من غير الممكن الجمع بين الشيء ونقيضه

 

عوني المشني

” من فقد شيئا كان يعتبر الحصول عليه أمراً ثابتا ومضموناً يعرف في النهاية أنه لا يمكنه

الحصول على شيء “، قول باولو كويلو هذا ينطبق على الفلسطينيين أكثر من غيرهم،

وبالتحديد على التيار الذي كان يعتقد ان المفاوضات ستأتي حتما بالدولة الفلسطينية، وصلنا

الى الحقيقة المؤلمة والتي مفادها ان ” خيار الدولتين ” والذي شكّل الارضية للمفاوضات

منذ ربع قرن ويزيد قد تم تشييعه ودفنه وشبع موتا، هذا يقودنا الى ما قاله روبرت هاف

وهو ” هنالك شيء نادر ويصعب الحصول عليه، هو قدرتنا على ادراكنا مدى قدرتنا

الحقيقية “. بمعنى ان علينا المحاولة وبجدية للبحث في ما يمكن ان نحصل عليه وما لا

يمكن ، وهذا طبعا يعتمد على تقدير موضوعي بمقدرتنا مقارنة بمقدرة عدونا، تقدير

لإمكانياتنا الكامنة، لآفاق تطوير امكانياتنا المستقبلية، للظروف الموضوعية المحيطة والتي

قد تساعد او لا تساعد في تحقيق اهدافنا، وليس اخرا وضع كل هذا في سياق ديناميكي قابل

للتعاطي مع المتغيرات.

في البداية علينا استبعاد ما هو غير ممكن، هذا يسهل البحث في الممكن، ويضيق دائرة

البحث ويقلل من مخاطر الجموح العاطفي للقفز الى ما نرغب واسقاط ما نستطيع.

لا يمكن ان تحصل في المفاوضات، أكثر مما يعطيك ميزان القوى، لا يوجد ” كرم اخلاق

” في السياسة، وميزان القوى لا يعني القوة العسكرية فقط بل يعني قوة التأثير، قوة النفوذ

، القوة الكامنة، وكلفة استمرار الصراع، كل تلك العوامل يعاد ترتيبها لتخرج باستنتاجات

حول موازين القوى والتي على اساسها تقرر الدخول في مفاوضات وتحديد اهدافك منها

واستراتيجية ادارتها.

لا يمكن ادارة معركة تحرر وطني تحت سقف الاحتلال وبشروطه، ولا يمكن ان يبقى

السقف السياسي لقرارنا محكوم لدكتاتورية الجغرافيا السياسية او البترودولار، لا يمكن

لمن يقود عملية تحرر من الاحتلال ان يمتلك بطاقة تسهيل تحركاته من الاحتلال، لا يمكن

لمن يريد مؤتمرا نضاليا ان يأخذ تصريحا لحضور اعضاءه من الخارج لحضور المؤتمر

ومن الاحتلال!

لا يمكن ان نكون في حلف مع حلفاء اسرائيل التقليديين ونقول بعدها لماذا خذلنا اصدقاءنا،

الرجعيات العربية هم حلف مع اسرائيل قبل قيامها بل هم من سهلوا قيامها ولو ارادوا

تغيير موقفهم فلا يستطيعوا فهم ربيبة الاستعمار وقرارهم مرتبط به، لهذا فان اعتبار

تطبيعهم معه امرا مفاجئا او مستغربا نوع من السذاجة، وارشيفات التاريخ زاخرة

بخياناتهم ومؤامراتهم، الحكاية انه كان هناك ما يخيفهم للسفور بموقفهم الداعم لإسرائيل،

وصلنا الى حالة من الضعف وبيدنا وقرارنا مما ازال هذا الخوف فتجهزوا بمواقفهم بدون

وجل، هذا كل ما في الأمر.

لا يمكن ان تقود نضالا تحرريا بتنسيق أمنى استخباري مع الاحتلال. لا يمكن ان تمرر

اموال الى المقاومة بحقائب مشرف عليها وعلى توزيعها من الاحتلال !!!!

وكثير مما لا يمكن في هذا السياق لدرجة ان فهم مسلكنا السياسي أصبح من غير الممكن،

هو احجية لمن يمتلك حسن النية وهو سذاجة لمن يعتبره خطأ سياسي وهو شريك مدفوع

الاجر لمن يؤمن بنظرية المؤامرة.

يمكن باختصار مكثف اختصار هذه السردية الطويلة فيما يأتي تحت باب ما لا يمكن في

تعبير مكثف ” لا يمكن الجمع بين الشيء ونقيضه في الوقت ذاته “، وبترجمة ذلك الى

لغات مختلفة ومتعددة، لا يمكن ان ترتمي في احضان اليمين وترفع يافطة اليسار، لا يمكن

ان تقاوم بشروط التهدئة، لا يمكن ان تناضل بالسقف الذي يقرره الاحتلال، لا يمكن ان

تكون ديمقراطيا بدون ادوات الديمقراطية واهمها الانتخابات، لا يمكن ان تخدم شعبك

بالفساد.

كل ذلك لا يمكن، وحتى لو كان ممكنا لفترة فالمؤكد انه لا يمكن ان يستمر، لأنه بالإمكان

ان تخدع بعض الناس كل الوقت او ان تخدع كل الناس بعض الوقت ولكنك لا تستطيع ان

تخدع كل الناس كل الوقت، انكشفت الخديعة وما عاد كل ما كان غير ممكن ان يستمر.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *