من ذاكرة ابنة عائلة فلسطينية مسيحية..من مخيم اليرموك

اعترف مسبقا، أن ليس ما يجري في مخيم اليرموك من قتل وإذلال وتدمير على جلاله هو فقط ما يثير فجيعتي.

حاولت ، وأحاول بما أوتيت من قوة ، وبحد السكين  أن أتجاوز مشهد الموت وهو يتنقل حرا وبلا أي وازع  ،ولا أي مبرر  ليختطف أحبتي وجيراني وأصدقائي وصديقاتي، أحاول أن أتجاهل قدر الإمكان ، وأغض النظر عن مرأى إمعان الموت في  اغتيال  الشوارع والأزقة التي تطل منها طفولتي  ومراهقتي وشبابي كله، أحاول أن أعثر بين الركام على ضحكات الطفلة التي كنتها، وأن استعيد مشهد التسابق  مع أترابي على أراجيح العم مبروك المنصوبة أمام بيتنا في شارع عز الدين القسام وفي الساحة المقابلة له.أركز نظري في المشاهد القادمة من المخيم ، في محاولة  للعثور على آثار أقدامي هناك .. تماما في تلك المساحة الملاصقة لمدرسة المالكية ومشغل الخياطة.

يا الله.. ما هذا..؟؟ولماذا تصبح كل الشوارع المهدمة صورة طبق الأصل عن شارع عز الدين القسام ؟؟

إنني أبحث عن بيتنا..عن شارعنا..أبحث عن الساحة الملاصقة للبيت ..فأجد أن كل الشوارع التي تنقلها مواقع المخيم هي  نسخة طبق الأصل عن شارعنا وبيتنا.أين الساحة إذاً .؟أين صارت ساحة العيد ؟ولماذا تتحول أمام ناظري كل شوارع المخيم إلى شارع عز الدين القسام / وتصبح كل ساحة هي ساحة العيد ..!!! هل هذا معقول؟؟

ابتسم في سري برغم هول  الفجيعة ، ابتسم ساخرة عندما يكيلون الاتهامات لأبناء المخيم ..ماذا يقولون عن أحبتي وأهلي وجيراني وصديقاتي وأصدقائي؟؟؟رباه أنهم يعتدون على ذاكرتي ..يرجمونها …يستهينون بها. أيعقل أن يكون  أبناء المخيم سلفيون ومجاهدون أفغان جاؤوا من خارج البلاد…!!!

تتمرد ذاكرتي وتعترض بشدة لدى تلقيها هذا الاتهام ..وبدون أي جهد تتقدم لتطل منها الصور التي صنعتني وأسست لوعيي الأول. ولتنهل دونما عناء من صور تاريخ المخيم..تطل منها صورة  محمد العايدي ، أبو محمود رحمه الله..أراه وهو يطرق باب بيتنا حاملا معه شجرة عيد الميلاد..تفتح أمي الباب ويطل أبي من ورائها ، يلقي تحية الصباح وهو يمد يده بشجرة الصنوبر الصغيرة  إلى أمي:

– كل عام وأنتوا  بخير خيتا أم خليل  .. كل عام وأنت بخير خيّا أبو خليل..هاكم شجرة الميلاد…ذهبت مع مطلع الفجر، مع أخوي أبو السعيد لمزرعته خصيصا لجلبها لكم..عيد مبارك ..انشالله العيد  الجاي بعيلبون …!!

تشكره أمي وهي تكاد تبكي فرحا وامتنانا. يدعوه أبي  إلى فنجان قهوة ، يعتذر الرجل الودود الذي لا تفارق الابتسامة وجهه قائلا: لأ لأ مش هلأ .. مش حلوة هيك حاف ، لازم آجي أنا وام محمود ونعايد عليكم ونعمل الواجب .يغادرني مشهد أبو محمود ليفسح المجال لمشهد أمي وهي تتعثر في الحمام وتكسر رجلها من عظم الفخذ . رجل أمي موضوعة في الجبس،وهي لا تقوى على المشي. ستة أشهر  أمي لا تستطيع الوقوف . كنت في السادسة من عمري. آنذاك.. كانت أختي الكبرى قبل تزوجت قبل أسابيع قليلة  .وليس هناك من بنات غيري وغير أختي ماري التي كان عمرها آنذاك سنتين فقط. أخوتي الذكور ستة . هل سيستطيع أخوتي الأكبر سناً، أخذ مهمة أمي في رعاية البيت؟ .. بكت أمي.بكت لأجلنا. كيف تستطيع  أن تقوم بوجباتها نحو أسرتها وهي على هذا  الحال؟ كل ما أذكره من تلك الفترة الحرجة من حياتنا، أن جاراتنا تناوبن على بيتنا  . أم محمد تأتي كل يوم  لتطبخ لنا . ترافقها كنتها أم محمود، لتأخذ مهمة الجلي وتنظف البيت. تليها أم العبد التي كانت تجلس على لجن الغسيل لتغسل ملابسنا.

سلفيون …أفغان…!! نصرة…!!!

ها هي معلمتي في الصف الخامس الابتدائي ..تخرج متحدية ،تطل ميسر القلق معلمة اللغة العربية من بين حنايا الذاكرة . تطل عندما أفتح الباب لساعي البريد لأتلقى أول رسالة تصل  باسمي ..يمدها لي . أفتح الرسالة ..وأطير فرحا…أركض  نحو أمي وأخوتي وأنا ألوح لهم بفرح وفخر ..كرت معايدة يحمل  اسم معلمتي وتوقيعها وتمنياتها لي ولعائلتي بفصح مجيد…!!! أول مرة في حياتي يصلني شيئا باسمي في البريد..لا زلت حتى هذه اللحظة أذكر تلك اللحظة كأجمل لحظات حياتي..

يا الله.. ما اجملها من سلفية ..أردد مغيظة مع كل مشهد وكل صورة شكلت وعيي..سلفيون ونصرة ..جئنا لنمحو  صورة العيش المشترك. ولتقلب عالي التسامح الديني  واطيه…!!ولكن مهلاً .. توقفوا  قليلا ..وتعالوا معي لأعرفكم  على جارتنا رسمية جوده – أم العبد.. المرأة التقية التي كانت تشع حبا وعطاء لكل من حولها..والتي كنا نناديها، وبأمر من أمي بستي أم العبد.. !!!أم العبد هذه لم تكن لتفارق أمي ، تسأل عنها  كل يوم. وإن لم تستطع الحضور ، كانت تطل من بابها على شباك بيتنا لتسأل عن الصحة والاحوال والابناء. كانت معنا في الملمات كما في الأفراح ..أم العبد التي كنت أصحو على مذياعها قبل السادسة صباحا وهو يرتل آيات من القرآن. ستي  أم العبد التي لم تكن تقطع صوما أو صلاة..أمي بدورها كانت امرأة متدينة ، تصحو مع آذان الفجر لتصلي صلاتها وتقرأ شيئا من الإنجيل. أمي كانت تؤمن بإيمان أم العبد. عشرات المرات التي حملتنا  إليها ، تارة لنشرب من طاسة الرعبة ،وأخرى لتصلي وتتلو آيات من القرآن على رؤوسنا إذا أعيا أمرنا الأطباء ولم يفلحوا في شفاء أحد مناتعالوا معي إلى  الضفة الأخرى نرى ام العبد وهي ترافق قريبا أو مريضا طارقة باب أمي وطالبة منها أن تصلي على رأسه من إنجيلها لعله يشفى..!!

ذات يوما سألت أمي  عن سر اعتقادها بأم العبد رغم اختلاف العقيدة بينهما، أجابت أمي باستنكار شديد، يمّا أوعك تحكي هيك حكي..وأوعك تفكري هيك..حرام يمّه .و لازم نعرفي منيح ،إنو ربنا ما بسألش  يلي قاصده  عن دينه ..الله بستجيب للقلوب النظيفة وستك أم العبد ملاك يمّا والله دايما بستجيبلها لأنها ست طاهرة ونقية وقلبها خالص لله!!!!

آه يا مخيمنا الحبيب . ألا يكتفون  بقتلك وسحلك؟ ألا يكتفون بصلبك ، أيريدون أيضا النيل من ذاكرتك الجمعية؟؟؟لا.. لن تحولوا ذاكرتنا إلى أنقاض وإلى أشلاء كما تفعلون بالبشر والحجر يا أبناء  الأفاعي..!!! لن تنالوا من ذاكرتنا أيها الأوغاد..!!هاكم الشوارع والأزقة بناسها الطيبين  تنقر كما الطير رؤوسكم.. وها هو عيد الميلاد قد بزغ مع بزوغ شمس مخيمنا. وها أنا انتظر قدوم أميرة وفاطمة وعليا وفاء صديقاتي وجاراتي المسلمات ، كي  يحضرن لنذهب معا إلى الكنيسة لحضور صلاة العيد. وها هو معاوية سويلم صديق أخي عبدالله يرافقنا وهو يردد واثقاً وفرحاً: طبعا جاي معاكم.. ولاّ  شو مفكرين،  المسيح مش إلكم لحالكم ..!! هادا ابن بلدنا وواجب علينا  نحتفل بعيد ميلاده.. نبتسم ونتبادل القفشات، نضحك بينما  يتلفت إلينا المصلون  الذين لا يعرفون من أين أتينا،  زاجرين صخبنا،  و يتقدم معاوية مع من يتقدمون  لتناول القربان من يد الكاهن… ونبتعد نحن…ومعاوية لا يعيرنا اهتماما ويستمر في طقوسه غير آبه بضحكنا وصخبنا وتعليقاتنا،  ويتناول القربان من يد الكاهن.. !!!

الذين حضروا جنازة أخي كميل الذي توفي بسبب اصطدام سيارة جيش بسيارته، يؤكدون أن المخيم لم يشهد جنازة بهذا الحجم على مدى تاريخه. وعندما توفي أبي رفض أبناء مخيمنا ” السلفيين” و” المتعصبين” أن يحمل أبي في سيارة الموتى، صاح أحدهم : أبو خليل ما بينحمل  بسيارة.أبو خليل بنحمل على الأكتاف،أبو خليل هو مختار هادا المخيم..يالله يا شباب. وهب الشباب يتسابقون لحمل نعشه.. في الكنيسة وفي ذكرى الاربعين لوفاة والدي، علق الكاهن قائلا بإعجاب : شكرا لكم.. فكنيستي لا تملأ بالمسلمين إلا عندما تكون لديكم  مناسبة سواء أكانت فرحا أم حزناً…!!

كان شيئاً مألوفا وعاديا أن تصحينا  أمي من نومنا  لنرافقها مع  جاراتنا إلى المسجد بعد صلاة التراويح لننظف الجامع معاً.وكان من المألوف أيضا، أن تنال عائلتنا حصتها ،من أضحيات عيد الأضحى التي يحملها إلينا الجيران البعيدون والقريبون.كانت أمي ترفض تماما أن نحمل معنا إلى المدرسة زادا في شهر رمضان. وعندما  اعترضت على هذا الفرمان ذات يوم ، زجرتني قائلة استحي على دمك ، بصرش توكلي وقدامك ناس صايمين ، لازم تحترمي مشاعر الناس..!!طيب يما ما هو في كتير بنات بشوفهم جايبين معهم اكل وما بصوموا فليش انا لأ؟ أجابتني بقوة وحزم ، هني معلش ، بس أنت لأ، فهمتي وإلا ….!!كنت اخشى من تبعات كلمة وإلا. فأستجيب على مضض.برغم تمردي..!!أتذكر جيدا ذلك اليوم الذي جاء فيه الكاهن إلى بيتنا ليبلغنا بأن الكنيسة ستعطينا بيتا لنكون بقرب ابناء الطائفة وابناء الكنيسة، والبيت هو في باب مصلى الذي تسكنه غالبية مسيحية. أبي لم يعط موافقته. وطلب من الكاهن مهلة للتفكير. وما أن خرج الكاهن ، حتى هز أبي رأسه معلنا رفضه للفكرة. قال ابي بالحرف الواحد، وماذا أنا في باب مصلى..مجرد انسان نكرة ومجهول مع أناس لا يجمعني معهم شيئا سوى الدين، لا عمي ما بدي ، أنا هون بين أهلي وناسي ، بفهم عليهم وبفهموا علي، بعرف وجعهم وبعرفوا وجعي. إذا قلت أخ يا راسي بلاقي الكل حوالي. أما أخي  نصيف فقد صفق باب البيت خارجا وهو يردد بحزم وغضب قائلا :مين قاله للخوري انو احنا بدنا ننتقل؟اسمعوا .. أنا سمكة والمخيم بالنسبة إلي هو المي، وشوفوا شو بصير بالسمكة لما تطلع من المي. وعندما جاء دور أمي للحديث قالت: لا بدنا نروح ولا بدنا نيجي، هادا هو مطرحنا من هلأ لنرجع لبلادنا، “ومصر مش بعيدة علمشتاق”يلي بدويصلي بالكنيسة بقدريروحلها  ومنصلي هون بالبيت لما ما نقدر نروح..انا بصراحة بقدرش بدون ام العبد وام محمد وام محمود هدول هني أهلي يلي  الله عوضني فيهم عن أهلي البعاد. وطوي الأمر، وقررنا البقاء مع أهلنا السلفيين والأفغان ..

وللحديث أيضا بقية

(المصدر: بانتظار غودو على الفيسبوك)

Author: نادية عيلبوني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *