من المسافة صفر: ليس للخيال مكان

في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، برز مشروع “من المسافة صفر” كمبادرة سينمائية فريدة تسعى لتوثيق الحياة اليومية والمعاناة الإنسانية لسكان القطاع، وأشرف على المشروع المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، وشارك فيه أكثر من 100 سينمائي وسينمائية من غزة، أنتجوا 22 فيلماً قصيراً تتراوح مدة الواحد منها بين ثلاث وست دقائق، تنوعت بين الروائي والتسجيلي والخيال والرسوم المتحركة والتجريبي.
وقد صُورت الأفلام كلها في قطاع غزة، ووثّقت ما يجري هناك، وشارك في صناعتها سينمائيون عاشوا الأحداث، من شبّان وشابات، كتجربة حية وواقعية. ولم تكن تلك بالتجربة اليسيرة في ظل الأوضاع المتردية؛ مع عدم وجود كهرباء، وانقطاع الإنترنت، بالإضافة إلى نقص المعدات اللازمة وخطورة التنقل في القطاع. لكن صنّاع هذه الأفلام تحدوا كل هذه المعوقات بإرادة قوية، واستُخدمت كاميرات قديمة وهواتف محمولة كانت تُشحن ببطاريات السيارات وأحياناً الألواح الشمسية، وتم إرسال المواد المصورة إلى باريس عبر وسطاء لتفريغها ومعالجتها تقنياً على الرغم من صعوبة التواصل مع العالم الخارجي. وقد تطوَّر هذا المشروع حتى خرجت الأفلام بشكلها النهائي، وشاركت في عدد من المهرجانات السينمائية، ورشحتها وزارة الثقافة الفلسطينية لتشارك في دورة الأوسكار الماضية (2025).
وأكد رشيد مشهراوي أن الهدف من إنتاج سلسلة الأفلام “من المسافة صفر” هو تقديم حكايات حقيقية من غزة، بعيداً عن التغطيات الإخبارية السريعة، وقال:”قررت بعد بدء الحرب أن أؤدي دور الجسر بين السينمائيين الموجودين في غزة وبين العالم، عبر تجاربي السابقة وعلاقاتي بالإعلام والمهرجانات والقنوات التلفزيونية وأصدقاء وزملاء سينمائيين، فجميعنا لدينا هدف واحد؛ أن ننقل قصصاً من غزة من المستحيل أن يراها العالم إذا لم نقدّمها في المشروع.”
وأضاف: “كانت تتم عمليات ما بعد التصوير في اتجاهين: الجزء الأول هو عَبْرَ مَن لديه إمكانات متوفرة، مِن لابتوب، وكهرباء، وخيمة، فيقوم بعملية المونتاج الأولية في غزة، ونحن نقوم بضبط الصوت والألوان والمونتاج الأولي النهائي. أمّا الجزء الثاني، فكان عبارة عن مونتاج عن بُعد يقوم به سينمائيون خارج غزة مع إشراف مستشارين فنيين، فضلاً عن الجوانب المتعلقة بالترجمة والغرافيك وتصحيح الألوان التي كانت خارج غزة، وقد استخدمنا موسيقى لكل الأفلام قدّمها الفنان والموسيقي نصير شمة.”
وأشار قائلاً: “التصوير وسط الحرب ليس سهلاً، فبعض العاملين كان يفقد أقارب له خلال التصوير أو التحضير وخلال مرحلة الكتابة، والبعض الآخر كان يتعرض لخطورة حقيقية للوصول إلى مكان فيه إنترنت لإرسال المواد التي صوّرها. كما كانت هناك أيضاً صعوبات تقنية كانقطاع الإنترنت والكهرباء لأيام، أو فقدان الاتصال بشخص ما، لكننا كنا ملتزمين التمسك بالأفكار نفسها والحكايات، وألاّ نَدَعَ الأحداث تؤثر في الفكرة الرئيسية.”
وقد تناولت الأفلام مواضوعات متنوعة تعكس واقع الإبادة في غزة:
- “جلد ناعم“ للمخرج خميس مشهراوي، وقد سلط الضوء على معاناة الأطفال النفسية، حيث تقول طفلة: “لما كتبت أمي اسمي على جسمي، كانت بتعيط، وأنا كمان”.
- “ عذراً سينما” لأحمد حسونة، وهو يحكي عن حُلْمِ مخرج شاب بإنتاج فيلم روائي، وكيف تحطّم هذا الحلم بسبب الحرب.
- “يروي 24 ساعة” لعلاء دامو، وهي قصة مصعب الذي نجا من ثلاث محاولات استهداف في يوم واحد.
- “سيلفي“ لريما محمود، تعبّر فيه فتاة عن يأسها من الحياة في المخيمات، وتكتب رسالة للمجهول: “أكتب لك رسالة يمكن أن تصل إليك وأنا لا أزال على قيد الحياة، ووقتها أتمنى لك حياة سعيدة أفضل من حياتي في الوقت الحالي.”
- “جنة الجحيم” لكريم ستوم، يصف فيه كيف اضطر إلى استخدام كفن كمأوى للنوم بعد نزوحه.
- “تاكسي ونيسة” للمخرجة اعتماد وشاح، لكنها توقفت عن تصوير الفيلم بعد استشهاد أحد أفراد عائلتها في غارة جوية.
- “صحوة” لمهدي كريرة، يحكي فيه عن رجل فقد ذاكرته في حرب 2014، واستعادها مع اندلاع الحرب في 2023.
- “شظايا” لباسل المقوسي، ويحكي عن طريقه في يومياته ضمن لوحاته، ويقول: “أجسد جميع مشاهد الحرب فى رسوماتي، أصبحت الحياة كقطعة من الطين الصلصال تشكلها الرصاصات والدبابات.”
- “خارج التغطية“ لمحمد الشريف، ويسلط الضوء على المفقودين تحت الركام.
- “كل شيء تمام“ لنضال دامو، ويعكس السخرية من الواقع المأساوي، حيث يُقصف المكان في أثناء استحمام البطل.
- “الأستاذ” لتامر نجم، وهو فيلم يتناول حياة مدرّس نازح يكافح لتأمين مقومات الحياة الأساسية.
- “حمولة زائدة” لآلاء أيوب، توثق فيه معاناتها الشخصية في أثناء النزوح.
- “فلاش باك” لإسلام الزريعي، يروي فيه قصة فرح البالغة من العمر 15 عاماً، وكيف واجهت الحرب بالرسم والكتابة.
- “لا” لهناء عليوة، تقول فيه “لا” للإحباط واليأس بعد فقدان شركتها.
- “فرح ومريم” لوسام موسى، يناقش فيه تأثير الحرب في الأطفال ضِمن قصة واقعية لطفلتين.
- “إعادة تدوير“ لرباب خميس، تركز فيه على إعادة استخدام المياه في ظل نقص الموارد الأساسية.
- “قرابين” لمصطفى النبيه، يشبّه فيه الشعب الفلسطيني بالقرابين التي تُقدَم إلى الآلهة.
- “جاد وناتالي” لأوس البنا، وهو مستوحى من قصة حقيقية عن حب انتهى بسبب الحرب.
- “خارج الإطار“، وهو يسلط الضوء على الفنانة رنين الزريعي التي واصلت مشروع تخرُجها على الرغم من تدمير الجيش الإسرائيلي منزلها وجامعتها.
- “صدى“ لمصطفى كلاب، يحاول فيه المخرج أن يختلي بنفسه في بحر غزة على الرغم من أصوات القنابل وسيارات الإسعاف.
- “يوم دراسي” لأحمد الدنف، وهو فيلم يصور صبياً يذهب إلى مدرسته ليجدها مدمرة، ويجلس على قبر معلمه الذي يكنّ له كل التقدير والمحبة.
- “تعويذة“ لبشار البلبيسي، يحاول فيه مواجهة الحرب بالرقص، فالعالم الذي فقد السمع ربما لم يفقد الرؤية.
لم يكن الهدف من إنجاز هذه الأفلام هو حصولها على الجوائز والاحتفاءات الفنية، إنما كان مواجهة السرديات الصهيونية، وتوثيق الأحداث عن قُرب، ومن المسافة صفر، وهو ما جعل هذه الأفلام تتسم بالخصوصية والصدقية، وربما أيضاً بالبساطة البكر في طرحها لغياب الرغبات الدعائية، وأيضاً رغبةً في مواصلة الحياة على الرغم من القصف والتدمير والخراب الذي اجتاح حياتهم ولم ينجح في تحويلها إلى كوابيس.
وقد حظي المشروع بتقدير واسع، إذ تم ترشيحه لتمثيل فلسطين في فئة الفيلم الدولي الطويل في جوائز الأوسكار لسنة 2025، كما شارك في مهرجانات سينمائية في الأردن ومصر وتونس والجزائر والسويد ورومانيا وإيطاليا وبريطانيا، ونال عدة جوائز. وفازت ثلاثة أفلام بجائزة يوسف شاهين، وهي: “جلد ناعم” لخميس مشهراوي، و”خارج التغطية” لمحمد الشريف، و”يوم دراسي” لأحمد الدنف.
وقد منعت السلطات الإسرائيلية عرض بعض الأفلام في مدينة القدس، وقام رشيد مشهراوي مؤخراً بعرض مقتطفات من المبادرة من غزة على هامش مهرجان “كان” السينمائي، وأُقيمت عروض جماهيرية لاقت إقبالاً غير مسبوق في سويسرا، كما حظيت بالاختيار الرسمي لمهرجان “تورنتو” السينمائي الدولي، ومهرجان “بالم سبرينغز” السينمائي الدولي، كما حاز جائزة أفضل فيلم روائي من سينما العالم في مهرجان “أوربان وورلد” السينمائي.
ويؤكد مشروع “من المسافة صفر” أن السينما ليست فقط وسيلة للتوثيق، بل أيضاً أداة للمقاومة والمحافظة على الذاكرة الجماعية؛ ففي مواجهة الحرب والدمار، استخدم صناع الأفلام عدساتهم لنقل قصصهم إلى العالم، مؤكدين أن على أرض غزة ما يستحق الحياة.
عن المؤلف:
أشرف بيدس: كاتب يهتم بالشأن السينمائي.
عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية