من ينقذ غزة؟

واضح أن حكومة الاحتلال الفاشية استغلت، أبشع استغلال، تركيز الإعلام على الحرب على كل من إيران ولبنان، وقامت بتعميق عدوانها على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
دولة الاحتلال لم تلتزم بالمرحلة الأولى من خطة وقف إطلاق النار ذات العشرين بنداً، والتي أطلقها الرئيس ترامب، وتماسست في قرار مجلس الأمن والذي حمل رقم 2803.
دولة الاحتلال وسعت من مساحة الخط الأصفر، ووصلت مساحة سيطرة جيش الاحتلال على أكثر من 60% من مساحة القطاع، واستمرت بتقنين المساعدات، ومنعت إدخال الخيام والكرفانات المتنقلة، وفرضت آلية تحكم مهينة في معبر رفح في تجاوز لاتفاق 2005 التي نصت عليها الخطة.
قام نتنياهو وحكومته الفاشية بسلسلة من الممارسات العدوانية على قطاع غزة، أبرزها استئناف عمليات الاغتيال للقادة ولمراكز الشرطة، إلى جانب القيود المفروضة على عمل المنظمات الدولية العاملة بالقطاع، وخاصة على الأونروا، والعمل على نشر الفوضى عبر العصابات التابعة له، كل ذلك وغيره تم بعد حدوث متغيرين.
أولهما: بدأ المسار الدبلوماسي بخصوص المفاوضات الأمريكية الإيرانية برعاية باكستانية، رغم حالة عدم الاستقرار التي مازالت تغطي هذا الصراع، الأمر الذي أزعج نتنياهو. وثانيهما: خطة ميلادينوف والتي ركزت على نقطة نزع سلاح حماس دون أن يربط ذلك بإحكام بجدول زمني يستند إلى التبادلية والتزامنية بحيث يفضي إلى إنهاء احتلال قطاع غزة وانسحاب جيش الاحتلال وتفكيك أسلحة العصابات التابعة له.
واضح أن نتنياهو يريد تعويض إخفاقه في تحقيق أهدافه العدوانية على جبهتي إيران ولبنان، وذلك عبر تعميق وتوسيع العدوان على قطاع غزة.
يرمي نتنياهو إلى إعادة ترميم شعبيته المتراجعة بالشارع الإسرائيلي، خاصة أن موعد انتخابات الكنيست بات وشيكاً، كما يريد أن يحقق الهدف الصهيوني الرامي إلى تنفيذ التطهير العرقي عبر جعل قطاع غزة مكاناً غير مناسب للحياة، لدفع المواطنين لمغادرة القطاع أو تنفيذ عمليات من التهجير القسري، تنفيذاً لأفكار اليمين الفاشية والتي تهدف إلى حل (المشكلة الديموغرافية) عبر التخلص من الكتلة السكانية الفلسطينية.
لقد اتضح أن الرهان على مجلس السلام لم يكن صائباً.
ورغم أن الأصل يكمن بالعمل على طرح قرار بديل لكي يتم تبنيه من مجلس الأمن بدعم من روسيا والصين ودول أوروبية وعالمية متعددة،
إلا أنه وبالاستناد إلى الرؤية الواقعية، خاصة بعد أن تم تبني قرار مجلس 2803، فمن الهام العمل في إطاره لتقليل مخاطره قدر الإمكان.
فقرار مجلس الأمن رقم 2803 لم يضع خطة تنفيذ ملزمة وجدولاً زمنياً وآلية رقابة واضحة، موكلاً كافة المهمات للرئيس ترامب الذي منح نتنياهو الضوء الأخضر لاستمرارية العدوان على القطاع.
لقد تجاوز قرار 2803 قرارات الشرعية الدولية، ولم يشر إلى عدم شرعية الاحتلال، ورسخ من فصل القطاع عن الضفة، ووضع الأول تحت الوصاية الأمريكية ضمن عملية تقاسم وظيفي مع دولة الاحتلال.
من أجل إنقاذ غزة بهذه اللحظات الدقيقة والحرجة، لابد من تشكيل لجنة وطنية موحدة تضم الجميع، تعمل تحت إشراف م.ت.ف (وفد مشترك).
تقوم هذه اللجنة بوصفها خلية عمل بالتوجه إلى الجامعة العربية والوسطاء والمجموعة العربية والإسلامية الثمانية، بهدف تقديم رؤيتها إلى مجلس الأمن.
تتضمن الرؤية العمل على وضع مرجعية ومرفقات تفصيلية لمجلس السلام بالاستناد إلى قرار 2803.
تستند المرفقات على آلية إلزامية تجبر دولة الاحتلال على تطبيق بنود مجلس السلام، وذلك وفق معادلة التبادل والتزامن، حيث اتضح أن الاحتلال طليق اليدين بعدوانه المستمر على شعبنا بالقطاع، بالوقت الذي يطالب بإلزام المقاومة من جانب واحد ببنود الاتفاق.
لقد كانت خطة ترامب عبارة عن خدعة حصل بها نتنياهو على الرهائن، وبعدها استأنف الهجمات العدوانية على شعبنا في تجاوز للمرحلة الأولى من بنود الاتفاق، وقام بإعادة صياغة المرحلة الثانية وفق التصور الإسرائيلي بالاستناد إلى نقطة نزع سلاح حماس فقط كنقطة مركزية دون الإشارة إلى نقاط أخرى ومن بينها إدخال لجنة التكنوقراط إلى القطاع التي مازالت معطلة.
إن الموقف الفلسطيني المتسلح بالموقف العربي والدولي من الممكن أن يلجم العدوانية الإسرائيلية تجاه القطاع عبر آلية رقابة ملزمة.
إن معادلة الاستمرار والمال مقابل الاستقرار ووقف مخططات الاحتلال بالقطاع والضفة يجب المطالبة بها من اللجنة الفلسطينية المشتركة لبلدان الخليج وخاصة العربية السعودية التي لها موقع ومكانة مميزة بالمنطقة عبر علاقتها مع الرئيس ترامب بوصفه رجل مال وأعمال وعقارات، حيث أوضحت الحرب على إيران أهمية دورها مع بلدان عربية وازنة وفي مقدمتها مصر، وذلك في سياق دعم مسار إعلان نيويورك والذي يقضي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وذلك في مواجهة سياسة الإبادة الجماعية والتمييز العنصري ومخططات الشرق الأوسط الجديد التي تطمح إسرائيل أن تتسيد المشهد به.
لقد أثبتت التجربة أن القواعد العسكرية الأمريكية لا تحمي إلا دولة الاحتلال، الأمر الذي يتطلب إجراء مراجعة جدية عند دول الخليج بأهمية تحقيق الوحدة بينها وكذلك مع البلدان العربية وخاصة مصر وفق مفهوم الأمن القومي العربي.
إن هذا التحرك يجب أن يترافق مع استمرارية النشاط القانوني بالمحاكم الدولية، وكذلك عبر دعم وتفعيل انتفاضة سفن الصمود التي فضحت فاشية الاحتلال وأكدت عدالة قضية شعبنا.
إن شعبنا بالقطاع يمر بلحظة فارقة تتطلب توحيد الجهود والطاقات والتحرك على كافة المستويات لإنقاذ غزة من مصير خطير بات قابلاً للتنفيذ.