ميكافيلي و “سيف القدس”


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

حين ألّف ميكافيلي كتابيه الشهيرين “الأمير” و “المطارحات” مع بداية القرن 16، كانت في حينه بلاده ايطاليا مفتتة ومقسّمة الى خمسة مناطق متنافسة (نابولي وميلانو والبندقية وفلورنسا وسلطة البابا)، وكان غرضه من الكتابة ايجاد مخرج لحالة التفتت تلك وتوحيد ايطاليا. ومن القضايا التي استوقفته في معاينته لأحوال بلاده دور الكنيسة، حيث وجه لسلطتها وللبابا انتقاداً حاداً ولاذعاً حيث حمّلها مسؤولية ضعف ايطاليا وتمزقها وعدم قدرتها على التوحد. وقد استند ميكافيلي في نقده الحاد للكنيسة الى مسوغين الأول أن الكنيسة لم تكن قوية بقدر يمكنها من توحيد (تحرير) ايطاليا، والثاني انها لم تكن على قدر من الضعف يمكّن الآخرين من تجاوزها وإنجاز ما لم تكن هي قادرة على تحقيقه وهو استعادة حرية ايطاليا. وقد رافق ذلك تمتّع الكنيسة والبابا بعلاقات دولية كرّسته كزعيم ليّن الجانب، لم يعارض تدخل الآخرين في شؤون ايطاليا، الأمر الذي اثار حفيظة ميكافيلي ودفعه لتوجيه نقد حاد للكنيسة وسلطة البابا وحملهما مسؤولية ضعف ايطاليا. الآن، هل من وجه شبه بين حالة ايطاليا في مطلع القرن 16 وسلطة الكنيسة في حينه، والحالة الفلسطينية  اليوم؟

الإجابة على هذا السؤال هي نعم لعدد من المسوغات، الأول ان حال فلسطين اليوم يشبه حال ايطاليا، فهي أيضا مفتتة ومقسّمة جغرافيا وديمغرافيا حيث هناك خمس مناطق غير متماثلة (الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس و مناطق 48 والشتات)، جميعها تخضع لسلطات وقوانين مختلفة وظروف حياتية وسياسية متباينة. ويأتي هذا التفتيت كجزء من سياسة مدروسة من قبل دولة الاحتلال هدفت الى كسر شوكة الفلسطينيين وشطب حقوقهم وتبديد قدرتهم للحيلولة دون انتزاع تحررهم وكرامتهم. كما هم منقسمون سياسيا منذ أمد طويل بدءا بصراع وتنافس القيادات التقليدية في ثلاثينيات القرن الماضي، ومرورا بهيمنة واستئثار حركة فتح على منظمة التحرير وسيطرتها على القرار السياسي، وانتهاءً بالانقسام القائم اليوم بين مشروعي غزة ورام الله.

شبه آخر هو القوة الوسطية للسلطة الفلسطينية (كما كان حال الكنيسة في ايطاليا)، التي هي قوة لا تمكّنها من التصدي للسياسات الاسرائيلية من جهة، كما هي ليست على قدر من الضعف ليتم الإطاحة بها واستبدالها بطرف آخر ربما أكثر قدرة منها على تحرير البلاد من جهة أخرى. فالسلطة الفلسطينية طرف ضعيف وقوي في آن واحد، فهو ضعيف أمام اسرائيل التي تسيطر عليه في كل مجال إلى درجة أن رئيس السلطة نفسه لا يستطيع الانتقال من مكان لآخر في الضفة الغربية أو خارجها دون تنسيق أمني مع دولة الاحتلال. في الوقت ذاته، السلطة أقل ضعفا (أو أكثر قوة) أمام مواطنيها فلديها الموارد المادية (المال والضرائب والمنح والمساعدات والمناصب والامتيازات)، والموارد القهرية (أجهزة الأمن والشرطة والسجون والمراسيم “الرئاسية”)، وكذلك الموارد الرمزية (العلم والنشيد الوطني وصور القادة … الخ)، التي تمكّنها من الضبط والترويض والقمع، أو ما يسمّى الحفاظ على القانون والنظام العام. ما يسوغ للسلطة فعل ذلك هو خشيتها من تراجع قدرتها على احتكار العنف الداخلي، مُعتقدة انها تمتلك ذلك الحق، ومنع تنامي أي معارضة حقيقية لها، سواء جاءت هذه المعارضة من حركات وأحزاب كحركتي حماس والجهاد أو من الشارع العادي الحانق من سياسات السلطة الاقتصادية والإجتماعية.

وقد بلغ التخوف أوجه مؤخرا عندما قررت قيادة السلطة في رام الله تأجيل (أو ربما إلغاء!) الإنتخابات التشريعية والرئاسية وذلك خشية من نتائجها المحتملة، التي ربما كانت ستقذف القيادة الى شواطئ جديدة لن يكون من السهل لها العوم بمياهها العميقة بيسر وسلام. عبر ذلك، اتضح ان السلطة الحالية لا زالت تتمسك بالوضع الراهن ولا تريد تغييره رغم تصريحاتها التي توحي برغبتها بذلك، فهي لا تريد تغييراً يُحدِث تحولاً جدياً وعميقاً في الخارطة الكفاحية في فلسطين يمكن أن يُخرجها من المعادلة. فالقيادة الحالية لا زالت تراهن على عودة المفاوضات حيث هي خيارها اليتيم بعد عدم نجاح استراتيجية المقاومة الشعبية السلمية التي طالما دعا اليها رئيس السلطة.

إن التحدي الأكبر أمام قيادة السلطة الفلسطينية اليوم هو كيفية محاصرة ارتدادات تحديين تجدهما أمامها ربما يكونا وجوديين: الأول انعكاسات هبة القدس والشيخ جراح الشعبية التي هزّت أركان دولة الاحتلال سياسيا وأمنيا وأخلاقيا، بعد أن وجدت اسرائيل الفاشية نفسها وجها لوجه أمام سبعة ملايين فلسطيني في القدس والناصرة واللد ونابلس وغزة وسبعة آخرين في الشتات، أصبحوا جميعا يرون أن نكبتهم لا زالت مستمرة. لقد جاء هذا المشهد بتحد جدي للقيادة الفلسطينية، تمثل بانكشافيتها الشديدة ومحدودية قدرتها على ان تكون ضابط ايقاع أو “مايسترو” الحالة الوطنية الجديدة بعمومها، بعد انسلاخ تلك القيادة عنها وتوجيه جهدها ومواردها صوب السلطة والحكم دون اهتمام بمصير بقية الفلسطينيين. اما التحدي الثاني فيتمثل بتبعات منازلة “سيف القدس” وصمود غزة في وجه الهمجية العسكرية الاسرائيلية الجبارة، الأمر الذي ترى به حركة حماس انتصاراً مظفراً على اسرائيل. لقد أوقعت هذه المنازلة القيادة الفلسطينية برام الله في حرج وإرباك شديدين، حيث وجدت نفسها مضطرة للوقوف الى جانب غزة وحماس، مع علمها المسبق ان حماس لن تقبل أن لا تكون كاسباً كبيراً في أية محادثات سواء حول حصار غزة وإعادة إعمارها أو حول إنهاء الانقسام الداخلي وعقد الانتخابات وتشكيل حكومة وفاق وطني.

أما بالنسبة لحماس، فعلى الرغم من انها لم تخسر هذه الجولة (لا بل يمكن ان يرى البعض أنها انتصرت)، الا ان الخروج باستنتاجات قطعية بخصوص الحالة الفلسطينية واشتباكها المباشر مع دولة الإحتلال لا زال مبكراً، لا سيما ان الامور السياسية لا تُحسب الا بخواتمها ومآلاتها النهائية. أما الخواتيم والنهايات فهي ما سيبلغه الحال الفلسطيني في المديين القصير والمتوسط، ما يتطلب التريّث والحذر وكذلك عدم الإغراق في التفائل، فالطريق نحو الحرية والكرامة لا زال شائكاً ومليء بالعقبات والمنزلقات، كما هو بحاجة الى ما بعد بعد الصواريخ، وللحيلولة دون المبالغة والوقوع بالوهم لا بد من الإجابة على الأسئلة التالية:

أولا: هل كان تدخل حركة حماس عسكرياً في موضوع القدس ضرورياً؟ إن كان الجواب نعم، هل كان توقيته مناسباً، خاصة أنه جاء في ظل حالة مقاومة شعبية عارمة عمت فلسطين التاريخية؟ هل تستطيع حركة حماس مواصلة ذات التدخل العسكري حال استمرار التنكيل الاسرائيلي اليومي بالمقدسيين؟

ثانيا: كون المقاومة العسكرية اجتهاد سياسي من طرف حركة حماس في غزة، ما الذي يلزم فلسطينيين آخرين ليسوا من غزة وليسوا من حماس (11 مليون فلسطيني) قبول ذلك الإجتهاد، خاصة انهم ليسوا جزءاً منه، كما انهم لا يستطيعون عبره مقاومة إسرائيل؟ فمن اين يأتي ابن اللد وسلوان ونابلس بالصواريخ؟ في حالة هذه الفوضى التي تعتري سبل المقاومة مَنْ يمثّل مَنْ وكيف؟

ثالثا: كيف يمكن الرد على القول ان حركة حماس تحتكر المقاومة تماماً كما تحتكر حركة فتح المفاوضات؟

رابعا: في حالة انفتحت  اميركا على حركة حماس كما انفتحت على منظمة التحرير، هل ستحصل حماس على نتائج افضل من تلك النتائج التي حصلت عليها المنظمة بعد ابتعادها عن المقاومة المسلحة؟

إن الاجابة الصريحة والمسؤولة على هذه الاسئلة، والتي ينبغي أن تكون بمنأى عن العواطف والإنفعالات، هي أمر في غاية الأهمية إذا ما أردنا أن لا تتعاظم الفجوة والفرقة بين حركتي حماس وفتح من جهة، وبينهما وبين الشارع المقاوم سلمياً من جهة أخرى. أما الاخفاق في ذلك فسيكون بمثابة تلك الهديّة الذهبية التي يمكن أن يقدمها الشعب الفلسطيني لجلاديه في تل أبيب.

 

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: باسم الزبيدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *