مَنْ آمن بي ولو مات فسيحيا..!!


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

إذا كان ثمة من أمنية: أتمنى لو عاد حسن البطل إلى الحياة ساعات قليلة، ليرى قدر ما أحاط برحيله من إحساس بالخسارتين الفردية والجمعية، واعتراف بالفضل والكفاءة والموهبة، ناهيك عن الإعجاب والمحبّة، من جانب أصدقاء ومعارف وآخرين لم يلتق بهم لكنهم تأثروا بغيابه كمن فقد فرداً من العائلة.

لم يكن مفتوناً بنفسه، ولا مريضاً بها، ولكن أعداد القرّاء، وردود أفعالهم، خاصة إذا كانت إيجابية، على ما يكتب، كانت تبعث البهجة في النفس إذا زادت، أو الشكوى ومغالبة الأسى باللامبالاة إذا نقصت. وعلى خلفية كهذه تحالفت ذاكرة حديدية، مع قلق ذاتي دائم ومبرر، ليصبح كلاهما مصدراً لشواهد تبدو، في نظر صاحبها، وكأن لها وقع الحادثة التاريخية، في سيرة غنية واستثنائية. لم يكن لينسى “إساءة” مهما ابتعدت في الزمان والمكان.

فبعد فوزه بجائزة فلسطين للمقالة في عام 1998، كان حريصاً على تذكير محمود درويش، الذي كان رئيساً للجنة الجوائز، بحادثة وقعت، قبل ما يزيد عن عشرين عاماً، في بيروت، وخلاصتها أن النحّاتة الأردنية منى السعودي، أذاعت خبر زواجها من حسن البطل في جلسة ضمت محمود درويش وأدونيس. علّق محمود، يومها، بعفوية ونزق، مألوفين، حكمتهما “القافية”، لا الرغبة في الإساءة إلى أحد: ومن هذا النكرة؟

وصل التعليق إلى “مسامع” البطل، (والصحيح أنه التقطه بعينيه، بعدما تدرّب على قراءة الشفاه، بعد تلف حاسة السمع لديه) وظل حياً في ذاكرته. يوم استلام الجائزة، قال البطل لمحمود درويش، الذي نسي الحادثة تماماً: “خيّا أنا النكرة”. ولا أذكر مرّة التقيا، وحضرتُ اللقاء، إلا وأعاد على مسامعه الحادثة، والعبارة نفسها، بمزيج من الشكوى والاعتداد بالنفس.

وبقدر ما أرى، لم تكن ثمة حاجة أكثر أهمية مما تستدعي الوقفة الأخيرة من ضرورة الاعتداد بالنفس، حين يصبح الموت حقيقة نهائية، باردة، وأكيدة. قرأت في آب الماضي مقالة للبطل عن فوز الطالبان، وشعرت أن فيها ما يجعل منه “مغفلاً مفيداً” بالنسبة لمستثمري ومروّجي الإسلام السياسي. وكالعادة، فصّلت تحفظاتي في رسالة خاصة، فأخبرني أنه كتبها وسط أسبوع من الفحوصات الطبية، نتيجة “علّة في الرئتين” (على حد تعبيره)، وأنه سيدخل “الاستشاري” في اليوم التالي.

يومها، وخزني قلبي. ووقعت عيني في أيلول على صورة له بجهاز التنفس، على الفيس بوك. فأرسلت له راجياً (نتيجة صداقة مديدة، ومن باب الإعجاب، والمحبة الصافية، كما ذكرت) ألا ينشر المزيد، وألا يسمح لأحد بالتقاط، ورفع، هذا النوع من الصور. كتبت، أيضاً، لأحمد داود، صديقنا المشترك، بهذا الخصوص.

ومن حسن الحظ أن البطل أدرك دلالة الترفع، في لحظة الروع، عن استثمارات عاطفية في الفضاء الافتراضي. فالحياة كما ينبغي أن تُعاش بكرامة يجب أن نتجرّع كأسها الأخيرة بكرامة، أيضاً. في الموت، كما في الحب، أشياء حميمة، شخصية تماماً، وشديدة الخصوصية، لا تترجمها لغة، ولا تقبض عليها صور، ولا تليق بها وجوه الحزن، أو اللايكات، على صفحات التواصل الاجتماعي.

وباستثناء صورة مع ابنه، يبدو فيها وقد فقد شعره، تماماً (نشر الصورة ليقول هذا ابني، أكثر من أي شيء آخر) لم ينشر البطل المزيد من الصور، والأهم لم يرفع تعليقات وأخبارا تتصل بالمرض. وعندما أخبرني أحمد داود عن “هربه” من المستشفى بدعوى أنه يريد أن “يتمشى”، وأن “يجلس في المقهى”، كان في الصورة، كما في حادثة “الهرب” ما يشبه طقوس وداع شخصية، حميمة تماماً، وشديدة الخصوصية للحياة، حتى الصور القليلة التي التقطها لأحياء وبيوت في رام الله كانت من طقوس الوداع، التي شكّلت، مجتمعة، ما يشبه لوحة شفافة بألوان مائية غائمة.

كانت رام الله محطة البطل الأخيرة، في الطريق إلى البيت، وفي طريق البيت. ولا أعتقد أن أحداً من “العائدين” كتب عن رام الله، وعاش فيها ومعها، ورصد تحوّلاتها الكبيرة والصغيرة، في ربع القرن الأخير،  كما فعل. أو كما يليق بجندي، في محطة أخيرة، وصياغة مختلفة.

أعرفُ أن في هذا ما يستدعي التفسير. وإذا كان ثمّة من ضرورة لتفسير “كل ما فعل” في حياة اختلط فيها الشخصي بالعام، وتجلّت فيها وجوه وأحداث تسكن وتؤثث الذاكرة الجمعية للفلسطينيين، شعباً وقضية، فيمكن اختزالها في حقيقة أنه التحق بالحركة الوطنية الفلسطينية كنوع من الخدمة الإلزامية، التي لا تحكمها فترة زمنية محددة، وأنه لم يشعر أن في هذا ما يمنحه حقوقاً خاصة أو امتيازات، ولم يخامره الشك، يوماً، في صواب قلبه، أو حكمة قيادته. لماذا؟ لأن هذه كلها، في نظره، من صفات الجندية الجيّدة، أو سمها الوطنية، إذا شئت.

وما أضفى على خدمة البطل الإلزامية المفتوحة (وطنيته، إذا شئت) أهمية منحته عناد جندي، لا يكل ولا يمل، أنها استمدت خصوصيتها من موهبة أصلية وأصيلة صقلتها المعارف والتجارب، وحساسية لغوية من طراز رفيع، ناهيك عن بوصلة سياسية مرهفة، وشجاعة الخروج على المألوف، وبراعة تسديد ضربات تحت الحزام، إذا وكلما استدعى الأمر. وهذه كلها أشياء لم يضفها إلى رصيده الشخصي، على طريقة المرضى بأنفسهم (وهم أقل منه وطنية وكفاءة وموهبة) بل أضافها إلى مؤهلات الجندية الجيّدة، وأضافها، بلا شك، إلى رصيد،  وحسن حظ، الشعب والقضية.

في الطريق إلى البيت، وفي طريق البيت، وجرياً على تقاليد الوطنية التي أنجبت البطل:

البلاد أعطت والبلاد أخذت، مبارك أسمها إلى أبد الدهر، وفي العالمين.

 تقول البلاد، كما قال ابنها وحبيبها يسوع: مَنْ آمن بي ولو مات فسيحيا.

عن الأيام

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: حسن خضر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *