نبيل عمرو في الحلقة الثانية من كتابه الجديد “أطول أيام الزعيم”

من عادتي ان استيقظ مبكرًا، غالبا عندما تشير عقارب الساعة الى السادسة صباحا، أكون في كامل جاهزيتي لبدء يوم عمل طويل، ذلك أمرٌ بديهي تماما حين يكون عملي إدارة إذاعة مرتجلة، تنقصها معظم المقومات الأساسية للإذاعات العادية والمستقرة.

الاستيقاظ المبكر، وفق الساعة البيولوجية كما يقال، لا يرتبط بالنسبة لي بساعات النوم، فكثيرا ما كنت استيقظ في الخامسة صباحا مع انني نمت في الثالثة. يحدث ذلك مع كثيرين من امثالي، الذين يعملون مع القائد العام. فطريقة عمله تحدد طريقة حياة من يعملون معه. وباستثناء أوقات سفره حيث يتحكم المضيفون ببرنامجه، فإن الذين لم يسافروا معه يستطيعون قضاء وقت حر، ويستمتعون بترف النوم المبكر والاستيقاظ المتأخر!

في ذلك الصباح وبعد ان انهيت عملي اليومي، اذ أكملت مراجعة المواد الاذاعية التي ستبث في الفترة الصباحية ووضعت توقيعي عليها كإشارة لابد منها كي يقرأها المذيعون كمادة مجازة، جلست على الشرفة المطلة على شارع يحمل اسما غريبا بعض الشيء، ” ساقية الجنزير”. شرعت في شرب قهوتي كالمعتاد. كنت اشعر بمتعة مراقبة بيروت وهي تنعم بصباح هادئ، بينما ساكنوها قد تحرروا من طقوس الحرب، بعد أن كانوا يقضون أياما بلياليها داخل الاقبية الرطبة، ولا يجرؤون على مجرد قطع الشارع. فالموت يكمن وراء الجدران وفي كل الثنايا.

كم كانت جميلة تلك المدينة في ذلك الصباح المشمس والخالي من دوي الطائرات، الذي كان يسمع بعد ان تتم واجبها بتحويل بنايات عملاقة الى ركام في لمح البصر.

كان الناس قد صدقوا ما نُقل عن غرف عمليات المتقاتلين بأن الحرب وضعت أوزارها. فقد صمد آخر وقف لإطلاق النار أعلنه المبعوث الأمريكي لعدة أيام خلت، ذلك وكما قيل في حينه، تم لحاجة الوسيط الأمريكي الى هدوء شامل يكمل فيه ترتيباته بإخراج المقاتلين الفلسطينيين وعلى رأسهم قائدهم العام الى منافٍ جديدة تقع كلها على شواطئ البحر البعيدة.

اخبار كهذه اغرت اهل بيروت او على الاصح الساكنين فيها بالعودة السريعة والمتحمسة الى حياتهم العادية التي الفوها في زمن الهدوء. فصرت تشاهد ازدحاما في الأسواق التي كانت مهجورة تماما طيلة أيام الحرب، واكتظاظا في مقاهي الرصيف التي اشتهر بها شارع الحمراء، أرقى الشوارع التجارية والثقافية في الشرق الأوسط.

بيروت… المدينة التي تتمتع بقدرات خارقة على التكيف ومواصلة الحياة، وتحييد الخطر بالتعايش معه، بدت لي في ذلك اليوم كما لو انها قررت وقف الحرب من جانب واحد. فها هي تستأنف حياتها العادية وكأن الحرب التي اوشكت على اكمال شهرها الثالث وقعت في زمن غابر. بدا لي أن الحنين الإنساني للعودة الى الحياة المألوفة أقوى فاعلية من معادلات القوة والمليشيات والاجندات المدججة بالسلاح. تلك معادلات تم تدمير بيروت عدة مرات على أساسها، في صراع هو من النوع الذي لا يحسم.

في الأيام الأخيرة للحرب، وبعد ان ضاقت مساحة المقاومين لتنحسر في مربع لا يزيد عن أربعة كيلومترات، غادر معظم المحاربين. كانت تشكيلاتهم ذات الانتماءات المتعددة والاجندات المتوافقة والمتباينة منتشرة على ساحة لبنان كله ليتكدسوا أخيرا داخل هذا المربع الضيق. صرت ترى اللون الزيتي الذي هو لون لباس المقاتلين وقد اصطبغ به وجه شارع الحمراء الذي لم يكن لفرط ترفه ورفاهيته ليستقبل هذا النوع من البشر. لقد فتحت لهم مقاهي الرصيف ومحلات بيع الألبسة الفاخرة، وعلقت على الواجهات يافطات بأحجام مختلفة تدلل على البضاعة المعروضة والتي كسدت بفعل الحرب وانعدام المتسوقين. عرضت بأسعار قدّر الباعة المتلهفون على تعويض ما فاتهم بفعل اغلاق دام اكثر من شهرين انها في متناول يد الذين سيغادرون اما غدا او بعد غد، حتى ان كثيرين من الباعة علقوا يافطات على أبواب حوانيتهم كتب عليها: “أسعار خاصة للأبطال الذين دافعوا عن بيروت”، ومحل احذية كتب صاحبه على بابه يافطة تقول “اشتري حذاءً بسعر منخفض واحصل على آخر مجانا”.

كان ازدحام لابسي الكاكي ومعظمهم يتمنطق بسلاحه “الكلاشينكوف”، ويطوق خصره بالجعب المليئة بالرصاص في الشارع الذي لم يكونوا ليجرؤا على مجرد المرور منه، مؤشرا بسيطا وبليغا وحاسما على ان الشارع الذي هو رمز بيروت الباذخة، لا يودع جيش الحرب الذي يتأهب للصعود على ظهور المراكب بل يودع زمنا انقضى ليستقبل زمنا آخر لا يعرف الكثير عن ملامحه ومجرى الحياة فيه. كان الخوف من الزمن القادم يحتل بيروت. غير ان تواطؤاً خفيا مع الحياة اجل المخاوف كي لا تفسد ما اقتطعه الناس من بعض أشياء الحياة العادية. هذه هي بيروت.. الواجهة الزجاجية لكل الاجندات المستحيلة، والمقر الدائم لتعايش الوهم الجامح مع الحقائق المعاكسة. بيروت هذه حملت في جوفها اجنة من كل نوع من ميلشيات تَعّد بالعشرات وتَعِد بتغيير الكون الى أحزاب عائلية تعد بدولة حديثة ديموقراطية حرة ومستقلة… الخ.

الى مندوبين لكل مخابرات الكون، ممن جعلوا بيروت ساحة للصفقات والتفاهمات والصراعات. الى سكان مخيمات راودتهم أحلام الانتقال من صبرا مثلا الى يافا وحيفا محتفظين بمفاتيح بيوتهم التي أرغموا على مغادرتها دون ان يفارقهم الامل بالعودة اليها في اليوم التالي، ظل هذا الامل قائما حتى بعد ان صار اليوم التالي عشرات السنين.

عبقرية بيروت انها حملت كل هذا الخليط من الآمال المستحيلة وما تنطوي عليه من أوهام وتظاهرت بتصديقها. وتساوقت مع من برروا حياتهم وموتهم وحروبهم وترفهم بها. حين دقت ساعة الحقيقة بدت بيروت جاهزة لقبول الانتقال الى وضع مختلف وكأن ما كان بقتلاه وجرحاه ومهجريه ودماره سوف يمحى من الذاكرة كما لو ان ورقة من المفكرة ازيلت وظهرت محلها ورقة جديدة.

من شرفتي رأيت جارنا الساكن في الدور الأول من البناية المقابلة يغسل سيارته بإسراف في الماء الذي كان شحيحا قبل ان يتفق الناس على ان الحرب وضعت أوزارها. ورأيت السيدة ام بشارة الفلسطينية اللبنانية تتناول قهوتها الصباحية وتدعو من تعرف ولا تعرف لمشاركتها متعة القهوة والشمس والهدوء. كنا نسميها “دار الالسن”، فهي تتكلم مع اللبنانيين بلهجتهم وبإتقان كما لو انها منهم، ومع الفلسطينيين باللهجة التي أتت بها من حيفا. اما لغتها الفرنسية فلم تكن تجد من تتحدث اليه بها.

كانت ام بشارة تعرف ان الشقة المقابلة لشرفتها هي مقر الإذاعة الفلسطينية. وأكثر من مرة طلبت منا كتابة تعليقات تهاجم كريستوفر كولومبس لأنه ابتلى البشرية باكتشاف أمريكا.

حين يحتل الحنين الملحّ النفوس للعودة الى الحياة العادية فإن الذين قضوا ثمانين يوما بلياليها الحربية القاتمة وارغموا على تنفس رائحة الاقبية الرطبة تحت الأرض ورائحة البارود وغبار الاسمنت، وجدوا انفسهم بحاجة لابتكار مجالات للاستمتاع، فكثرت مواعيد العشاق، وارتدت بنات بيروت اجمل ما لديهن من ملابس كانت مهجورة طيلة أيام الحرب. وانا اراقب المشهد الذي يجسد قوة الرغبة في الحياة العادية وجدتني انساق الى تخيلات كانت مؤجلة بفعل الاستغراق الكامل في العمل، بإدارة إذاعة تبث على مدى ثلاثة او أربعة اضعاف بثها في الأيام العادية مع مهام أخرى كان يتطلبها عملي المباشر كواحد من جيش مساعدي الرئيس … مرت في خاطري أصغر افراد عائلتي نادين، التي ولدت أيام التمهيد التدميري للحرب فاضطررت لايداعها مخاطرة مغادرة بيروت وهي لم تكمل بعد شهرها الرابع. ومر في خاطري ابني مروان الذي ولد في يوم قصف وها أنا ذا أحاول تخليصه من قصف آخر.

وابنتي الجميلة والذكية نرمين التي كانت تحرجني بتعليقاتها الجريئة، وابني البكر طارق الذي كان ما يزال في بدايات تعليمه وقد تناوبت عليه ثلاث مدارس في القاهرة ثم عمان ثم بيروت، اما آخر العنقود محمود فلم يكن قد ولد بعد. وامنا جميعا زوجتي بشرى التي اتقنت أداء دور الحاضنة الآمنة في الغربة والخطر. لم تكن مجرد زوجة ترعى شؤون ابن عمها المرتحل من منفى لآخر والذي فرضت عليه اسفاره ان يورطها في حياة غير مستقرة معه. كانت في حياتنا أكثر وأعمق من ذلك بكثير. فهي الصديقة والمساعدة والام وشريكة العيش في بيت على السطوح في القاهرة، وبيت تحت مطر القذائف في بيروت.

قررت ترحيلهم لتحرير نفسي من القلق عليهم وابعاد خطر قذيفة تقتحم النافذة لتهلك بشظاياها كل ما في شقتي الصغيرة من حياة. كل ذلك ايقظته في ذاكرتي الشمس الساطعة وصخب الحياة العادية والشوق للتخلص من الحرب.

حين كانت فكرة الخروج النهائي من بيروت قد سيطرت علي وعلى زملائي جميعا صرنا نتحدث عن المنفى القادم. هذا تناسبه الحياة في سورية حيث الذكريات التي خبت تحت وهج ذكريات استجدت في بيروت ثم ان سورية كما كان يقول الذين سيتوجهون اليها قريبة لو عدنا يوما الى لبنان وقريبة كذلك لو شاءت الاقدار ان نعود الى الأردن. وبالنسبة لي فالأردن هو المكان الأكثر ملاءمة للحياة وأفضل ما فيه انه المكان المتاح للقاء الاهل الذين يعيشون في بلدي المحتل.

كان الشوق للتخلص من خطر الحرب مقترنا بشوق متزايد للقاء بشرى والأولاد الذين يعيشون في كنف اخوالهم في مدينة الزرقاء، قدر الفلسطينيين بعد كل معركة او مقتلة ان يفاضلوا بين المنافي. هكذا كانت أحاديثنا ونحن نتأهب لمغادرة بيروت، وهذا إذا ما نجونا من مفاجآت الأيام الأخيرة.

عن القدس الفلسطينية

Author: فريق التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *