارب.
على ذلك فإنه من المبكر وضع هذه الأطروحات في تضاد مع بعضها، لاسيما أنه ثمة إجماع بين المشاركين في النقاش مفاده أن مجمل هذه الأطروحات غير قابلة للتطبيق و”طوباويات”. ولكن الشريف كان أكثرهم حسما بتأكيده أنه من دون انقلاب في وعي الإسرائيليين وتغير ملموس، لصالح العرب، في موازين القوى فإن الباب سيبقى مسدودا أمام كل الحلول طوباوية كانت أو أقل طوباوية.
مسارات تطور الفكر السياسي الفلسطيني
في هذا الإطار يمكننا استعراض مراحل تطور التفكير السياسي الفلسطيني لتعيين المحطات والظروف التي برزت فيها الأطروحات المذكورة. ولعل المحطة الأولى تمثلت بظهور حركة “فتح” التي طرحت فكرة الكيانية الفلسطينية، مدعمة بمبادرة الكفاح المسلح(1965). وفي هذه المرحلة تم التركيز على لملمة شتات الشعب الفلسطيني بهدف فرض وجوده على الخارطة، أكثر من الاهتمام بتقديم الطروحات حول المستقبل. وكان شعار “التحرير” هو الشعار الطبيعي الملهم، آنذاك، الذي جمع شتات اللاجئين وعبر عن ردهم على النكبة؛ لدرجة أن شعار “العودة” تماهى فيه، تعبيرا عن تشبث اللاجئين بالماضي الذي فقدوه أكثر من كونه تعبيرا عن مستقبل ممكن يحاولون بناؤه.
أما الحديث، في ذلك الحين، عن تبني “فتح” أو غيرها لشعار “الدولة الديمقراطية العلمانية” (بحسب بعض المداخلات) فينبغي التوضيح بأن ذلك لم يكن دليلا على تطور حقيقي في التفكير السياسي الفلسطيني، إذ لم يجر الاشتغال على شرح مضامين هذا الشعار وأبعاده كي يتكرس في الثقافة الشعبية. ولم تتم عملية تمثّل لهذا الشعار، باعتباره هدفا استراتيجيا، وهو ما كان يتطلب إدخال تغييرات جذرية على بنية الحركة الفلسطينية وخطاباتها وشكل علاقاتها بالإسرائيليين كما على وسائل الكفاح المتبعة. والمعنى أنه إذا كان الهدف التعايش مع اليهود الإسرائيليين في دولة موحدة، على أسس ديمقراطية وعلمانية، فإنه من لزوم ذلك مد الجسور مع المجتمع الإسرائيلي وقواه المتعاطفة مع الحقوق الفلسطينية، وتركيز المقاومة ضد أهداف إسرائيلية من طبيعة اقتصادية وعسكرية. إذ ليس من المعقول الحديث عن مستقبل مشترك في وقت يخوض فيه كل طرف حربا وجودية ضد الطرف الأخر (ولهذه النقطة أهمية راهنة أيضا).
المحطة الثانية في تطور الفكر السياسي الفلسطيني تمثّلت بطرح شعار الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، على خلفية حرب تشرين (1973)، ولكن حال هذا الشعار لم تكن أحسن من سابقه (الدولة الديمقراطية العلمانية). إذ سوّق هذا الشعار بصورة فجائية وفوقية وقسرية ومن دون تمهيد ثقافي مسبق. ولم يكن تبني هذا الشعار (على الأغلب) بنتيجة تطور في الثقافة السياسية الفلسطينية بقدر ما كان تعبيرا عن استعداد القيادة للمساومة، وبالتالي، للتماثل مع الشرعية العربية والدولية، بدليل أن حركة “فتح” لم تتبناه رسميا إلا بعد ما يقارب 15 عاما، وبدليل الحديث بداية عن إقامة “سلطة” على أية ارض يجري تحريرها مرورا باعتباره مجرد برنامج مرحلي (تكتيكي)، من دون ارتباط برؤية فلسطينية لطبيعة الحل النهائي، وصولا لطرح فكرة دولتين لشعبين بالارتباط مع حل قضية اللاجئين على أساس القرار 194.
وفقط مع الانتفاضة الكبرى الأولى (1987 ـ 1993) اكتسب طرح الدولة فلسطينية زخمه وإمكانيته الواقعية. فالانتفاضة، أصلا، كانت حالة فعل مجتمعية في الضفة والقطاع، وثمة اعتراف دولي بحق الفلسطينيين بتقرير مصيرهم وإقامة دولتهم كما ثمة خلاف إسرائيلي حول طبيعة العلاقة مع الأراضي المحتلة. وهكذا تضافر الشرط الذاتي المتمثل بالانتفاضة مع الشرط الموضوعي المتمثل بالعامل الدولي والإقليمي لوضع مسألة إقامة الدولة الفلسطينية على رأس الأجندة الفلسطينية.
النقلة النوعية الثالثة في مسار الفكر السياسي حدثت في مناخات انتفاضة 1987 ـ 1993، والتي جاءت في ظروف اختمار التجربة الكفاحية وانتقال ثقل العمل الفلسطيني من الخارج إلى الداخل، إلى ساحة الصراع المباشر مع العدو، ما جعل للفلسطينيين في الأراضي المحتلة رأيا في تقرير مصيرهم بناء على رؤيتهم لأوضاعهم، وبعيدا إلى حد ما عن وصاية القيادات الرسمية في الخارج. وقد أحدثت هذه النقلة تحولا نوعيا في السياسة الفلسطينية، في خطاباتها وأشكال كفاحها وعلاقاتها مع الفلسطينيين في مناطق 1948 ومع المجتمع الإسرائيلي، وكان من نتائج هذا التحول ظهور اطروحات سياسية مستقلة وغير تقليدية تمثل أهمها في إطلاق شعار “دولة ثنائية القومية في فلسطين/إسرائيل”.
وبغض النظر عن الخلفية التاريخية لنشوء فكرة “الدولة ثنائية القومية”، فقد كان ساري نسيبه أول مبادر لطرحها مجددا في المجال السياسي (في أواخر الثمانينات). وقد نضجت هذه الفكرة بفضل الأطروحات الأكاديمية الغنية التي قدمها كل من أسعد غانم ونديم روحانا وكمال الخالدي وسعيد زيداني، ولكنها لم تأخذ شرعيتها وزخمها، في النقاش الفلسطيني، إلا بتبني عزمي بشارة وإدوارد سعيد لها بحكم مكانتهما السياسية والفكرية المتميزة في الساحتين الفلسطينية والعربية وعلى الصعيدين الإسرائيلي والدولي، وتعاملهما مع وسائل الإعلام.
اللافت للانتباه أن معظم المشتغلين على هذه الفكرة إما من مثقفي الداخل(1948 و1967)، الذين يعكسون هموم مجتمعهم وقلقهم على هويته ومصيره متأثرين بتجربة التعايش السلمي والصراعي مع الإسرائيليين، أو من المثقفين الذين يعيشون في الغرب متأثرين بالعقلية الليبرالية، خصوصا، وأنهم أكثر اطلاعا على مدى قوة الغرب واحتضانه لإسرائيل في تحسسهم لمأساة الفلسطينيين ولهشاشة الوضع العربي.
ولا شك في أننا نشهد هذه الأيام، وعلى خلفية تعثّر عملية التسوية، وبرغم من احتدام الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مرحلة جديدة في مسارات تطور التفكير السياسي الفلسطيني وهي المتمثلة بإعادة الاعتبار لفكرة “الدولة الديمقراطية العلمانية” بالتوازي مع طرح فكرة “دولة ثنائية القومية”، على أساس أن التجربة أثبتت ضعف قدرة الفلسطينيين على التخلص من الاحتلال وعدم رغبة إسرائيل في الانسحاب، وانطلاقا من أن الواقع الديمغرافي المتداخل وشبكة الاعتمادية والمصالح المتبادلة تحتم على الطرفين إيجاد صيغة من التعايش المشترك بدلا من الانفصال. وترى هاتين المقاربتين بأن الحل التوحيدي (الديمقراطي أو ثنائي القومية) يمكن أن يشكل مدخلا لتذويب مختلف عناصر الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وبالخصوص من ذلك قضايا: اللاجئين والقدس والاستيطان والحدود والموارد المشتركة، كما أنه يلبي مصالح الطرفين وتطلعاتهما القومية.
ولكن المشكلة الأساسية لهذين الطرحين أنهما ما زالا حكرا على مجموعات من المثقفين (من الطرفين) فهما لم يأخذا طريقهما إلى الخطاب السياسي الفلسطيني الرسمي (طبعا ولا الإسرائيلي)، وحتى الآن لا يوجد فصيل واحد يعلن عن تبنيه لهما، كما أن الثقافة السياسية التي تقف في خلفية هذين التصورين لا تحظى على شعبية في الشارع الفلسطيني خصوصا وأن الأحوال الراهنة لا تشجع أبدا على ذلك.
إشكاليات التفكير السياسي الفلسطيني
وللإنصاف فإن مشكلة الساحة الفلسطينية لا تكمن في طبيعة الشعارات والتصورات السياسية السائدة (صحتها من عدم ذلك) ولا في النزعة الإرادوية التي تعبر عن الرغبات والأمنيات البعيدة عن معطيات الواقع، وإنما تكمن أساسا في إمكانياتها المحدودة وفي تعقيدات قضيتها فلسطينيا وعربيا ودوليا وفي طبيعة العدو الذي تواجهه.
من الواضح، الآن، أن حل الدولة الفلسطينية سيكون على حساب اللاجئين وأنه يبقي فلسطينيي 48 خارج المعادلة، أما التمسك بحق العودة للاجئين فهو، في المعطيات الراهنة، يعني إبقاء فلسطينيي الأراضي المحتلة، الذين يصنعون الانتفاضة ويقدمون التضحيات الباهظة، تحت أسر الاحتلال. والمشكلة أن بقاء الأوضاع على ما هي عليه يزيد من بؤس الفلسطينيين، في كافة أماكن تواجدهم، ويقوض منجزاتهم الوطنية، ويشكل نصرا خالصا للإرادة الإسرائيلية، وتلك هي الإشكالية الأولى.
الإشكالية الثانية تتعلق بجدل العلاقة بين القطري والقومي، وهي تنبع من اتجاهين: أولهما أن المشروع الصهيوني ليس مجرد مشروع استيطاني لليهود في فلسطين وإنما هو مشروع سياسي وظيفي يخدم المصالح الغربية في المنطقة العربية؛ وثانيهما، يتعلق بانتماء الفلسطينيين إلى أمة عربية كبيرة وعريقة، بغض النظر عن مستوى تطور الوعي القومي ومدى تمثل ذلك في الحياة السياسية أو في المجتمعات العربية.
تأسيسا على ذلك يصعب إنتاج تصورات خاصة بالفلسطينيين معزولة عن التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المنطقة العربية، ذلك أن مستقبل الفلسطينيين، بما فيه مستقبل علاقتهم مع إسرائيل، يرتبط بشكل أو بآخر بالتطورات في المنطقة العربية خصوصا وأننا على عتبة تغيرات وتحولات تستدعي قيام تكتلات سياسية واقتصادية كبرى سواء على أسس قومية ـ ثقافية أو على أسس ليبرالية ومصلحية، وذلك بغض النظر عن الشبهات والتوظيفات السياسية المتعلقة مثلا بالمشروع الشرق أوسطي.
الإشكالية الثالثة، تنبع من حقيقة ينبغي تمثلها في التفكير السياسي، لأنه غالبا ما يتم القفز عنها، وهي تتعلق برؤية إسرائيل لذاتها كدولة يهودية ولطبيعة دورها السياسي في المنطقة. إذ أن إسرائيل غير ناضجة لعملية التسوية وهي العائق الأساس لها، برغم كل الاجحافات المتضمنة فيها، وهذا مابينته تجربة انهيار عدة حكومات إسرائيلية، واغتيال أحد أهم رؤساء حكومات إسرائيل أواخر العام 1995(رابين).
وتفسير ذلك أن عملية التسوية تسهم، بشكل مباشر وغير مباشر، في ترسيم حدود إسرائيل الجغرافية والبشرية والسياسية وتعريف هويتها وتحويلها من دولة ذات وظيفة سياسية إلى دولة عادية تخدم ذاتها بذاتها، ومن دولة ليهود العالم إلى دولة لليهود فيها، وتلك هي مشكلة إسرائيل مع التسوية. وهذه المشكلة تنبع من واقع أن المشروع الإسرائيلي هو مشروع سياسي ـ وظيفي ومشروع استيطاني ـ إحلالي له أبعاد أيدلوجية دينية وقومية، لذلك فهو يختلف عن المشاريع الاستعمارية الاقتصادية أو المشاريع الاستيطانية الأخرى التي أمكن تفكيكها(حالة الجزائر) أو التي أمكن إدماجها (جنوب إفريقيا).
وتبين التجربة بأن المجتمعات الاستيطانية العنصرية المصطنعة التي تفرض نفسها بوسائل القوة والإكراه، لا تبدي استعدادا أو قبولا للاعتراف بالآخر ولا بالمظالم التي ارتكبتها بحقه، وهي تقاوم أية تسوية لأنها قد تصل إلى حدود نفيها لذاتها، وهذا ما يفسر كل هذه التناقضات الإسرائيلية. والمجتمعات والدول الوظيفية المصطنعة لا تتوجه إلى التسوية من تلقاء ذاتها، مثل المجتمعات والدول العادية، وإنما هي تضطر لذلك بعد أن تقتنع بعدم جدوى مشروعها، أو بسب ارتفاع كلفته بسبب المقاومة التي يتعرض لها، أو بدفع من الضغوط الخارجية التي تواجهه، أو بفعل تضافر أكثر من عامل من هذه العوامل.
لذلك تبدو إسرائيل حائرة بين طبيعتها العنصرية ووظيفتها السياسية وخطابها الأيدلوجي وبين متطلبات التأقلم مع استحقاقات التسوية ومسارات العولمة ومسايرة الترتيبات الإقليمية التي تديرها الولايات المتحدة الأميركية. وهذه الحيرة هي التي تفسر التناقضات والأزمات السياسية في إسرائيل، وكل التخبطات المتعلقة بعملية التسوية.
حتى اليسار الإسرائيلي، متمثلا بحزبي العمل وميريتس، لا يذهب للتسوية، على الأغلب، إنصافا للشعب الفلسطيني وإنما للتخلص من الخطر الديمغرافي الذي يمثله الوجود الفلسطيني على هوية إسرائيل وطابعها اليهودي (برغم علمانيتهما!) ونظامها “الديمقراطي” وانتماؤها للغرب، وبهدف التساوق مع السياسات الأميركية ومتطلبات العولمة وللتعويض عن المدى الجغرافي السياسي والأمني للضفة والقطاع بالمدى الاقتصادي للنظام الشرق أوسطي الذي يحتمل تضمينات سياسية واقتصادية وثقافية أيضا.
والنتيجة هي أن الدولة الإسرائيلية التي لم تحسم تناقضاتها الداخلية، بعد أكثر من نصف قرن على قيامها، والمتمثلة بالتناقض بين: العلمانيين والمتدينين واليهود الشرقيين والغربيين واليساريين واليمينيين والمتطرفين (في موضوع التسوية) والمعتدلين، والمهاجرين الجدد والقدامى، والمستوطنين (في الضفة والقطاع والجولان) والمقيمين في إسرائيل، وبين العرب واليهود، من الصعب عليها، برغم إدارتها الحداثية ونظامها الديمقراطي، أن تحسم خيار التسوية مع عدوها الخارجي.
الإشكالية الرابعة تتعلق بالبعد الدولي إذ أن إسرائيل قامت أصلا بنتيجة تضافر جهود دولية وتمتعت بالاستقرار وبالتطور الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والعسكري بفضل دعم الدول الغربية الكبرى لها وتغطيتها لسياساتها وضمانها لأمنها ولوجودها. وتستمد إسرائيل قوتها أيضا من اعتبارها لذاتها امتدادا للغرب في المنطقة وضمانا لمصالحه، وبسبب من إدراك غربي مفاده أن قيام إسرائيل هو بمثابة تعويض لليهود عن الاضطهاد الذي تعرضوا له في أوروبا!
ولذلك فإن أي تصور لمستقبل الصراع مع إسرائيل ينبغي أن يأخذ في حساباته، وبغض النظر عن الرغبات الذاتية، هذا الواقع غير المواتي والذي يجعل من إسرائيل حقيقة واقعة وشرعية من غير المسموح المس بها أو تهديد وجودها لأن هذا الوضع يجعل المواجهة ليس مع إسرائيل لوحدها وإنما مع الغرب الذي أوجدها وساهم في إمدادها بكل أسباب البقاء والتطور. وهذا ما يفسر التفاف الغرب الرسمي والشعبي (إلى حد ما) حول ضمان وجود إسرائيل وتفوقها، في حدود العام 1948، والاستعداد للتعامل مع القضية الفلسطينية بجوانبها السياسية والإنسانية في حدود العام 1967.
نحو معادلات سياسية جديدة
بناء على ماتقدم فإن تفحص هذه الإشكاليات يفترض إيجاد معادلات سياسية جديدة، ومبتكرة، لشق مختلف الطرق نحو الهدف المتمثل بتقويض المشروع الصهيوني، بتعبيراته الأيدلوجية العنصرية وبمظاهره العدواينة، وصولا لايجاد حل للمسألتين الفلسطينية والإسرائيلية اللتين أوجدهما المشروع الصهيوني في المنطقة، ربما، بداية بتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته، مرورا بنشوء دولة ثنائية القومية وصولا لقيام دولة ديمقراطية علمانية، تتجاوب مع التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحاصلة في المنطقة العربية.
كما أن تفحص تلك الإشكاليات يفيد في استيعاب تحوّل المفهوم “الشعبوي” السائد لعملية “التحرير”، فطوال نصف قرن سادت فكرة متخيّلة عن عملية تحرير قوامها العودة إلى لحظة العام 1948 وهزيمة المشروع الصهيوني بالوسائل العسكرية، لذا فمن غير المعقول أن يبقى هذا المفهوم جامدا برغم كل المتغيرات والتحولات.
والمقصود بالتحويل إدخال مضامين جديدة لفكرة “التحرير” قوامها تحرير العرب واليهود في آن معا من الصهيونية، وابتكار حل حضاري وانساني لكل مظاهر الصراع العربي ـ الإسرائيلي، على أسس ديمقراطية وليبرالية، وربما قومية أيضا. وينبني على ذلك إدخال تغييرات ملائمة على ثقافة الصراع ذاتها، من ثقافة تتأسس على الإفناء المتبادل إلى ثقافة تعايش مشترك. وبالطبع فإن هذا التغيير الثقافي/السياسي، يتطلب إجراء تغييرات بنيوية على الحركة الفلسطينية، على حد ما ذهب فيصل دراج، كما يتطلب ذلك تغيير أشكال الصراع بإحلال أشكال صراع شعبية/مدنية، قانونية وسياسية مع ترشيد أعمال المقاومة المشروعة ضد الاحتلال الإسرائيلي بكافة مظاهره في أراضي الضفة والقطاع، وإيجاد أشكال عمل تخاطب المجتمع الإسرائيلي وتعزل القوى اليمينية المتطرفة فيه.
والواقع فإن ما يدفع إلى إعطاء فكرة “التحرير” مضامين جديدة، ليس فقط موازين القوى، غير المواتية بالنسبة للفلسطينيين، ولا تمتع إسرائيل بحماية دولية، وإنما حصول تغييرات كبيرة في إطار المجتمع الإسرائيلي ذاته، فهذه الدولة (بغض النظر عن ضعف شرعيتها والمظالم التي ارتكبتها) لم تعد، بعد خمسين عاما، مجرد دولة مهاجرين/مستوطنين، وإنما باتت تضم مجتمعا بلغ حدا عاليا من النضج: السياسي والاقتصادي والثقافي 60% منه من مواليد فلسطين/إسرائيل.
ولعل الانتقال من استراتيجية الصراع المباشر مع إسرائيل على وجودها إلى استراتيجية استيعاب هذا الوجود لإدخال تحولات فيه، يشكل ربما إحدى رهانات عملية التسوية التي تحمل في داخلها، مثلها مثل أي ظاهرة، نقيضها. فمن شأن هذا التحول أن يسهم في تقويض الإجماع في المجتمع الإسرائيلي الناجم عن الإحساس بانعدام الأمن بسبب الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وبالتالي قد يؤدي إلى ازدياد الخلافات والتناقضات الداخلية، وهو ما نشهد بعضا من ملامحه اليوم.
ولا شك في أن التفكير السياسي العربي، بناء على ما تقدم، معني أيضا، بتطوير نظريته في الصراع والتي كانت تقتصر، فقط، على الجانب العسكري، الذي استنزفت القدرات والإمكانيات العربية أساسا، وأفادت إسرائيل، وذلك بالتأكيد على استراتيجيات البناء والتطوير السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والثقافي، وفي هذه الاستراتيجيات يكمن أساسا نجاح استراتيجية الاستيعاب والتذويب للمسألتين الفلسطينية والإسرائيلية وفسح المجال لليهود للتحرر من أسر الصهيونية وادعاءاتها.
أخيرا، آن الأوان للفكر السياسي الفلسطيني (والعربي) أن يراجع مناهجه وأولوياته وأدواته، بالانتقال من حقل التفكير بالمطلقات إلى التفكير بصنع الوقائع والانطلاق من عملية التغيير باعتبارها ليست مجرد عملية انقلابية تتم دفعة واحدة أو بالضربة القاضية وإنما باعتبارها عملية تراكمية تدريجية مركبة في عالم تتحكم فيه النسبيات وموازين القوى.
وفي الواقع فإن الساحة الفلسطينية التي تشتغل في واقع معقد ومركب تحتاج بدورها إلى عقليات من ذات الطراز تتعامل مع هذا الواقع وتضع الأجوبة المناسبة له، بعيدا عن التبسيط. وفي هذا المجال يبرز دور القياديين السياسيين والمثقفين في تربية شعبهم بالثقافة السياسية المناسبة والمنتجة، لقيادته إلى هدفه بأصوب وأقرب طريق ممكن، وبأقل تكلفة ممكنة، أما تنمية النزعات “الشعبوية” ومخاطبة الغرائز والعواطف فهو ليس عمل قيادي وهو لا يمت بصلة، أصلا، لا للسياسة وللثقافة.
المهم أنه ثمة ملامح عديدة تشير إلى حصول تطورات مهمة في نمط التفكير السياسي، ولكن هذه المحاولات مازالت تحتاج إلى مزيد من الإنضاج ومزيد من التحرر من القيود والانحيازات المسبقة، كما أنها تحتاج إلى مزيد من التفاعلات في البيئتين الرسمية والشعبية.

* نشرت في مجلة “الآداب” البيروتية، تشرين الاول 2002، ضمن محور كانت نشرته “الآداب” حول موضوع الدولة الديمقراطية العلمانية.

المراجع:
ـ راجع مداخلات: سلمان أبو ستة، محمد جمال باروت، فيصل دراج، ماهر الشريف، غادة الكرمي، أمير مخول، جوزيف مسعد، محمد نفاع، في ملف “الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين التاريخية”، مجلة “الآداب”، العدد 7/8، ‏2002‏-‏08‏-‏26آب/2002.
ـ خالد الحسن (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح): التعامل مع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي المستجدات التي فرضت منهجية جديدة، “الحياة” اللندنية 5/1/1993.
ـ نديم روحانا: خيار الدولة ثنائية القومية، موقع عرب 48 على الانترنيت، 18/7/2002.
ـ أسعد غانم: دولة فلسطينية ـ إسرائيلية ثنائية القومية: نحو حل اتحادي للمسألة الفلسطينية الإسرائيلية، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 41 شتاء 2000
ـ كمال الخالدي: الدولة ثنائية القومية في فلسطين، مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 37 شتاء 1999.
ـ مقالات عزمي بشارة في مجلة الدراسات الفلسطينية

Author: ماجد الكيالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *