من النزوح إلى الإجلاء

كنت قد رأيت فيما يرى النائم قبل أكثر من عام، أنني خرجت من مدينة غزة، وزرت مدينة القدس، ثم انتقلت إلى أوروبا التي زرتها كثيراً قبل منعي من السفر. استيقظت فوجدتني داخل خيمة متهالكة، أتلظى من صهد الشمس، بينما يتلذذ الذباب بالصراخ في وجهي، ويقرصني في جميع أنحاء جسدي، ويكمل البعوض مهمته بمص دمائي وأطفالي داخل الجحيم.
أخبرت زوجتي عن ذلك الحلم، كان جسدي يرتجف، وكأنني أفشي سراً قومياً، وسألتها في أثناء حوار المواساة: “لماذا نحن محرومون من أبسط الحقوق؟ لماذا يجب أن يمنعني أخي العربي أيضاً لأنني كتبت مقالاً أو قصصاً لا تروق للحاكم؟ لماذا لا أملك القدرة على التحرك كأي مواطن عربي آخر نحو أي مكان للمشاركة في معارض الكتب أو البرامج التي تتعلق بالأدب؟ قد حاولت عدة مرات السفر إلى الولايات المتحدة الأميركية قبيل الحرب من أجل المشاركة في برنامج الكاتب العالمي التابع لجامعة أيوا والذي تخرّج منه العديد من الأدباء الحاصلين على جائزة نوبل، إلاّ إن إجابات الرفض كانت العنوان العريض لكل رحلاتي، كما حاولت القنصلية الأميركية في الأراضي الفلسطينية مساعدتي على السفر عبر معبر إيرز التابع لدولة الاحتلال، لكن الطلب عُلِق أكثر من مرة، كذلك حاول أصدقائي التنسيق لخروجي عبر جمهورية مصر العربية، غير أن ذلك كان يتطلّب ما لا يقل عن 5000 دولار، وذلك من دون الإقامة في الأراضي المصرية، إنما لمجرد المرور نحو مطار القاهرة، لكوني مُدرجاً على قوائم المنع.
فكيف لي أن أحصل على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة من السفارة الأميركية في جاردن سيتي (Garden City) من دون حجز موعد والاستقرار مدة شهر على الأقل؟ لذا، غدا حلم الهرب من قطاع غزة في تلك المرحلة مجرد أمنية استحالة أن تتحقق لشخص مثلي، محاصر بين موتَين.”
وعندما جاءت الحرب، لم يكن أمام شخص مثلي إلاّ أن يظل كالساموراي يقاتل داخل شمال قطاع غزة من أجل الصامدين الذين يبحثون عن نموذج يمنحهم بعض الأمل والشعور بالطمأنينة؛ إذ تنقلت من مخيم الشاطئ إلى مخيم جباليا، ومن هناك إلى حي الشيخ رضوان ومناطق أُخرى كثيرة داخل شمال مدينة غزة. ولم أنزح إلى جنوب قطاع غزة أُسوةً بمئات الآلاف من السكان العاديين الذين آثروا البقاء وقرروا الموت في بيوتهم، لأن الجوع أرحم بكثير من العيش في خيمة لا تحترم آدمية الإنسان.
قاتلت كغيري من أجل إطعام أطفالي في إبان المجاعة التي سرقت منا أعمارنا؛ فصار الشيب يغزو الرأس، والوجوه عابسة، والأجساد هزيلة، والعيون زائغة، كما أخذ الخوف يتسلل إلينا من هجرة الآخرين الذين كانوا يسيرون أمامنا على شارع الرشيد المحاذي للبحر؛ نواسيهم ونطلب منهم الصبر، وعدم مغادرة مدينة غزة أو شمالها؛ عسى أن تتحسن الأحوال خلال الأيام المقبلة. بيد أن الأوضاع كانت تزداد سوءاً وتصبح كقطع الليل المظلم، بينما نزداد بأساً كالإسبرطيين، ونتمسك بالشمال أكثر فأكثر.
وحين عاد أهلنا في إبّان الهدنة الثانية، قررنا مغادرة بيوت الآخرين التي نزحنا إليها، والعودة من أجل إصلاح ما تبقّى من بيوتنا بغية الاستقرار فيها، على الرغم من أن تلك البيوت تركت فينا بصمة لا يمكن للزمن أن يلغيها، ثم يأتي الاحتلال مجدداً لكي يمارس اللعبة، من أجل تدمير أكبر وأكثر، مستغلاً حالة الصمت المريب، مرة بطائرات الأف 16 ومرة أُخرى بالروبوتات المتفجرة، وأُخرى بقنابل الديناميت؛ أساليب لا يمكن حصرها.
في الوقت الذي كنا نهرب فيه إلى اللامكان؛ لم تعد هناك بيوت كافية في مخيم الشاطئ كي ننزح إليها، وخصوصاً مع عودة السكان من الجنوب، لذلك قررنا النزوح لأول مرة إلى منطقة الوسطى، في أفواج هائلة من المخيم نفسه، نحو منطقة الزوايدة ودير البلح وخان يونس؛ إذ هربت وعائلتي حفاظاً على روح الجنين الذي يحمله رحم زوجتي؛ عُدَي الذي سيبُعث مرة أُخرى، لكن من الأراضي السويسرية هذه المرة، بعد نجاحنا باجتياز الحدود، والوصول إلى بر الأمان.
لقد جاءت فكرة السفر، التي بدت شبه مستحيلة، بعد خروج أعداد كبيرة من الزملاء المعروفين إلى فرنسا وبلدان أُخرى، بعضهم كان مطلوباً للاحتلال، وآخرون كانت لديهم صلات من الدرجة الأولى بقيادات عسكرية في غزة، سمح لها الاحتلال بالمرور عن طريق معبر كرم أبو سالم، وصولاً إلى جسر اللنبي في عمان من دون التعرض للتحقيق أو الاعتقال، وهو ما فتح باب التساؤلات على مصراعيه: هل يمكن لمثلي أن يسافر؟!
وأنا الغارق في النضال الوطني، كما قالت لي صديقتي الألمانية قبل يومين: “لقد كان لديك ملف يضم آلاف الأوراق أعدّه الموساد حول تاريخك يا يسري، لكنك على الرغم من ذلك نجحت في الخروج من دوامة الموت والوصول إلى هنا يا عزيزي.. كما سبق وأن اعترف صديقي الشهيد رحمه الله، وائل أبو كويك، بعملنا الثوري في إبّان انتفاضة الأقصى الثانية بعد اعتقاله عند بوابة معبر رفح قبل عقدين من الزمن، هذا بالإضافة إلى علاقاتي الممتدة مع فصائل العمل الوطني في غزة.
وفي هذا السياق، قررت المجازفة وفعل أي شيء من أجل منح أولادي فرصة النجاة إلى بلد لا يكون الموت فيه مجانياً، حتى لو أدى ذلك إلى اعتقالي أو اغتيالي.. وفعلاً، تواصلت مع إحدى السيدات العاملات في برنامج بوز الفرنسي، وتم ربطي بموظفة في جامعة السربون بعد اقتناعهن بسيرتي الذاتية وهو ما قدمته للمشهد الثقافي، وتحديداً مبادراتي التي أشرفت على تأسيسها في مدينة غزة؛ إذ قمنا لاحقاً بإعداد جميع الأوراق اللازمة للحصول على منحة العمل كباحث هناك، بالإضافة إلى التواصل مع مؤسسة أميركية أُخرى تُعنى بدعم الابتعاث الفني والثقافي، كما حصلنا على منحة تمويل أُخرى، وبات لدينا تمويل يكفيني وأسرتي من أجل العيش بكرامة في مدينة أورلي القريبة من باريس، وقامت زميلتي الفرنسية باستئجار شقة هناك، وجازفت بترتيب كل شيء كأننا في سلام؛ بيد أن ذلك المسار من النضال للأسف تعثّر في اللحظة الأخيرة، حين أعلن وزير الخارجية الفرنسي تأجيل إجلاء العوائل الفلسطينية بسبب منشور كتبته الطالبة نور عطالله على منصة “X”، فقد وُجِهت إليها تهمة بـ”معاداة السامية”، وتم ترحيلها من فرنسا وملاحقة آخرين، إلى حد بات فيه إغلاق وسائل التواصل الاجتماعي حلاً وقائياً، في دولة كان يقول عظيمها فولتير: “إنني على استعداد إلى أن أدفع عمري ثمناً لمن يخالفني رأيه أن يبوح بذلك الرأي”، لكن فولتير مات.
في أثناء ذلك، حاول بعض الأصدقاء والصديقات ممن شاركوني سابقاً البرامج الدولية في أوروبا وفي تأسيس مبادرات الحاضنات الفكرية: كتجمع المشكلين الدوليين (GSC)، والقادة الدوليين من الشباب (YGL)، البحث عن فرص عمل تليق بشهاداتي الأكاديمية وخبرتي في برامج الحوار الثقافي والاندماج (UNAOC) حتى حصلنا على أكثر من عرض، كان أكثرها إشراقاً عرض من إحدى جامعات التنمية والتطوير في سويسرا.
وفي إثر ذلك، بدأ الجميع العمل على ترتيب كل شيء، غير أن الأوراق لم تكن متوفرة؛ إذ لا توجد في غزة وزارات فاعلة لا داخلية ولا خارجية، كي يتم ختم الأوراق وترجمتها إلى اللغة الإنكليزية، وعليه قام فريق الدعم من الأصدقاء في الخارج بترجمة جميع الوثائق عبر محلف قانوني وتصديقها من السفارة الفلسطينية في جنيف، ثم العودة مجدداً من أجل إعادة تجديد جوازات السفر التي كانت قد انتهت منذ عامين. وقد شاركني في هذا المسار عدد من الزملاء والأصدقاء والسفراء الفلسطينيين في بلدان غير سويسرا، وصولاً إلى مساهمة عدد من أعضاء مجلس الشيوخ في الفلبين (سيناتورات الفلبين)، الأمر الذي يمكن أن يبدو غريباً للقارئ. المهم، أنني خلال كل ذلك كنت بانتظار موعد الإجلاء من طرف الاحتلال، من دون أن أشعر بأي نوع من الخوف، على الرغم من أنني اعتدت إغلاق هاتفي في غزة خشية الاغتيال طوال العامين المنصرميْن، فقد أدركت بعد تواصل ومتابعة أن الاحتلال يسعى لإفراغ قطاع غزة من النخبة، وأن خروجي بالنسبة إليه سيكون فرصة لتحقيق الهدف الأسمى، كدعاية غير ممولة عن فكرة التهجير، وخصوصاً أنني أمتلك صفة اعتبارية في مدينتنا المدمرة وأراضينا المحتلة.
وهنا سألت نفسي:
“هل سأخون وطني إن خرجت؟ ثم ماذا لو لم أخرج؟ كيف سأحظى بالفرصة مرة أُخرى وأنا ممنوع من السفر في كلا الاتجاهين؟ ألا يكفي أنني قاتلت لأكثر من عقدين في سبيل الوعي والنهضة؟ ألا يحق لي أن أحظى باستراحة محارب؟ ثم ماذا عن أطفالي الذين باتوا يعانون جرّاء حمل الأشياء الثقيلة فأصيبت أجسادهم بالوهن؟ وماذا عن زوجتي الحامل وهي تُعِدّ الطعام عبر البلاستيك المسرطن؟ وماذا عني أنا؟ ألست في حاجة إلى أن أخرج إلى العالم لكي أشارك في معارض الكتب العربية والعالمية أسوة بغيري، وأن أتحرر من عقدة غزة، التي جعلتني محاصراً أدفع ثمن قلمي؟ فماذا أبقى لنا الفسدة والجهلة والسذج والمؤدلجون كي نبقى؟ ألا يمكن أن أكون سفيراً لهذه المدينة التي تدفع ثمن الخنوع والتبعية! وهل النضال يكون بالموت المجاني؟ هل النضال يكون داخل غزة فقط؟”
لذلك خرجت وقررت أن أجاهد في سبيل الحياة.
عندما وصلنا فجراً إلى معبر كرم أبو سالم، بعد رحلة مُضنية، دخلنا في إجراءات روتينية، إلى أن وصلنا غرفة التبصيم؛ إذ أعطيت الموظف العربي هناك أوراقنا الثبوتية ثم طُلب منا الدخول إلى غرفة صغيرة، والتحديق بالكاميرا.
وفجأة!.. عاد ذلك الموظف غاضباً، فتح الستارة بعنف، وقال:
“إنتو وين رايحين؟”
فأجبت: “سويسرا.”
ثم عاد لقراءة أسمائنا وأرقام الهويات، وعندما وصل إلى اسمي، صار يضحك قائلاً: “يسري الغوووول.”
حينها ارتعشت وأصابني هلع شديد، لكن زوجتي أمسكت يدي، وقالت:
“إنت الآن تحت حماية سويسرا وليس أي دولة عربية، فلا تخاف.”
وفعلاً، عندما خرجنا من الغرفة الصغيرة، نظر أحدهم إليّ بصلف، وقال:
“بس ع الله تكتب روايات بعد هيك..”
ضحكت ربع ضحكة، وأجبت:
“بدي أكتب عن الحب، فأنا بين فكي شيطان.”
فعاود هو الرد صارخاً:
“هناك اكتب مش هون.”
بعد ذلك، توجهنا من معبر كرم أبو سالم إلى عمان، حيث كان دفء الأهل والأصحاب، على الرغم من ساعات الانتظار الطويلة بفعل الاحتلال، فقد شعرنا عند جسر اللنبي بحميمية اللقاء مع أشخاص نعرفهم عبر الهاتف فقط، وأحضان عميقة لأشخاص يؤمنون بالعدالة والحرية لفلسطين.
يومان في الجنة، يومان في عمان، حيث المملكة التي تحترم أبناءها، وتمنحهم الحب والحنان، إلى درجة أن كل حجر هناك كان يبتسم في وجوهنا، بعد رحلة عذاب ما كان لها أن تتم، لولا أن الله أراد للشيء أن يكون، وأن يجعل رؤياي حقيقة، أتأمل يافا وحيفا وطبريا وأريحا؛ تلك المدن التي عشتها في أحلامي، فكان شر الحرب خير لي، وأنا المحاصر منذ أكثر من 13 عاماً داخل مدينة غزة النبية.
سافرت إلى جنيف برفقة عائلتي، تاركاً أبي ورائي مبتور القدم وأخي المصاب في نخاعه الشوكي، وأختي التي فقدت ابنها شهيداً، وجيراني الذين أحبهم، لكي أبدأ من جديد، لعلّي أجد السلام.
لعلّي أكون سفيراً لمدينتي التي تنتظر مواقفنا في كل مكان، وكل ذلك من أجل وقف سيل الدم.
عن المؤلف: يسري الغول: روائي فلسطيني يعيش في لوزان.
عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية