ميشيل كيلو في فلسطين


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

(نص الكلمة التي ألقيت في ندوة افتراضية عقدت يوم 16 ابريل 2022 بمناسبة مرور سنة على وفاة ميشيل كيلو)

في ندوة سابقة لملتقى فلسطين تحت عنوان “”فلسطين معنى للحرية والكرامة والعدالة… لا تطبيع مع إسرائيل الاستعمارية الاستيطانية العنصرية.. فلسطين قضيتنا” والتي عقدت بتاريخ 12 ديسمبر 2020، أي أربعة اشهر قبل وفاة المناضل ميشيل كيلو يوم 19 ابريل 2021، وكان الراحل ميشيل كيلو من ضيوف اللقاء، سألته مديرة الجلسة، الإعلامية سعاد قطناني “من الصعب علي أن أعرف على عزالدين القسام على أنه سوري فهو كان فلسطيني بقدر سوريته، فهل يحق لي القول إن ميشيل كيلو كان فلسطينيا بقدر ما كان سورياً؟ فأجاب”لا أعتقد أن هناك حالة في العالم العربي أكثر التصاقا مع فلسطين مثل حالة السوريين، ففلسطين بالنسبة لسوريا ليست مسألة أمن وطني بل هي مسألة أمن شخصي…” انها برايه تلك الحميمية المتصلة التي تربط السوري بالفلسطيني، وبالعكس.

بمعنى اخر فان الإجابة عن سؤال العلاقة بين السوري والفلسطيني، أعطاها ميشيل كيلو نفسه، وبالنيابة عنا وعن عموم اصدقائه والمؤمنين بدربه، عندما نوه في الندوة التي اشرت لها، بالعلاقة المنسجمة، المتلاصقة – حد التماهي، بين الفلسطيني والسوري، بين السوري والفلسطيني، في الجغرافيا، والثقافة والاجتماع.. والسياسة وأهدافها وسموها وانحطاطها وآلامها، في ان معا.. كلنا شاميون في ذلك واكثر… حصار وقصف اليرموك لدى ميشيل كيلو ولدي، ولدى كل المؤمنين بالإنسانية اجمالا، وبالقضية الفلسطينية والسورية معا.. لا يختلف عن قصف دير ياسين، ولا قصف حماة وريف دمشق، ولا عن حصار جنين ومخيمها وقصفها ولا غزة وقصفها.. انها وحشية الالة العسكرية في مجابهة الحياة ونزعتها البدائية للحرية وللانطلاق….

عندما تراجع مقالات ميشيل كيلو السياسية، وهي متوفرة في اغلبها على شبكة النت، تستطيع بسهولة ان تضع كلمة فلسطين بدل كلمة سوريا، كلمة فلسطينيين بدل سوريين… لتحصل على نفس النص والرسائل موجهة للفلسطينيين، وبكونه فلسطينيا، كما سوريا، كما عربيا…. انها رسائل تنفع للإنسانية، ومن ضمنها الفلسطينيين والسوريين…

التجربة الطويلة لميشيل كيلو هي بالتأكيد رسالة مفتوحة للإنسانية، للعرب جميعا – من بغداد الى الصحراء الغربية، لكل السوريين، ومن ضمنهم اللبنانيين والاردنيين والفلسطينيين .. هي رسالة للذين عايشوا حياته ولمن سيأتون بعده، بعدنا… هذه الرسالة تحمل برأيي الدروس التالية، التي ان حافظنا عليها، فبالتأكيد ستنتصر الإرادة الإنسانية والديمقراطية، على الظلم والقمع والاستقواء، ومن حالفهم:

أولا، عندما وقف ميشيل كيلو في لقاء “اتحاد الكتاب العرب” عام 1979، في عز شبابه، متحديا للأسد الاب ولنظامه الفاشي، واستمر على نفس المنوال على طول تجربته، من اعلان “ربيع دمشق” مرورا بإعلان دمشق وإعلان “بيروت-دمشق”… حتى وفاته… فانه اعطانا كنشطاء انسانيين، وكعرب وكسوريين وكفلسطينيين، دروسا في التحدي والثبات ومعنىً للنضال في وجه المحتلين والغاصبين، ان كانوا منا او من غيرنا.. في دمشق وجوارها، كما في القدس واكنافها… تمعنوا في ذلك.. يقف شاب مع زملاء اخرين.. محاصرين من غير إمكانية للنجاة امام قاتل مجرم سافك للدماء – ومعروفة تجربته الدموية- يقفون بقلمهم مشهورا في وجهه.. يعلنون في قاعة محاصرة انهم أحرار وهو المسجون في قصره… تماما كما يفعل مروان البرغوثي واحمد سعدات وكريم يونس واسامة الأشقر وزكريا زبيدي وزملاؤهم في سجون الاحتلال.. في سجنهم يعلنون حريتهم وحرية شعبهم ويحاصرون السجان-المسجون…

ثانيا، تمسك ميشيل كيلو طوال حياته بالقيم الإنسانية، وروج لها من خلال تجربته الثقافية ومقالاته وكتبه، كما في الممارسة العملية، كرس نمطا إنسانيا يحتذى.. حتى عندما استضفناه في ندوتنا في الملتقى.. سمعنا كلاما عن فلسطين وأهلها عن سورية وفلسطين والتصاقهما.. عن الحرية المنقوصة والعدالة المسلوبة.. لم نسمع كلمة فيما اعتداء او انتقاص من إنسانية من يغتصب فلسطين وينفذ ابشع العقوبات والجرائم ضد الإنسانية.. بل مطالبة بديمقراطية وعدالة للجميع.. مطالبة بتحرير للناس جميعا من غير تمييز.. هذا هو جوهر ما طالب به ميشيل كيلو طيلة حياته… انها مطالبة بتنفيذ ما يطلبه لنفسه، لجميع المواطنين المتساوين في وطن الجميع…

ثالثا، نضال ميشيل كيلو لم يكن سوريا ولا فلسطينيا فقط، بل كان عروبيا وعربيا بامتياز.. قيم العدالة التي طالب بها بدمشق هي نفسها التي يطالب بها في الدار البيضاء والرياض والخرطوم وليبيا وغزة والناصرة والقدس.. انها أساس مشروع عربي نهضوي حقيقي.. كما من سبقه في ذلك من عشرات وعلى رأسهم عبد الرحمن الكواكبي الحلبي السوري العروبي، في “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”… ادرك ميشيل كيلو بالعقل والقلب، بالتعلم والسليقة، بان لا خيار ومستقبل لهذه الامة غير الخيار الديمقراطي.. ان أي خيار قومجي واسلاموي وشيوعي ويساري او يميني، ونفطي ريعي ام افقاري جاهلي، لا يصح ولا يمكن ان يكون اداتنا للتغيير ولمستقبل معقول لأبنائنا .. كل هذا صحيح سورياً وفلسطينياً، وعربيا، مجتمعين او مفرقين…

رابعا، رفضه المترابط والمتماسك للطائفية وتجلياتها واشكالها والجهوية وتجلياتها واشكالها، هو عنوان مركزي في مسيرته.. يقول لنا كما قال شاعرنا الكبير وقائد مسيرة مهمة في نضالنا، النصراوي توفيق زياد “وصيتي لكم: ديروا بالكوا على بعض – حبوا بعض”.. انها وصية التكافل والتضامن الوطني، انها رفض البدائية في التفكير والممارسة الطائفية البغيضة والجهوية المتخلفة.. رفض لها في سورية الاسدين، وفي الدولة اليهودية المبنية على الاستعمار الاستيطاني والتفوق العرقي – الابرتهايد… انها الإصرار على الإمساك بالوحدة الوطنية ورفض التفريق الطائفي او العرقي بأشكاله وبتجلياته…

واهم توصيات ودروس ميشيل كيلو تجلت في تصرفاته وشكل جلسته وكيفية سرده وحديثه… سمعته قبل وفاته على محطات تلفزيونية وفي ندوات عدة، ومنها ندوة الملتقى “فلسطين معنى للحرية والكرامة والعدالة… فلسطين قضيتنا” قبل وفاته بأشهر… يتحدث ببساطة الفلاحين البسطاء ويتضمن حديثه رسالة المثقفين الكبار… ويحث كالمناضلين المتمرسين.. انه بلا تعقيدات يبعث رسائل امل ومحبه لوطنه وللأجيال القادمة، لكل الناس، ومنهم للفلسطينيين وللسوريين ولعموم العرب بان المستقل الديمقراطي، ممكن وحتى انه حتمي، حتى لو اجتمعت الأنظمة كلها، حتى لو تكاثفت قوى إقليمية وعالمية ضد المطلب البسيط بالحرية، فان قمع هؤلاء مجتمعين هي كمقولته “قبض ريح” لن تقف امام الإرادة، التي يجب ان تتكئ أولا على إرادة وطنية داخلية، مبنية على الايمان بضرورة العدالة والديمقراطية، ومتكئه على تنظيم الناس وقدراتهم داخليا بغير أسلحة أمريكا ولا أموال أنظمة الخليج.. ومسلحة بالإرادة الوطنية التي تتسع وتتعمق من جيل الى جيل.. انها رسالته الأخيرة، بان النصر ات حتى لو بعد حين…

رحم الله المناضل المثقف الإنساني العربي السوري الفلسطيني… ميشيل كيلو.. واعلم في عالمك الابدي… باننا اصدقاؤك وملايين الناس على هدي توصياتك سائرون….

رحم الله ميشيل كيلو

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: أسعد غانم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *