نحن بحاجة إلى بناء مفهوم جديد للأمن حتى لو كان الثمن هو الحرب الدائمة

إن أحد الأخطاء التي ارتكبتها إسرائيل، كما يتفق الجميع الآن، هو إعطاء حماس وحزب الله الفرصة لتعزيز قوتهما على مدى عقد من الزمان أو أكثر. وبعد الحرب الحالية يجب ألا يتكرر نفس الخطأ. هذا التصريح البسيط هو تصريح بعيد المدى، ويفرض على إسرائيل إجراء تغييرات واسعة في استراتيجيتها وسلوكها ومفهومها الأمني . وقبل كل شيء، سيكون مطلوبا منها من الآن فصاعدا أن تكون فاعلة للغاية مقابل العدو. من غير المعقول أن يحدث يوم 7 أكتوبر آخر، لكن السبب وراء ذلك غير مشجع: من الواضح أن العدو سيحاول أن يخطط حيالنا كارثة مختلفة تمامًا، لاتقل حجما .
وبشكل عام، من الصعب أن نتوقع أن يخوض طرف آخر حرب إسرائيل . فالمشاكل الخطيرة في سلوك القوات الدولية المتمركزة في لبنان ليست “خللاً وظيفياً”، بل هي إخفاقات مفهومة : فمثل هذه القوات تشكل حلاً جيداً للفصل بين طرفين متعاديين لا يرغبان بمقاتلة بعضهم البعض وأيضا من أجل منع أخطاء يمكن أن تؤدي إلى حرب، لكنها تكون أقل فعالية بكثير عندما لا يكون أحد الأطراف مهتما بوجودها . وباستثناء حالات استثنائية، مثل نشاط الفوج الإسكندنافي “نوردبات 2” خلال الحرب في يوغوسلافيا، فإن هذه القوات لا تظهر ميلا للقتال ضد أي من الجانبين. فمثلها كمثل الدول، ليس لديها مصلحة في المخاطرة بنفسها في حرب ليست حربها. وهذا يعني أن على إسرائيل أن تعتني بنفسها لمنع تعاظم التهديدات ضدها، وعليها أن تفعل ذلك بشكل دائم .
يوجد لإسرائيل مفهومين أمنيين متوازيين، حتى لو كانا غير مكتوبين . أحدهما، وهو الأكثر شهرة، مصمم للتعامل مع “حالة كل شيء”، أي التهديد بالغزو من قبل العديد من الدول المعادية. وهذا هو المفهوم المعروف بـ “ردع وانذار و حسم ” . أما المفهوم الامني الثاني والمخصص لحالة “الأمن الجاري “، فقد عرّفه موشيه ديان بأنه تحديد “ثمن باهظ لدمائنا، وهو ثمن باهظ للغاية وأكثر مما ينبغي على (العدو) دفعه”. وهذه الطريقة فعالة بشكل خاص إذا علم العدو أن التصعيد قد يؤدي إلى حرب سيخسر فيها. ووفقا لذلك حاولت إسرائيل على مدى سنوات الانتقام من العدو بطريقة العثور على العنوان المسؤول عن سفك دماء الإسرائيليين، وضربه بشكل قوي .
هذان المفهومان كانا موجودين جنبا إلى جنب، لكن “منع تعاظم ” العدو لم يكن بشكل عام جزءا من مفهوم الأمن الإسرائيلي . وهناك استثناءات : لقد بذلت إسرائيل الكثير من الجهد لتدمير مشروع الصواريخ المصري في الستينيات ، وهي تعلن أنها ستمنع أعداءها من تشكيل تهديد نووي عليها . ومعنى “منع التعاظم” كمفهوم اليوم هو أن إسرائيل تضع لنفسها هدفاً يتلخص في منع أي خصم غير دولة من التسلح بقوة قتالية قد تعرضها للخطر. وهذا يعني عدم القبول بوجود نظام معادٍ غير دولتي حولها، وإلحاق الضرر الكبير والمستمر والمعلن بأي دولة تستضيف مثل هذا التنظيم ، طواعية أو رغما عنها .
هناك رادع، وليس هناك مردوع :
لم تنتهج إسرائيل مثل هذا النهج منذ سنوات عديدة، إذ أنه لا يمكن الاستهانة بأثمانه. إن التعاظم العسكري لدولة مجاورة لا يعتبر سببا للحرب، وإسرائيل لم تكن تريد أو لم تكن قادرة على منع تعاظم جيرانها المعادين لها. دمرت إسرائيل الصواريخ السورية المضادة للطائرات ودبابات T-72 في بقاع لبنان خلال حرب سلام الجليل ، لكنها لم تخوض الحرب لمنع سوريا من التزود بها .
منع تعاظم كيان غير دولتي هو أيضا أمر معقد للغاية ولكن لا يتطلب بالضرورة مواجهة مع جيش . جزء من حل مسألة التعاظم في حينه كان القانون الأميركي الذي يلزم الولايات المتحدة بالحفاظ على التفوق النوعي لإسرائيل. وبالطبع، هذا ليس حلاً كاملاً، وهو يعتمد على استمرار الأسلحة الأميركية في كونها الأكثر تقدماً من نوعها بفارق كبير. كما أنه محدود بطبيعته، ذلك أن هناك أسلحة رخيصة ومن انتاج محلي مصممة لتدمير الأسلحة باهظة الثمن . وهي أكثر شيوعا اليوم من أي وقت مضى – كما يتضح من القفزة في مجال الطائرات بدون طيار، التي يعتمد معظمها على التقنيات المدنية وليس على المنتجات العسكرية الخاصة . ا
قبل مفهوم “معركة بين حربين” كما تم تعريف الوضع الأمني منذ حرب لبنان الثانية – لم تكن إسرائيل مشغولة بمنع التعاظم . مفهوم معركة بين حربين موجود تحت النار منذ بداية الحرب الحالية ولا يزال وقد تم عرضه على أنه نهج ساهم في تقوية حماس، ولكن في الواقع كان الابتكار فيه معاكسا . لقد حددت إسرائيل لنفسها هدفا، ولو بشكل محدود، هو منع تعاظم إيران ووكلائها في الأراضي السورية. وفي كتابه “الحرب التي تسبق ” الذي نشر قبل وقت قصير قال العميد عيران اورطال
إن إسرائيل لم تحاول تنفيذ مفهوم معركة بين الحروب بطريقة مماثلة في لبنان ضد حزب الله أو في غزة ضد حماس، لأنها هي نفسها كانت مردوعة عملياً وتخشى جولات القتال المتوقعة. والتركيز على خوض معركة بين الحروب مقابل سوريا ارتبط تحديداً بكون سوريا كانت تخوض حرب اهلية لسنوات، وظلت منهكة حتى بعدها لذلك كان ثمن العمل على أراضيها منخفض، وقدرة النظام السوري على مواجهة هذه الهجمات كانت محدودة . أما في أماكن أخرى، حيث كانت الظروف مختلفة، فقد اكتفت إسرائيل بسياسة الانتقام “التقليدية”. في غزة، ساد نظام الجولات في عهد حكومات نتنياهو وفي عهد حكومات أخرى، بسبب الثمن . وقبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، بدا هذا الثمن باهظاً للغاية، وتجنبت إسرائيل المخاطرة، تماماً كما اختارت حكومة غولدا مائير عدم الرد على نقل الصواريخ المصرية إلى منطقة قناة السويس فور وقف إطلاق النار في حرب الاستنزاف .
هناك خروج آخر عن المفهوم التقليدي للأمن وهو التمييز. منذ عام 1953، اعتادت إسرائيل على ضرب الدول المجاورة ردا على الأعمال الإرهابية التي تنطلق من أراضيها، ولكن في العقد الماضي حاولت بشكل متزايد التمييز بين السلطة والقوى التي تعارضها. فلم تدفع الدولة اللبنانية ثمن هجمات حزب الله، لأنه كان يُنظر إليها باعتبارها أضعف من أن تتمكن من التأثير عليه (على الرغم من اندماج المنظمة الشيعية فيها وفي حكومتها). وحتى في قطاع غزة، اختارت الحكومة الإسرائيلية التمييز بين حماس والجهاد الإسلامي في ثلاث عمليات على الأقل – “الحزام الأسود” (2019)، و”بزوغ الفجر” (2022)، و”الدرع والسهم” (2023) – معتقدة أن حماس ترغب في الحفاظ على هيمنتها في القطاع، لذا فإن ضرب منافسها سيجلب الاستقرار . لقد حملت إسرائيل معها على مدى أربعة عقود صدمة محاولة جلب حلفائها إلى السلطة في لبنان، ولكن بشكل ينطوي على مفارقة خلق أسلوب التمييز فكرة مماثلة : التدخل في السياسة الداخلية للدول أو الكيانات المجاورة من اجل ضمان ان يكون في السلطة طرف مريح لنا . وإن الأفكار التي نسمعها اليوم بشأن استبدال حماس في قطاع غزة تعبر أيضاً عن مقاربة على غرار لبنان 1982 : من يصل إلى عرش المملكة في قطاع غزة سيفعل ذلك بمساعدة الحراب الإسرائيلية، ومدعوما بقوة دولة إسرائيل.
ومع ذلك، بعد الضربة الرهيبة التي تلقيناها في 7 تشرين الأول (أكتوبر) بشأن ثمن التقاعس عن العمل، وحتى لو كان هناك خلاف حول جذور الفشل، يبدو أن غالبية الجمهور الإسرائيلي يعتقد أنه من الضروري تغيير المفهوم الذي سبق الحرب . هناك من يراهن على ضمانات أمنية أو اتفاق سياسي شامل هنا والآن، ولكن بالنسبة لمن لا يؤمن بذلك، معنى ذلك هو أن إسرائيل يجب أن تكون فاعلة طوال الوقت. بمعنى آخر، ستكون البلاد في حالة حرب دائمة . ومن المرجح أن تكون هذه هي الحال، إذا اختارت إسرائيل السماح بإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة . فمنع التعاظم يستوجب فعالية لاتتوقف طالما أن خصوم إسرائيل لاينوون تركها لشأنها .
إن مفهوم الأمن الإسرائيلي في مجال الأمن الجاري تضمن كما قلنا الردع بواسطة عمليات انتقامية تجسد ثمن المساس بها .
يعتبر الردع مسألة سهلة نسبيا للقياس الكمي عندما يكون الهدف هو ردع العدو من مغبة بدء حرب شاملة ، لأن الوضع حينها يكون خياريا : إما أن تكون هناك حرب شاملة، أو لا . والردع صعب جدا للمقارنة الكمية مقابل تهديدات صغيرة وخاصة مقابلة كيانات ليست دولتية . والمثال الواضح والمؤلم هو عملية “حارس الاسوار “، التي اعتقدت إسرائيل أنها حققت هدفها . تعزيز الردع والحصول على بضع سنوات من الهدوء ؛ لكن يبدو من دراسة نشرها مؤخرا يوناتان دوخو ليفي أن السنوار رأى في العملية إنجازا لحماس، ومرحلة ناجحة في حربه على إسرائيل. ولم تكن صورته وهو جالس على أنقاض مكتبه مجرد حملة علاقات عامة، بل كانت تمثل حقيقة أنه انتصر بالفعل بالنسبة له. وقد رأينا استمرار هذا النصر في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، عندما كانت إسرائيل مقتنعة بأن حماس لا تزال مردوعة . الردع هو حالة يجب السعي لتحقيقها، وهي دائما محدودة وتتطلب صيانة ، لا يمكن قبول أن هناك ردع كفرضية أساسية .
من يريد السلام يجب أن يستعد بجدية للحرب :
يوجد لمفهوم الأمن القائم على الوقاية عدة مبادئ. ويمكن تلخيصها بالكلمات التالية : حرية عمل، إشغال، مسؤولية، تنمية .
- حرية العمل تعني أن إسرائيل لن تنتظر حتى يصبح العدو أقوى، بل ستكون فاعلة باستمرار . وعندما تظهر تهديدات مستقبلية، فإنها ستكون ملزمة بالتحرك ضدها وعدم انتظار تطورها إلى تهديد كبير وحقيقي. وعمليا هذا هو اسلوب “جز العشب” الذي تم تطبيقه على مر السنين في الضفة الغربية ولكن على نطاق أوسع بكثير – وسيكون من الضروري جز العشب الموجود وإزالة رؤوس الأعشاب الضارة عند ظهورها .
ومن أجل ذلك سيكون لزاما على إسرائيل أن تستمر في بذل الكثير في مجال الاستخبارات، والأسلحة الدقيقة، والقوات الجوية، كما فعلت في السنوات الأخيرة، ولكن أيضاً أن تغير نهجها بشأن القوات البرية، لمنع ظهور الأعشاب الضارة على حافة حدودها . والضربة الجوية، كتلك التي وجهت إلى حزب الله، لم تكن كافية من اجل الحرب على حماس . وربما تفضل إسرائيل عدم استخدام القوات البرية، للاقلال من وقوع الضحايا ـ ولكن إذا كانت راغبة في إقناع أعدائها بأنها تقصد ذلك بشكل جاد فإنها ملزمة بأن تعمل بشكل جاد . ولذلك فإن التشغيل الواسع للقوات البرية لا يمكن أن يكون هو الملاذ الأخير، بل هو مسار عمل ذو أولوية عالية.
وبطبيعة الحال، فإن القوات البرية ليست حلاً سحرياً لكل تهديد، ولن تحل محل أي سلاح دقيق بعيد المدى أو أي عملية سرية، ولكن كلما كانت التهديدات قريبة من حدودها، فسيتعين على إسرائيل أن تكون مستعدة لتحييدها بواسطة دخول بري سريع ومن دون تردد، مثلما أنها جاهزة لتشغيل القوات الخاصة والذراع الجوي . قال فيجيتيوس الروماني : “من يريد السلام يجب أن يستعد للحرب” وأضاف : “لا يجرؤ أحد على مواجهة أو إيذاء شخص يعرف أنه سيهزمه إذا حاربه “. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال بناء قوة عسكرية يمكن الاعتماد عليها والاستعداد لاستخدامها. وفي هذا السياق، من المفيد أيضاً التخلي عن مفهوم “الدفاع” الذي أضيف فعلياً إلى المفهوم الأمني الإسرائيلي عام 2005. وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال التخلي عن القدرات الاعتراضية التي أضافتها إسرائيل، وقلصت نسبة الإصابات الناجمة عن صواريخ حزب الله مقارنة بما رأيناه خلال حرب لبنان الثانية. الدفاع وظيفة مهمة ومفهومة ، يجب على كل قائد أولا أن “يدافع عن قطاعه “، لكن هذا لا يعني أن فهمه يجب أن يكون دفاعيا، بل أن الدفاع يجب أن يكون جزءا من مهامه . وكذلك أيضا بشأن المفهوم الأمني للدولة : الدفاع يضعف باقي أرجل مفهوم الأمن حيث أنه يقلص الحاجة إليها . إنه يقلل من عدد الضحايا – حتى يجد العدو طريقة للالتفاف عليه . - ومبدأ الإشغال يعني أن تعمل إسرائيل على أن يكون أعداءها مشغولين بمشاكلهم الخاصة، بحيث لا يكون لديهم وقت للتعاظم العسكري وللبحث في شؤونها . ولنأخذ إيران كمثال: فقد نجح نظام آية الله في بناء “الهلال الشيعي” على مر السنين، من خلال التوظيف في منظمات وكيلة وأصدقاء من اليمن وحتى الصحراء الغربية، وهو يعرف أن المخاطر التي يتعرض لها نظامه ضئيلة نسبياً. إن الجانب السلبي في النهج الهجومي الذي تتبناه إيران هو ضعفها النسبي على أراضيها، ويتعين على إسرائيل أن تأخذ زمام المبادرة وتعمل على إشغال هؤلاء الأعداء بطرق من شأنها أن تحد من حريتهم في تعزيز قوتهم والتحرك ضدها . ولا يتعلق الأمر بالوسائل العسكرية فحسب ، صحيح أن الضغوط السياسية والاقتصادية ليست كافية لوحدها ، ولكنها عامل ضروري؛ وإلى جانبه يجب أن تكون هناك عمليات سرية يمكن إنكارها، مثل الحوادث غير المتوقعة والأضرار المؤسفة التي تلحق بالصناعات والمؤسسات الاقتصادية الإيرانية، وتعزيز أعداء النظام الإيراني في الخارج والداخل. وحتى لو كان من الصعب بعض الشيء تصديق قصص أحمدي نجاد عن عميل الموساد الذي كان رئيس الوحدة الإيرانية لمتابعة عملاء الموساد، فمن المؤكد أنه لن يضر إذا كانت إيران تخشى من أن يكون هذا هو الحال؛ فقد تتسبب عمليات التطهير الداخلية بإلحاق اضرار بالنظام لا تقل عن الضرر الذي ستلحقه إسرائيل به. وفي الوقت نفسه، يتعين على إسرائيل أن تعمل على تطوير قدراتها في مجال تشخيص وإحباط الهجمات ضد يهود واسرائيليين في الخارج، وهو المسار الذي من المعقول أن يحاول أعداؤها السير فيه .
- “المسؤولية” تعني أنه سيتعين على إسرائيل أن تأخذ على عاتقها بطريقة معلنة منع تعاظم الخصوم غير الدولتيين طالما أن السلطات الرسمية في تلك البلدان لا تفعل ذلك . فالسيادة مثلما حدد الباحثان إيلان فوكس و “هاري بوروفسكي” مشروطة بمحاولة دولة ما السيطرة على أراضيها. وإذا تخلت دول في منطقتنا، سواء كانت راغبة في ذلك أم غير قادرة، عن سيادتها فلن يكون لديها أي شرعية لمطالبة إسرائيل بعدم انتهاك سيادتها .وستضطر إسرائيل إلى فعل ذلك بواسطة الهجمات البرية أو الجوية أو البحرية أو جميعها . وهذا المبدأ ينطبق فقط على الدول المعادية . والهجمات التي ينفذها سلاح الجو في دمشق في السنوات الأخيرة تدل على أن إسرائيل تفعل ذلك فعلا ، وفي المفهوم الجديد المقترح ستضطر إلى تحويل ذلك إلى سياسة معلنة .
- وأخيرا، مبدأ التنمية . لا تقتصر السياسة الأمنية على النشاط العسكري. فوثيقة بن غوريون المكونة من 18 نقطة من عام 1953، والتي تعتبر أساس المفهوم الأمني لإسرائيل، تناولت أيضاً الاقتصاد والهجرة . فالسياسة الأمنية القائمة على منع التعاظم ليست مجرد شعار جذاب: فهي تطرح تحديات صعبة، وتتطلب من الدولة إيجاد القدرة على الحفاظ على هذه السياسة على مر الزمن . ففي نهاية المطاف، تظهر التجربة أنه مع مرور السنين يحدث تأكل في مستوى الجاهزية العسكرية وفي الإستعداد لتحمل الأخطار ودفع الأثمان .
ومن الطبيعي أن سياسة منع التعاظم ستجعل من إسرائيل بشكل دائم الولد الشرير في محيطها الفاشل. لقد أثارت صورة “فيلا في غابة” إعجاب العديد من الإسرائيليين، حيث يمكن للمرء أن يفكر في تسييج الفيلا ومنع دخول الحيوانات المفترسة؛ وإن سياسة الوقاية تعني الأنطلاق إلى الغابة وضرب الحيوانات باستمرار، قبل أن تصبح كبيرة بشكل يكفي لافتراسنا . ومن المتوقع أن يكون الثمن السياسي باهظا. ويكفي أن ننظر إلى الحظر الفعلي الذي تفرضه علينا بعض صديقاتنا الكبار نظريا في فترة الحرب من أجل أن نتخيل كيف سيردوا إذا هاجمت إسرائيل ذات يوم هدف على ارض دولة أخرى كلما خطر على بالها . هم يعتبرون الهدوء ولو كان قصير المدى استقرارا ويغضبون على أي خرق له .
إن الافتراض بأن التسوية الإسرائيلية الفلسطينية سوف تحل كافة المشاكل في الشرق الأوسط وستمنع المواجهات في المستقبل لا يبدو معقولاً، ولذلك إذا قامت دولة فلسطينيةفإن إسرائيل ستضطر إلى مهاجمة تهديدات من أراضيها . وهذا سيخلق صعوبات سياسية، وسيتعين على إسرائيل أن تبذل جهدا متواصلا لمواجهتها – تحالفات، اتصالات، اتصالات علنية وسرية، و أيضا دعاية وإعلام على الرغم من الصعوبات في هذا المجال .
التكلفة المضاعفة لتجنيد الاحتياطيين :
سيكون على إسرائيل أيضاً أن تدفع ثمناً باهظاً، بالمعنى الحرفي، لوجود مثل هذه السياسة. يجب أن يكون جيش الدفاع الإسرائيلي كبيراً بما يكفي لمواصلة النشاط المستمر بمختلف أنواعه، وهذا سيتضمن خسائر ونأمل أن تكون هذه الخسائر صغيرة، بالتأكيد مقارنة مع البديل كما حدث عندما بادر أعداء إسرائيل إلى هجمات مفاجئة ، ومع ذلك سيكون هناك ثمن . كانت هناك سنوات كانت فيها معظم الأسماء الجديدة لشهداء الجيش الإسرائيلي، في القائمة التي يتم عرضها في يوم الذكرى، نتيجة حوادث وأمراض وانتحار، وليس بسبب القتال؛ ومن المشكوك فيه ما إذا كان هذا هو الحال في المستقبل. في العقد الأخير، سعت إسرائيل إلى إبقاء الحرب بعيدة عنها قدر الإمكان (أطلق عليها البروفيسور داني أورباخ “أخذ قرض للسلام على حساب المستقبل”)، في تطرقه المبالغ فيه لفكرة تم غرسها بالفعل في قلوبنا وهومفهوم “الجدار الحديدي” الذي طرحه جابوتنسكي، والذي تبنته القيادة الإسرائيلية برمتها. الآن سيتعين على إسرائيل أن تسأل نفسها ليس كيف ستبعد الحرب ، وإنما كيف ستزدهر في حالة الحرب.
ستضطر إسرائيل إلى بناء حجم من القوات يتناسب مع المفهوم الأمني الجديد، ولا يعتمد على تعبئة الاحتياط من نفس النواة الصغيرة نسبياً، المرة تلو الأخرى . وبطبيعة الحال، سيتعين عليها نشر قوات دفاعية أكبر مما كان عليه قبل السابع من أكتوبر. وسوف تحتاج إلى تمويل وتدريب وصيانة احتياطيات المعدات والذخيرة والأسلحة، حتى لا تتعرض لنقص، وسوف تحتاج إلى قدرة إنتاجية أكبر بكثير . كل هذا يكلف أموالاً، جزء منها يستند حالياً على مدخول جنود الاحتياط، ومن هنا فأنه سيكون لتعبئتهم تكلفة مباشرة وغير مباشرة، من ميزانية الدولة . وبما أنه ليس من المرغوب فيه أو الواقعي العودة إلى فترات مثل ما بعد حرب يوم الغفران، عندما ساهم التوظيف الضخم في ميزانية الدفاع بشكل كبير في الانهيار الاقتصادي في الثمانينيات، فسيتعين على إسرائيل تطوير اقتصادها بشكل صحيح . وسيتعين عليها القيام بالاستثمارات الضرورية للاحتياجات الأمنية، ولإزالة العقبات من أجل وضع الاقتصاد على المسار الذي يسمح بالنمو والازدهار إلى جانب القتال . مثل هذه الخطوات مهمة بشكل خاص لأنه من المستحيل اليوم العودة إلى المفهوم الذي ميز السنوات الأولى للبلاد، وبالتأكيد عدم التحول إلى اسبارطة حديثة. إن مستقبل دولة إسرائيل، كما توقع بن غوريون، لا يقاس فقط بقوتها العسكرية . ولهذا السبب قرر رئيس الحكومة الأول القيام بمخاطرة كبيرة، عندما قلص ميزانية الجيش الإسرائيلي وأضعفه بشكل كبير لعدة سنوات . الآن بالتأكيد ليس هو الوقت المناسب لإضعاف الجيش الإسرائيلي، لكن المبدأ قائم : من المستحيل الحفاظ على الجيش مع تجاهل احتياجات الدولة، وكلما كانت إسرائيل دولة جيد العيش فيها، باستثناء المجال الأمني، كذلك ستزداد قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية. وهذا صحيح في مجال التجنيد، حيث سيكون فيه استخدام القوى العاملة – متدينين وغير متدينين – مهماً جداً؛ وكذلك في المجال الاقتصادي، حيث مردود العامل الإسرائيلي في ساعة العمل ليس من المعدلات العالية . من الممكن مناقشة التفاصيل، ولكن المبدأ سوف يظل ملزماً: إذا كانت إسرائيل راغبة في انتهاج سياسة الفعالية الأمنية، فإنه يتعين عليها أن تعمل على بلورة قدرتها الاقتصادية والاجتماعية بشكل يخدم هذه السياسة.
كما هو واضح ، لا تستطيع إسرائيل أن لاتفعل أياً من كل هذا. وعندما يتم حساب الربح والخسارة، إذا تم ذلك، فقد يجد صناع القرار أن “منع التعاظم” هو هدف غير واقعي، أو أنهم ليسوا على استعداد لدفع ثمنه الباهظ . هناك من يقول إن المزيد من الانتشار العسكري على الحدود يكفي لإحباط نوايا الأعداء. ومن المحتمل أن تصل إسرائيل إلى الاستنتاج (الخاطئ في نظري) بأن فشل 7 أكتوبر كان مجرد عدم فهم نوايا العدو، ولذلك يجب التركيز على تحسين الردع . ومن الممكن أن تعتمد على الاتفاقيات السياسية أو على ضمانات أمنية خارجية. لكن إذا أرادت إسرائيل حقاً منع تعزيز أعدائها، ولا ترغب في الاعتماد على وعود خارجية أو قوى أجنبية، فسوف تضطر إلى العمل على نطاق أوسع من ذي قبل، مستفيدة من الضربات القاسية التي تلقاها حزب الله وحماس مؤخراً، لكي نبدأ من نقطة جيدة نسبياً.
إن كل مسار عمل – بما في ذلك تجنب العمل – له ثمن، وقد فصلنا ثمن منع التعاظم أعلاه. ومع ذلك، فمن الممكن أن تختار إسرائيل اللجوء إليه. قد يكون السور المرتفع سببا لإنتاج جيران طيبين ، ولكن عندما يصر الجيران على البقاء كشريرين ، فإن الأمر يتطلب الكثير من العمل لمنعهم من عبور السياج مرة أخرى، في طريقهم لزيارة غير مرغوب فيها.
موقع مكور ريشون العبري