نتنياهو كخطر على الفلسطينيين والإسرائيليين أيضاً…

استطاع بنيامين نتنياهو -المولود في تل أبيب 1949، لأب بولوني وأم أميركية- رغم الصعوبات والتعقيدات والمساومات، تشكيل الحكومة الرقم 37 منذ إقامة إسرائيل عام 1948، بحيث بات بمثابة الرجل الأطول عمراً في منصب رئيس حكومة تلك الدولة، حتى من الزعيم الإسرائيلي المؤسّس، والأشهر، بن غوريون، الذي شغل ذلك المنصب 12 عاماً، فقط.

وتعتبر هذه الحكومة السابعة من نوعها التي يترأسها نتنياهو، في ثلاث حقب، كزعيم لحزب ليكود (تكتل لأحزاب حيروت والليبرالي وقوى أخرى تأسس عام 1973)، الأولى من 1996 ـ 1999، والثانية من 2009 ـ 2021، والثالثة الحالية من 2022، علماً أنه انتسب إلى الليكود في العام 1980، وبات عضواً ممثلاً عنه في الكنيست منذ العام 1988، ثم أضحى زعيماً له منذ العام 1993 حتى الآن، أي طوال ثلاثة عقود، بعد مناحيم بيغن وإسحق شامير، باستثناء الفترة من 1999 ـ 2005 حيث تزعمه وقتها آرييل شارون.

إضافة إلى كونه أكثر رجل احتل المنصب الأول في إسرائيل، فهو الرجل الذي هيمن على السياسة الإسرائيلية في مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو (1993)، بحيث استطاع تقويضه، وهي مسألة لا يشاركه فيها إلا إيهود باراك، زعيم حزب العمل ورئيس الحكومة الإسرائيلية في العام 1999 ـ 2001، لكن أثر نتنياهو هو الأكبر، والأكثر رسوخاً، وفاعلية، في السعي لوأد ولادة كيان فلسطيني مستقل في الأراضي المحتلة (1967). وفي هذا المجال ترجم نتنياهو عقيدته السياسية التي تتمحور حول إسرائيل الكبرى، القائمة على التلاقح بين اليمين القومي والديني، وأمن الدولة اليهودية أولاً، وإبقاء السلطة الفلسطينية في حدود الحكم الذاتي المقيّد، وعند مشروع “السلام الاقتصادي”، الذي يعضد فكرته عن الليبرالية الاقتصادية المتوحشة.

بيد إننا اليوم، مع تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، إزاء إضافة جديدة لسجل نتنياهو، تمكن منها بتحكمه بالسياسة الإسرائيلية منذ العام 1996، أي منذ أكثر من ربع قرن، وبمهارته السياسية، التي أدت إلى انقلاب الموازين لصالحه، وهو ما نجح فيه هذه المرة، أيضاً، بحيث استطاع توحيد الأطراف اليمينية، والدينية المتطرفة، تحت رايته، على رغم أن التناسب لم يتغير في أصوات الناخبين الإسرائيليين، بين انتخابات الكنيست السابقة الـ 24 لعام 2021، والحالية الـ 25، لعام 2022.

في المحصلة، فإن الجديد الذي يأتي به نتنياهو اليوم، له وجهان، واحد للفلسطينيين والثاني للإسرائيليين، الأول، يتمثل بإحداث قطيعة شاملة مع فكرة، وعملية التسوية مع الفلسطينيين. أما الثاني، فيتمثل بالقطيعة التي يحدثها بين الإسرائيليين، علمانيين ومتدينين، وهي في الوجهين المذكورين بمثابة قطع بين اليهودية والديموقراطية، لصالح الأولى، إذ بات من المتعذر الاستمرار في تلك المعادلة الصعبة، التي نشأت مع إسرائيل منذ قيامها، ولو شكلياً.

ويدلل على ذلك المحلل الإسرائيلي أوري مسغاف، في مقال بعنوان: “حرب نتنياهو المقبلة: الكلّ ضد الكل!”، باعتباره أن “المواجهة لن تقف هذه المرة وراء الخط الأخضر، ولن تحدَّد بالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني … هذه المرة، المواجهات بين العرب واليهود ستكون بين النهر والبحر، مستوطنون وكهانيون في مواجهة وحدات سلاح البر المؤلف أصلاً منهم، وبين اليمين واليسار. فحتى قبل وضع الشرطة و”حرس الحدود” بإمرة بن غفير وبقية أجهزة الأمن تحت إمرة زميله سموتريتش، ثمة، اليوم، ميليشيات مسلحة تعمل باسم “استعادة هيبة الدولة”. (“هآرتس” 2 كانون الأول/ديسمبر 2022). أما ابراهام بورغ وهو أحد قادة حزب العمل ورئيس الكنيست سابقاً، فيحيل ذلك إلى التناقضات التي نشأت مع إسرائيل منذ قيامها، بقوله: “تجري في إسرائيل ثلاث حروب باردة وهي الصراع بين الاستقلال اليهودي والنكبة الفلسطينية، والتوتر البنيوي بين السيادة الحاخامية والديموقراطية التي تنتمي لكل المواطنين، والحرب بين المحافظة الراسخة والليبرالية المنفتحة… وجد هنا تفوق عرقي، احتلال فاسد، ديانة يهودية لا تعرف كيفية مواجهة سيادة اليهود ومبدأ “شعب الله المختار”، الذي يناقض مبدأ الديموقراطية”. (“هآرتس”، 17/12/2022).

مثلاً، ففي وثيقة الخطوط العريضة، للائتلاف الحاكم، الذي تألف من أحزاب ليكود واليمين الديني والقومية المتطرف، ضمنهم عدد من الفاسدين، والمتهمين، وأتباع “كاهانا، وزعران المستوطنين أو “الأعشاب الضارة”، بحسب التوصيف من قبل إسرائيليين، تم التأكيد على أن “للشعب اليهودي حقاً حصرياً وغير قابل للتقويض على كل مناطق أرض إسرائيل… ستدفع الحكومة الاستيطان وتطوره في كل أنحاء أرض إسرائيل، في الجليل والنقب والجولان ويهودا والسامرة، أي الضفة الغربية”. أيضاً، وبالتوازي، جاء في تلك الخطوط أن “الحكومة ستنفذ خطوات من أجل ضمان القدرة على الحكم وإعادة التوازن اللائق بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية”؛ في إطار محاولة الحد من السلطة القضائية (المحكمة العليا)، التي تتهم أنها صرح للعلمانية، لصالح السلطتين التشريعية والتنفيذية.

في كل ذلك بدا نتنياهو، لدى العديد من أصحاب الرأي في إسرائيل، كخطر على الإسرائيليين، أيضاً، إذ يقول يوسي فيلتر: “نتنياهو 2022 – 2023 فوضوي، خطير، عديم المسؤولية، وعديم الكوابح والعنان… هو شخص يشكل خطراً واضحاً وملموساً على الأمن القومي”. (“هآرتس”، 28/11/2022). أما يوسي هدار، فبرأيه أن “إسرائيل آخذة في التفكك… لم يعد الحديث يدور فقط عن التوترات المعروفة بين اليمين واليسار، المتدينين والعلمانيين، المركز والمحيط … هذه المرة يدور الحديث عن كانتونات حقيقية، بغياب حوكمة وبفقدان سيادة … منذ نشأت وإسرائيل تعيش تهديدات لا تتوقف من الخارج، لكن يُخيل أن التهديد الأخطر هذه المرة، هو التهديد الوجودي، هو من الداخل (“معاريف”، 23/12/2022). ويلخص تسفي بارئيل الوضع بالآتي: “سيؤلف بنيامين نتنياهو حكومة تنهي عهد “الديموقراطية” الإسرائيلية كما عرفناها في أكثر من 70 عاماً. هذه هي نتيجة حكم نتنياهو الطويل والعقيم المملوء بالتضليل، والفساد، والتحريض، والعنصرية وجرى خلاله الاحتفال بحرية واحدة هي حرية المستوطنين… نتائج الانتخابات… لخصت الرؤية التي صيغت بتصميم ودقة، وكان الهدف منها القضاء على العلاقة الكاذبة بين “اليهودية” و”الديموقراطية”، وصوغ وحش إثني – فاشيّ”. (“هآرتس”، 2/11/2022).

من كل ذلك، فإن إسرائيل تبدو بمثابة دولة شرق أوسطية، في العديد من وجوهها، بما يعني قطعها مع ما روجته عن نفسها كواحة للحداثة والديموقراطية وكامتداد للغرب في المنطقة.

عن النهار العربي

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *