موت الثقافة النقدية الفلسطينية


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

يحاول إدوارد سعيد في كتابه “ما بعد السماء الأخيرة: حيوات الفلسطينيين” تصوير حالة الفلسطينيين بعد فقدان وطنهم: فنجدهم يتجسّدون نموذجًا مثاليًا للمنفى الذي يعطي صاحبَه نظرةً خاصةً إلى الحياة والأشياء، ويعطي استمرارية وانقطاعًا من نوع خاص. وهو يؤكد اختلاف مشاعر الفلسطينيين واتحادها في آن: “فالحال أنّ مصيرنا قد كان من الاختلاف والتبعثر بحيث يستحيل مثل هذا التطابق. ومع ذلك، ليس من شك في أنّنا نشكل جماعة/ جالية بحق، وإنْ تكن جماعة/ جالية مبنيةً على المعاناة والنفي”. ويتساءل عن معنى الوجود الفلسطيني في ظل حالة الشتات التي يعانيها الشعبُ الفلسطيني: “هل نحن موجودون؟ وما دليلنا على ذلك؟ كلما ابتعدنا عن فلسطين ماضينا، تقلقل مركزُنا واختلّ وجودُنا وتقطع حضورُنا. متى صرنا شعبًا؟ متى كففنا أن نكون كذلك؟ أمْ هل نحن في طريقنا إلى أن نصير كذلك؟”.

في التجربة الفلسطينية تعمّق المنفى بمرور الزمن، وهكذا تغيّرتْ طبيعة الجماعة الوطنية الفلسطينية بشكل متزايد مع تغيّر المكان: “ببطء، راحت حيواتُنا، شأنها في ذلك شأن فلسطين نفسها، تنحل إلى شيء آخر، فإذا بنا نعجز عن الإمساك بالمركز وقتًا طويلاً”. هذا العجز عن الإمساك بالمركز ما كان ليكون لولا الحياة الثابتة والمستقرّة والمتجانسة التي عاشها الفلسطينيون في وطنهم قبل الاقتلاع؛ وهذا الاستقرار أساس المقارنة مع الحالة اللاحقة من الاقتلاع والشتات والمنفى، فبالاقتلاع “اختفى ’ثباتُ الجغرافيا‘ و’تواصلُ الأرض‘ اختفاءً تامًا من حياتي وحياة الفلسطينيين. لذلك نحن نستعيد ونُرَّقع الشيءَ بالشيء. لقد احتفظ الفلسطينيون بتموجات أصواتهم كما كانت في يافا والقدس والمدن التي خلفوها، وإنْ صارت لهجاتُهم متأثرةً بلهجة بيروت أو ديترويت أو باريس”. وتم تركيبُ حقائقَ جديدةٍ فوق الشيء الذي ضاع، فأخذت الأشياء الصغيرة في الحياة الفلسطينية تأخذ معناها المتجاوِزَ قيمتها، وتأخذ دلالاتٍ ما ورائية: الصور الفوتوغرافية، الملابس، الأشياء المنتزعة من مكانها الأصلي، طقوس الكلام والعادة. و”جميعُها أعيد إنتاجها بكثرة، وكبرتْ، وحُوِّلتْ إلى فكرةٍ أساسية، وطُرِّزتْ، وتُنوقلتْ كخيوطٍ في نسيج العلاقات التي نستعملها، نحن الفلسطينيين، لنربط أنفسَنا بهويتنا، ولنربط الواحد بالآخر”. يتمثل المأزق الفلسطيني، بحسب إدوارد سعيد، في إيجاد “مكان رسمي” للفلسطينيين في نظامٍ لا يقدّم لهم أية فرصة؛ و”هذا ما يؤدّي إلى ارتجال الحلول إلى ما لا نهاية. إنّ الأشياء العابرة التي تنبني وتنفك هي التي نستخدمها لنصل إلى ما نريد. ذلك أننا لا نسيطر على أيّ جزء من العالم، ولا نؤثر إلا في أجزاء منه تزداد صغرًا. ومع ذلك، فإننا لا نزال نواصل السير”. لقد أدى ضياعُ “ثبات الجغرافيا” وضياعُ “تواصل الأرض” إلى ضياع قدرة الفلسطينيين على ألّا يتشابهوا إلّا في وصفهم منفيين.

وُلدت الثقافة الفلسطينية في أماكن الآخرين، إنها ثقافة المؤقت، الانتقالي إلى الطبيعي الذي لم يتوفر لهم. ولأن الظلم الذي عاشه الفلسطينيون كان من الكثافة بحيث حوّلهم إلى حالة خاصة لا تقاس إلا بنفسها، فإنهم لم يستطيعوا سوى أن يُنتجوا ثقافة نقدية، منشقةً، ثقافةَ الألم، ثقافةَ المرفوضين، المهمّشين، المكنوسين تحت السجادة في المنطقة، لكنها، في جميع الأحوال، كانت ثقافة المؤقت أيضًا. ومن أراد من الفلسطينيين أن ينتج ثقافة تقليدية ومحافظة وتمالئ السلطان كان عليه أن يلتحق بسلطات دول المنافي واللجوء ومؤسساتها، فالانتماء الفلسطيني (أو الإعلان عنه) كان انتماءً في وسط عربي رغمًا عنه، وعربيتُه لم تنفِ غربتَه. كان يكفي أن تكون فلسطينيًا حتى يجعل منك ذلك متهمًا. لذلك لم يكن غريبًا أن تستقطب الحالةُ الفلسطينية، ممثلةً في منظمة التحرير وفصائلها ومؤسساتها ودورياتها الثقافية والبحثية، جزءًا مهمًا من كبار المثقفين العرب النقديين في نهاية الستينيّات وبداية السبعينيّات؛ فلقد شكلت التجربة الفلسطينية الكفاحية تجربة اعتراضية ونقدية في الواقع العربي بعد هزيمة العام 1967، وكانت موقعَ استقطابٍ للاتجاهات النقدية العربية.

دخلتْ هذه الحالة النقدية مسيرة التأقلم مع الواقع الإقليمي وأفق “الحل” الذي رسمت معالمَه حربُ تشرين 1973، التي كرّست “الحل” المتوافقَ عليه دوليًا وإقليميًا للقضية الفلسطينية على أساس إفرازات هزيمة العام 1967 ونتائجها. وهو ما دفع الحالةَ الفلسطينية الاعتراضية والنقدية إلى التأقلم مع الواقع الجديد، من خلال تعديل الخطاب السياسي الفلسطيني للتوافق مع الوقائع الجديدة. وهذا ما عكس نفسَه في الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية بشأن “البرنامج المرحلي” الذي أسس “لحل نهائي” للصراع العربي ـ الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة. وترافق ذلك مع ترسيم منظمة التحرير الفلسطينية عضوًا رسميًا في جامعة الدول العربية والنظام الرسمي العربي، ما أوجد تمايزًا داخل النخبة الفلسطينية: بين المتكيّفين مع شروط النظام الرسمي العربي والرافضين لهذا التكيّف المحافظين على الخط النقدي. كان من الواضح أنّ منظمة التحرير تتحول إلى سلطة في النظام السياسي الفلسطيني الذي وُلد بفعل الاعتراف الرسمي العربي وتكريس منظمة التحرير ممثلاً شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني في منتصف السبعينيات. منذ ذلك الوقت والتحولِ الذي جرى في مكانة المنظمة، أخذت الحالة الفلسطينية الاعتراضية تنتج فرزًا داخل النخبة الثقافية الفلسطينية، وظهر خطاب سياسي وثقافي يؤسِّس لتسوية سياسية ستأتي بأسوأ الحلول بعد عقدين في أوسلو.

أنتج النظام السياسي الفلسطيني، على الرغم من عدم امتلاكه جغرافيا خاصةً به، أو بسبب فقدان هذه الجغرافيا، ما يمكن تسميتها “قبيلة العمل السياسي الفلسطيني” التي تنقّلتْ ما بين الأردن ولبنان وتونس، لتعود إلى الأراضي الفلسطينية بعد اتفاقات أوسلو. أمسكت هذه “القبيلة” بتلابيب القرار السياسي الفلسطيني منذ نهاية الستينيّات. وإذا كان التمايز قد ظهر خلال السبعينيّات والثمانينيّات خلافاتٍ داخل الصف الوطني الفلسطيني الواحد (وصلتْ إلى الصدام المسلّح في النصف الأول من الثمانينيّات)، فقد كانت عودة “قبيلة العمل السياسي الفلسطيني” إلى الضفة الغربية وقطاع غزة عبر اتفاقات أوسلو، انتقالاً إلى سلطةٍ معترفٍ لها على الأقل بالسيطرة على السكان. وفي اللحظة التي أصبحتْ “القبيلة” تسيطر على جزء من الأرض الفلسطينية، وقبل أن تكتمل هذه السيطرة بدولة وطنية، اكتمل تبلورُ المثقف التقليدي المحافظ في الساحة الفلسطينية، ليولد مع ولادة السلطة الفلسطينية ما سمّاه الشاعر مريد البرغوثي “المثقف السعيد”. هكذا، وفي ظلّ السلطة الذاتية العظيمة، أصبح هناك عديدٌ من المواقع، والوزارات، ووكلاء الوزارات، والمؤسسات الثقافية، وكلها أبواقٌ للسلطة، لا تنتج أي ثقافة، جرى من خلال ملء شواغرها شراء ذمم مثقفين وأشباه مثقفين عديدين. حدث ذلك حين كانت الثقافةُ الفلسطينية النقدية قد دخلتْ مرحلة احتضارها، لا بالانفكاك عن السلطة والمنظمة فحسب، بل عن جميع فصائل العمل الوطني الفلسطيني أيضًا.

وُلد النتاج الثقافي الفلسطيني الرئيسي في الشتات وداخل إسرائيل، وكانت مساهمة الضفة الغربية وقطاع غزة المساهمة الأضعف في اللوحة الثقافية الفلسطينية. وعندما وصلت النخبة الفلسطينية السياسية والثقافية التي تربعتْ على قمّة العمل السياسي والثقافي الفلسطيني خلال أربعين عامًا إلى اتفاقات أوسلو كانت قد تعفنت. وعندما دخلت الأراضي الفلسطينية، كانت المؤسّساتُ الثقافية هياكلَ فارغة؛ وليس أدلَّ على ذلك أنّ مكتبة مركز الأبحاث الفلسطيني التي سلمتْها إسرائيلُ إلى الفلسطينيين ونقلت إلى الجزائر لم يبذل أحدٌ جهدًا لاستردادها، وهي تحتوي وثائقَ مهمّةً واستثنائية. هذا التعامل مع كنز ثقافي هو المؤشّر إلى مستوى تعامل هذه السلطة مع الثقافة الفلسطينية التي تفككتْ وضاعت، كما ضاعت مكتبةُ مركز الأبحاث وعشراتُ الكنوز الفلسطينية الثمينة.

تكمن أزمة الثقافة الفلسطينية في الانفصام بين نتاجها التاريخي النقدي وواقعها اليوم، أو في الانفصال بين انتمائها النقدي وواقع السلطة التكيّفي، فالثقافة الفلسطينية النقدية دافعتْ عقودًا عن فلسطين أخرى، فلسطين لا تشبه البقعَ السكانية التي يسمونها اليوم فلسطين، وتم استبدالُ فلسطين التي صاغتها ثقافةُ المنافي بفتات فلسطين. لقد تفكّكت الثقافة الفلسطينية مع تفكّك المشروع الوطني الفلسطيني، ومع صناعة السياسة من أشباه القادة، وإنتاجِ الثقافة من أشباه المثقفين، في سياقٍ ينكر منتجي ثقافته في الشتات وداخل دولة إسرائيل. وذلك هو ذروة تفكّك الثقافة النقدية الفلسطينية وموتها.

عن العربي الجديد

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: سمير الزبن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *