من شعارات الكراهية إلى دبوس بن غفير: كيف تُستخدم الرموز لنفي الفلسطيني

في 8 كانون الأول/ديسمبر 2025، ظهر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير وهو يرتدي دبوسًا على شكل حبل مشنقة داخل الكنيست، خلال جلسة للجنة الأمن القومي ناقشت مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. وتكرّر ظهور هذا الدبوس في 30 آذار/مارس 2026، الذي صادق فيه الكنيست على القانون في القراءتين الثانية والثالثة، إذ ظهر بن غفير وبعض أعضاء حزبه يرتدونه ويشربون الأنخاب، في إطار طقس احتفاء علنيّ بالقانون.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة دبوس المشنقة الذي ارتداه بن غفير بوصفه تفصيلًا عابرًا أو انفعالًا سياسيًا، فهو رمزٌ مليء بأشكال المعاني الضمنية التي تدور حول مسألة نفي الفلسطيني وإلغائه، ويمكن اعتباره جزءًا لا يتجزأ من بنية أوسع من الرموز البصرية واللغوية التي طالما وظّفها الخطاب الصهيوني لنفي الفلسطيني وإقصائه.

فهذه الرموز، سواء كانت بصرية أو لغوية، لا تعمل بشكل منفصل، بل تتكامل لإنتاج صورة محددة عن الفلسطيني، تُخرجه من كونه إنسانًا صاحب حق، وتعيد تقديمه كخطرٍ أو كعبء ينبغي التخلص منه. ومنذ نشأة المشروع الاستيطاني الصهيوني، استُخدمت اللغة لإعادة تسمية الفلسطيني وتصنيفه، كما استُخدمت الصورة لترسيخ هذا المعنى وتطبيعه، كلّ ذلك من أجل تثبيت بنية رمزية تُشرعن إقصاء الفلسطيني وتمنحه صفة الضرورة.

انطلاقًا من ذلك، يأتي هذا المقال ليتناول علاقة الرموز البصرية واللغوية الصهيونية بنمط الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، ثم يرصد تحوّل الرموز البصرية الصهيونية من تغييب الفلسطيني إلى استباحته جسديًا، وينتقل إلى تحليل تحوّل الرموز اللغوية الصهيونية من شعارات تدفيع الثمن للفلسطيني إلى نزع الإنسانية عنه، قبل أن يختتم باستعراض سبل المواجهة الفلسطينية لمحاولات الإلغاء الرمزي.

الرموز البصرية واللغوية الصهيونية وعلاقتها بنمط الاستعمار الاستيطاني

لعلّ قراءة الرموز البصرية واللغوية الصهيونية كمساحة لنفي الفلسطينيين وإقصائهم تتطلّب الاتجاه نحو نموذج تفسيري يُقارب الاستعمار الاستيطاني الصهيوني باعتباره بنية قائمة تتشكّل باستمرار، وتنضوي أهدافها الأساسية على نفي وإقصاء السكان الأصليين، وهو النموذج الذي يمكن العثور عليه عند المؤرخ الأسترالي باتريك وولف.

يُبرز باتريك وولف في مقاربته للاستعمار الاستيطاني نموذجًا تفسيريًا يختلف جذريًا عن مقولات الاستعمار التقليدي؛ فبينما يركّز الاستعمار التقليدي على الاستغلال الاقتصادي للسكان المحليين وإدماجهم في منظومة العمل الاستعماري، يقوم الاستعمار الاستيطاني – بحسب وولف – على منطق آخر تمامًا، حيث لا يكون الهدف إدارة السكان بل استبدالهم.

لذلك يطرح وولف فهمًا للاستعمار بوصفه بنية لا حدثًا، أي أنه ليس واقعة تاريخية تنتهي بانتهاء الاحتلال، بل نظامًا ممتدًا يعيد إنتاج نفسه باستمرار من خلال آليات تهدف إلى إزالة السكان الأصليين وإحلال مجتمع المستوطن مكانهم.

ضمن هذا الإطار، يطوّر وولف ما يُعرف بـ”منطق الإبادة”، والذي يشكّل جوهر المشروع الاستيطاني، إذ لا يُفهم هذا المنطق باعتباره عنفًا جسديًا مباشرًا فقط، بل بوصفه منظومة واسعة تشمل الإزالة المادية والمعنوية والسياسية والثقافية للسكان الأصليين. فوجود هؤلاء السكان على الأرض ذاته يُشكّل في هذا النموذج عائقًا بنيويًا أمام المشروع الاستيطاني، ما يجعل الإزالة شرطًا لاستمراره لا نتيجة له، وبذلك تصبح الإبادة، بمعناها الواسع، آليةً مستمرة لإعادة تشكيل العلاقة بين الأرض وسكانها، حيث تُفكّك هذه العلاقة لصالح إنتاج سيادة استيطانية جديدة.

وفي ضوء هذا التنظير، يمكن القول إن مشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، منذ تأسيسه على أرض فلسطين، استخدم القوة العسكرية المباشرة لإزالة الفلسطينيين وقتلهم ماديًا، كما استخدم البنية الرمزية اللغوية والبصرية لإزالتهم وقتلهم معنويًا وسياسيًا وثقافيًا، وهو ما ستتناوله المحاور القادمة.

تحوّلات الرمز البصري في الخطاب الصهيوني

منذ ولادة الحركة الصهيونية، لم يكن الرمز البصري مجرد أداة تزيينية، بل وُلد باعتباره وسيلة تأسيس للخيال السياسي نفسه؛ فقد تعددت تمثيلاته وتنوّعت أشكاله بين ملصقات دعائية، وصور تجنيد، ومنشورات سياحية، أنتجت سردية بصرية انتقائية تقوم على إقصاء الفلسطينيين وإدراج المستوطنين في آن معًا.

في هذا الإطار، يمكن القول إن الرمز البصري في الخطاب الصهيوني لم يظهر ككتلة واحدة ثابتة، بل اتخذ أشكالًا متعددة ومتنوّعة بحسب المرحلة والسياق السياسي؛ ففي البدايات، ظهرت الملصقات الصهيونية باعتبارها أدوات تعبئة قومية تدعو للهجرة والاستيطان، فركّزت على صورة “الأرض الفارغة” أو “المهملة” التي تنتظر من ينهض بها، وقدّمت المستوطن كعامل زراعي حديث يعيد إحياء المكان.

وفي فترات لاحقة، خصوصًا مع صعود مشروع الدولة، تنوّعت هذه الصور لتشمل ملصقات سياحية تُظهر فلسطين كفضاء طبيعي ساحر قابل للاكتشاف، إلى جانب ملصقات تجنيد وتمجيد للقوة العسكرية تربط بين الجندي والأرض بوصفه حارسًا وامتدادًا لها. كما ظهرت صور أخرى أكثر “مدينية” وحداثية تُبرز المستوطنات كفضاء مثالي قائم على العمل الجماعي والمساواة، في مقابل تغييب شبه كامل للفلسطيني أو تحويله إلى عنصر هامشي أو خلفية غير مرئية. هذا التنوع لم يكن تناقضًا، بل كان توظيفًا مرنًا للرمز، يتبدّل بحسب الحاجة؛ فتارة تعبوي، وتارة سياحي، وتارة عسكري، لكنه في كل حالاته يعمل على الهدف نفسه؛ إعادة صياغة المكان بصريًا بما يخدم سردية الاستيطان.

لم تتوقف البنية الرمزية البصرية في المشروع الاستيطاني الصهيوني عند حدود الملصقات، بل عملت على تطوير آليات إنتاجها على مدار سنوات احتلال فلسطين، وقد بلغت هذه البنية ذروتها في المشهد البصري للضفة الغربية بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث تكثّف حضور الرموز الإسرائيلية البصرية في الفضاء العام (الشوارع الرئيسية، مداخل المدن والبلدات) عبر الأعلام واللافتات، التي جاءت كعلامات سيادة استيطانية يومية تفرض نفسها على الجغرافيا الفلسطينية.

لم تكن هذه الرموز ثابتة أو محايدة، بل أداة من أدوات الضغط النفسي على الفلسطينيين بهدف إعادة تشكيل إدراكهم للمكان، وقد جاءت تُرافقها رسائل تهديد معلنة مثل “لا مستقبل في فلسطين”، ما جعل الفضاء المكاني ذاته حاملًا لخطاب النفي والإقصاء.

أما الجسد الفلسطيني، وخصوصًا جسد السجين، فقد تحوّل في هذا السياق إلى أعلى درجات الاستباحة البصرية، حيث أُعيد إنتاجه كصورة محمّلة بالألم والردع في آن واحد؛ فالسجن لم يعد فضاءً مغلقًا للعقاب، بل صار مسرحًا بصريًا تُستعرض فيه تقنيات الإذلال والتعذيب، وتُسرّب صوره إلى الخارج باعتبارها رسائل جماعية.

يمكن القول إن الجسد الفلسطيني في السجون الإسرائيلية لم يعد يُعذّب فقط، بل يُعرَض ويُوثّق ويُحوّل إلى علامة سياسية بصرية مكشوفة تُخاطب المجتمع الفلسطيني كله وتبثّ له رسائل ضمنية بخطورة الوقوف في وجه المجتمع الاستيطاني أو محاولة مقاومته.

تحوّلات الرمز اللغوي في الخطاب الصهيوني

لفهم تحوّلات الرموز اللغوية الصهيونية التي جاءت لنفي وإقصاء الفلسطينيين، يجب العودة إلى طبقات قديمة من النصوص التوراتية التي شكّلت الأساس في تحديد علاقة اليهود بالآخرين من حولهم، حيث تظهر مفاهيم مثل “غوييم” ضمن تلك النصوص بوصفها جزءًا من بنية تمييزية بين الجماعة اليهودية وغيرها، تقوم على رؤية هرمية للعالم تفصل بين الداخل والخارج.

هذا التصنيف لم يولد كأداة سياسية، بل كتصوّر ديني/تأويلي للعالم يحدّد موقع الذات اليهودية والآخر غير اليهودي ضمن نظام من التفاضل الرمزي، لكن مع تشكّل الصهيونية كمشروع سياسي حديث، جرى نقل هذه المفاهيم من فضائها الديني إلى فضاء قومي جديد، بحيث أُعيدت صياغة الهوية اليهودية نفسها كهوية سياسية–قومية. وفي المقابل، أُعيد تعريف “الآخر” الفلسطيني لا باعتباره مختلفًا دينيًا فحسب، بل بوصفه وجودًا سياسيًا يجب أن يُقصى ويُنفى ويُستبعد.

تتعدّد الرموز اللغوية الصهيونية التي يتمّ استخدامها لنفي وإقصاء الفلسطيني، ولعلّ أبرزها شعارات مثل “تدفيع الثمن” و”الانتقام”، التي يقوم المستوطنون بخطّها على جدران المدن والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية أثناء الاعتداء عليها. فهذه الشعارات ليست مجرد عبارات عابرة، بل أفعال رمزية تُعلن عن سلطة تُمارَس، وتُعيد ترسيم العلاقة بين الفاعل والضحية، حيث تُحمّل الفلسطيني صفة الجاني حتى وهو واقع تحت الاعتداء؛ وبذلك تصبح اللغة أداة لإعادة توزيع الأدوار؛ فالمستوطن مُنتقِم لا معتدٍ، والفلسطيني مُدان لا ضحية.

ومن الرموز اللغوية المستخدمة داخل الخطاب الصهيوني لنفي وإقصاء الفلسطيني تلك العبارات التي تستهدف نفيه وتجريده من إنسانيته، حيث يُعاد فيها توصيف الفلسطيني خارج دائرة الإنسان الكامل عبر استعارات حيوانية أو دون–إنسانية، كما ظهر في تعبير “حيوانات بشرية” الذي استخدمه وزير الأمن الإسرائيلي يؤآف غالنت لوصف الفلسطينيين في غزة تمهيدًا لارتكاب إبادة جماعية بحقهم فيما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. فوظيفة هذا النوع من الرموز اللغوية لا تتوقف عند حدود الوصف، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الإدراك نفسه، إذ يصبح العنف قابلًا للتبرير لأن الضحية لم تعد تُرى كإنسان كامل، بل ككائن خارج نطاق التعاطف الأخلاقي.

سبل المواجهة الفلسطينية لمحاولات الإلغاء الرمزي

في مواجهة محاولات الإلغاء الرمزي للفلسطيني، لا يكفي أن يقوم الفلسطينيون بتفكيك خطاب نزع الإنسانية عنهم، بل يجب أن يعملوا على إعادة بناء صورتهم الإنسانية الكاملة؛ يبدأ ذلك بتثبيت الاسم بدل الرقم، ومن استعادة الحكاية الفردية لكل إنسان فلسطيني جرى قتله أو تجري محاولات قتله المادي والمعنوي.

هذا الإصرار على السرد الإنساني، وعلى توثيق تفاصيل الحياة اليومية بكل ما فيها من عادي وبسيط، هو أول شكل من أشكال مقاومة التجريد، لأنه يعيد للفلسطينيين وجوههم التي يحاول الخطاب السياسي الصهيوني محوها، ويحوّل حضورهم من “خبر” إلى حياة يمكن تخيّلها والشعور بها.

وتتجلى المواجهة الأعمق في محاولة تثبيت الوجود الفلسطيني باعتباره وجودًا حيًا ومتصلًا لا يمكن فصله عن سياقه الإنساني والثقافي؛ فالثقافة والفن والصورة والشهادة المباشرة ليست أدوات تعبير فقط، بل أدوات استعادة للإنسان الفلسطيني من داخل محاولات طمسه. فعندما يتكلم الفلسطيني بلغته، ويصوّر حياته، ويكتب وجعه، ويُنتج روايته عن نفسه، فإنه يربك الصورة الجاهزة التي صُنعت عنه، ويعيد تعريفه ككائن كامل المعنى ومكتمل الوجود.

اسراء عرفات: كاتبة وباحثة فلسطينية. خريجة قسم العلوم السياسية من جامعة النجاح الوطنية في العام 2014، وحاصلة على درجة الماجستير في التخطيط والتنمية السياسية من الجامعة نفسها في العام 2018. صدر لي عن وزارة الثقافة الفلسطينية عام 2020 كتاب نصوص نثرية بعنوان: “بورتريه لامرأة غائبة”.

عن ميغازين

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *