من يزرع الظلم يحصد الثورة


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

ما تعيشه فلسطين ليس مجرّد تكرار لأحداث سبق أن جرَت، وليس مجرّد انتشار لأنماط مقاومة من منطقة إلى أخرى، بل هي حالة تحوّل نوعي عميق في الوعي الشعبي، وفي أنماط التوازنات الاجتماعية، والتغير الحادّ في سلوك الأجيال.

معظم سكان فلسطين اليوم لم يكونوا قد وُلدوا بعد، أو كانوا في سنّ الطفولة عندما عُقد اتفاق أوسلو وأُنشئت السلطة الفلسطينية. ومعظمهم لم يعودوا يعتمدون في عملهم على التوظيف في أجهزة السلطة الفلسطينية. وبعد مرحلة الانتفاضة الثانية، عادت أعداد العمال المضطرّين إلى العمل في إسرائيل أو مستوطناتها الاستعمارية إلى الارتفاع، حتى بلغت 220 ألف عامل، ونشأ قطاع خاص، استهلاكي في الأساس، ولكنه يشغّل عشرات الآلاف. وبالتوازي مع هذه العمليات، تواصل ارتفاع أعداد المستعمرين المستوطنين في الضفة الغربية حتى وصلت إلى 750 ألفاً، وتعمّق تقطيع أوصال الأراضي المحتلة، بالحواجز والجدران، والمستعمرات وطرق الفصل العنصري.

وما يصطدم به الشباب الفلسطيني في حياتهم اليومية، يمكن تلخيصه لأغراض التحليل، في أربعة أمور:

أولاً، قمع وإهانات متكرّرة، وحواجز لا ترحم، ومعابر يقضي على مداخلها الفلسطينيون ساعات طويلة من المعاناة، وحصار يحوّل مناطق بكاملها إلى سجون كبيرة، كما هو الحال في قطاع غزة. ولا يعني الارتفاع النسبي للأجور مقابل الاستغلال الإسرائيلي للعمال الكثير، حيث يقضي العامل ما معدله أربع ساعات يومياً لعبور الحواجز والوصول إلى أماكن العمل، أو العودة منها.

ثانياً، انسداد آفاق المستقبل بالنسبة إلى الغالبية الساحقة من جيل الشباب، بما في ذلك فرص التعليم المنتج، وبشكل أكبر فرص العمل بعد التخرّج، وقلة فرص التطور الشخصي والمهني، في ظل ارتفاع حاد لتكاليف الحياة.

ثالثاً، الانغلاق التام لآفاق الحل السياسي لمعضلة الاحتلال المستمر منذ ستة عقود، ونظام الأبارتهايد والاضطهاد العنصري الذي صار يتغلغل في كل مناحي الحياة.

رابعاً، البطش الإسرائيلي اليومي بحياة الفلسطينيين، سواء على أيدي جنود الاحتلال، أو من المستوطنين المستعمرين. بحيث صار شبح الموت من دون سبب، يهيمن على حياة الشباب الفلسطينيين، ويدفع بهم إلى المخاطرة بحياةٍ لا يضمنون سلامتها، حتى لو اتبعوا كل وسائل الحيطة والحذر.

وإذا كان الاحتلال قد كرّس منظومات اضطهاد محدّدة للفلسطينيين، حاول الاحتلال تخفيف آثار بعضها عبر اتفاق أوسلو، ومن خلال السماح بنشوء السلطة الفلسطينية، فإن منظومة الأبارتهايد العنصرية التي تطوّرت في رحم الاحتلال، وفي بيئة الفلسفة العنصرية الصهيونية المهيمنة، لا تترك للفلسطيني أي مجالٍ للحياة، أو العمل، أو التعبد والعيش من دون مواجهة الشعور العميق بالتمييز العنصري، والمسّ المهين بالكرامة.

وخصوصية الاحتلال والاضطهاد العنصري الإسرائيلي تكمن في أنه، بالاختلاف عن منظومات استعمارية أخرى، لا يتوقف عن التمدّد والتوسع، وعن التهام أرض، ومياه، ومصادر رزق الفلسطينيين من خلال التوسّع الاستيطاني الكولونيالي. أي إن منظومة الاضطهاد والتمييز تتعاظم منهجياً، ولا تتوقف عن تعميق الشعور بالظلم والاضطهاد الذي يعاني منه الفلسطينيون.

وتزيد القيود والضغوط التي تفرضها إسرائيل على السلطة الفلسطينية، وخصوصاً من خلال إجبارها على ممارسة التنسيق الأمني مع الاحتلال الذي يضطهد شعبها، الطين بلة وتعمّق شعوراً داخلياً لدى الشباب بالرغبة في التمرّد، ليس فقط على الاحتلال، بل على السلطة الفلسطينية نفسها، العاجزة عن حمايته من بطش الاحتلال وظلمه، أو من منظومة الفساد الناجمة عن أنماط الواسطة والمحسوبية والتمييز في الفرص والامتيازات.

وتتراكم كل هذه الأمور على أرضية الفشل المطلق للمراهنات على عملية سلام وتسوية مع إسرائيل والاحتلال الكولونيالي الذي تمارسه، بما في ذلك الفشل الكامل لإتفاق أوسلو ونهجه، وفي ظل تغيّرات إقليمية شتّتت بلداناً وشعوباً بكاملها، بفعل تدخلاتٍ استعمارية خارجية، أكّدت الشعور بأن من لا يملك القوة، ومن لا يستطيع استخدامها، سيضيع ويُدمر بتأثير بطش الآخرين. وذلك كله يقود إلى استنتاج واحد، أن إسرائيل لا تفهم ولن تفهم إلا لغة القوة، وأن “ما أخذ بالقوة لا يستردّ إلا بالقوة”. سواء كانت هذه القوة عملاً مسلحاً، أو تمرّداً جماهيرياً، أو مقاومة شعبية، أو فعلاً فردياً أياً كان شكله.

لا يستطيع الفلسطينيون، ولن يستطيعوا، احتمال الظلم المتصاعد الذي يتعرّضون له، ولا يوجد أي بصيص أمل أمامهم بأن العالم الذي يتشدّق بالخطابات عن الحرية والديمقراطية والقانون الدولي، سينتبه إلى معاناتهم، أو يغادر مستنقع المعايير المزدوجة، عندما يتعلق الأمر بفلسطين، أو يتوقف عن منح الحصانة لإسرائيل من المحاسبة على الجرائم التي ترتكبها ضد الشعب الفلسطيني. ولذلك، يثورون، ويشعلون انتفاضة شعبية جديدة، من دون أن ينتظروا توجيهاً تنظيمياً من أحد، أو يعبأوا برأي قوى همّشت نفسها بالابتعاد عن ساحات النضال، أو تورّطت عناصرها في ممارساتٍ سلطويةٍ ضد أبناء شعبها الذين يعيشون معهم تحت الاحتلال نفسه.

ومهما زادت إسرائيل عدد القوات التي تزجّها لقمع الفلسطينيين، وخصوصاً في ضواحي القدس الثائرة، ومهما تفنّنت في استخدام أساليب التجسس وتكنولوجياته، ومهما زادت من حجم الاعتقالات التي تنفذها، فانها لن تزيد الأمور إلا تفاقماً، ولن تزيد الشباب إلا إصراراً على الانخراط في أوجه التمرّد والنضال الشعبي. ولن يقدم استخدام قوة القمع العسكرية أي حل، لمشكلة مضمونها سياسي عميق، لأن المرض لا يشفى بمداواة أعراضه، بل بعلاج أسبابه، وهي في هذه الحالة الاحتلال والتطهير العرقي ونظام الأبارتهايد والتمييز العنصري.

ولو كان لدى قادة الاحتلال القدرة الموضوعية على الفهم، لتعمّقوا على الأقل في دراسة تجربة بلد كالجزائر، حكمه الاستعمار 132 عاماً، وحاول تشويه لغته، واستولى على ثرواته وزرع في أرضه أكثر من مليون مستوطن، وقتل من أبنائه مليوناً ونصف مليون شهيد، ثم اضطرّ، تحت ضغط مقاومته، إلى أن يهرب جارّاً معه مستوطنيه، وذيول خيبة ما زال يجرجرها.

مَن يزرع الظلم يحصد الثورة، ذلك هو القانون الأزلي منذ قامت الخليقة.

عن العربي الجديد

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: مصطفى البرغوثي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *