من دماء راشيل وتوم إلى حرائق غزة: الرواية التي هزت ضمير العالم

في رفح، لم تكن راشيل كوري الوحيدة التي سقطت تحت جرافةٍ عمياء؛ سقط معها قناعٌ يُغطّي وجهَ العالم.
وعلى نفس الأرض، لم يُطلق القنّاصُ الإسرائيلي النارَ على جسد توم هيرندال فحسب، بل أيضًا على آخرِ شظايا الضميرِ الغربيّ، الذي كان قد غُذِّيَ بروايةٍ مُفبركةٍ ومُقنِعة.

راشيل، الشاهدةُ المدفونةُ بجرافةِ الكذب، وتوم، المُراقبُ الذي عَميتْ عيناه كي لا يرى أكثرَ من اللزوم، كلاهما كان مرآةً، كسرتهما إسرائيل، حتى لا يرى العالمُ نفسَه الحقيقية: مستوطنةٌ استعماريةٌ ذاتُ وجهٍ ناعمٍ وعيونٍ زرقاء، تُتقنُ أساليبَ الخداع.

بعد تلك اللحظات، أُغلِقت الأبوابُ في وجوهِ المتضامنين.
فلسطين لم تعُد وجهةً للتعاطف، بل منطقةٌ ممنوعةٌ على كلِّ مَن أراد أن يرى.
تم القبضُ على الزائرين، وطُرد الصحفيون، وأُقيمت الحواجزُ لا لحمايةِ الحدود، بل لحمايةِ الروايةِ الرسمية من عدسةِ الحقيقة.

وبمرور الوقت، تَوسّعت هذه الروايةُ إلى المناهجِ والإعلامِ والثقافةِ والفنون، وأصبحت إسرائيل، في مخيلةِ الغرب، “واحةً للديمقراطية”.
طَبَعَت السينما صورتَها على وعيِ الشعب، بينما أحرقت طائراتُها الأجسامَ الفلسطينيةَ بنارٍ فوسفورية.

لكن شيئًا ما انكسر في الحربِ على غزة.
لا، لم يكن القصفَ فقط؛ لم يكن مجردَ انهيار الأبراج، بل الهندسةُ المعماريةُ للسردِ الكاذبِ بأكمله، انهارت معهم.

تم بثُّ القصف مباشرةً.
تم استرجاعُ الجثث على الهواءِ مباشرة.
الأطفال كانوا يموتون أمامَ كاميراتِ العالم.
طُمِسَت المستشفياتُ بصواريخ الـ”إف-16″، واُحرقت خيامُ اللاجئين بأطفالهم، وانقطعت المياه، والكهرباء، وقُصِفَت المناطقُ التي يُفترض أنها آمنة.
لم تعُد هناك مساحةٌ للحياة؛ أصبح قطاعُ غزة بأكمله مسرحًا للإبادةِ الجماعية.

تَمّ تدميرُ المخيماتِ كقلاعِ القرونِ الوسطى.
طاردت الطائراتُ المدنيين في الأزقّة، وضربتهم كما لو كانوا أهدافًا تدريبية.
لا شيء يمكن إخفاؤه، لأن هذه المرة، القتلةُ هم من يبثّون جرائمَهم بأنفسهم.

في صورةٍ واحدة: طبيبةٌ فلسطينيةٌ وسطَ الأنقاض تُعالجُ الجرحى، قبل أن تكتشف أن الأجسامَ الصغيرةَ بين يديها كانت جثثَ أطفالِها.

في تلك اللحظة، لم يكن المشهدُ فلسطينيًّا فقط.
كانت راشيل تنهضُ من ترابِ رفح، وتوم يخرجُ من الزقاق الضيّقِ في مخيمِ يبنا… يُكمِلُ الفيلم.

لكن هذه المرة، لم يكن الفيلمُ أمريكيًّا.
هذه المرة، كانت الكاميرا في يدِ شعوبِ العالم.

بدأت صورةُ إسرائيل في التآكُل.
ظهرت آلافُ “راشيل كوري” في الجامعاتِ الأمريكية، وآلافُ “توم هيرندال” ساروا في شوارعِ أوروبا.
لم يعُد بإمكانِ الأوساطِ الأكاديمية أن تكونَ مُتواطئة، ولم يعُد بإمكانِ وسائلِ الإعلام أن تُراوغَ أو تلتفّ.

ما كان مكبوتًا في يومٍ من الأيام، أصبح مُدوِّيًا الآن.
ما كُتب بالحِبر، أصبح مكتوبًا بالدّم.

هؤلاءِ الشبابُ الجدد – ورثةُ راشيل وتوم –
لم يأتوا من خلفيّةٍ سياسية، بل من جُرحٍ مرئيّ.
لقد رأوا ما عاشَته راشيل وتوم.
وحين تُولَد الحقيقةُ من رَحِمِ المشهد، تتحطّم الفكرةُ الزائفة.

الروايةُ التي بنتها إسرائيل على مدارِ سبعين عامًا، انهارت في عامٍ وسبعةِ أشهرٍ من الإبادةِ الجماعيةِ المتواصلة.

لم يعُد بإمكان ألمانيا إسكاتَ أصواتِ مواطنيها.
ولا تستطيع فرنسا، أو بريطانيا، أو حتى الولايات المتحدة.

الضميرُ العالمي ليس مؤسسةً ولا سفارة؛ إنه الموجةُ التي تنكسرُ فوق رأسِ الظلم، كلّما ظنَّ أن روايتَه سمنتْ إلى الأبد.

هذه المقالة ليست نصًّا صحفيًّا.

إنه المشهدُ الأول من فيلمٍ وثائقيٍّ اسمه: “راشيل 2 – وُلد الضمير”

راشيل لم تمُت.
وتوم لم يُقتَل.

بل وَرِثَهُما جيلٌ رأى غزة، ليس على الخريطة، بل في عُمقِ الذاكرةِ الجماعيةِ الجديدة.

وهنا… يبدأُ الفيلم.

About The Author

الفكر 1 على “من دماء راشيل وتوم إلى حرائق غزة: الرواية التي هزت ضمير العالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *