من السجن إلى المنفى: نائل البرغوثي مناضل من أجل الحرية

أكثر من ثلاثة أسابيع مرّت ونحن نحاول التواصل مع الأسير المحرر نائل البرغوثي، صاحب أطول مدة اعتقال في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، لترتيب مقابلة معه يتحدث فيها عن تجربته في الأسر التي امتدت ما يزيد على 45 عاماً، بدءاً باعتقاله الأول 18 يوماً في سنة 1978، ثم اعتقاله الثاني في 4 / 4 / 1978 حتى الإفراج عنه في صفقة “وفاء الأحرار” في سنة 2011، ليعاد اعتقاله في 18 / 6 / 2014، بعد فترة قصيرة أمضاها في حرية مجتزأة، إلى أن أُفرج عنه مؤخراً في 27 / 2 / 2025 ضمن صفقة التبادل الأخيرة مع قرار بالإبعاد عن فلسطين، فأُبعد إلى مصر التي بقي فيها ما يقارب الشهرين، لينتقل بعدها إلى تركيا.
وأُجريت المقابلة على دفعتين كان الأسير المحرر نائل البرغوثي خلالهما، في الأولى ينتظر الانتقال من منفاه في فندق في مصر إلى تركيا، وفي الثانية بعد وصوله إلى تركيا، وفي المرتين، كان يبني علاقته مع وسائل الاتصال الحديثة، كبرنامج “زووم”.
حدثنا الأسير المحرر نائل، أو “أبو النور” مثلما يعرفه رفاقه، عن واقع السجون منذ 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، مضيفاً إلى حديثه قراءته السياسية لواقع القضية الفلسطينية، ومستقبل النضال الفلسطيني.
وتأتي هذه المقابلة في زمن الإبادة التي يشنّها العدو الصهيوني على شعبنا الفلسطيني في جميع أماكن وجوده، ومن ضمنها الهجمة غير المسبوقة على الأسرى الفلسطينيين التي حولت السجون إلى ساحة حرب مركزية، فضلاً عن حملات الاعتقال والتعذيب والتنكيل المستمرة. فمنذ بدء العدوان في تشرين الأول / أكتوبر 2023، كثّف الاحتلال الإسرائيلي من عنفه الموجه إلى أجساد الأسرى، فجرّدهم من مكتسباتهم النضالية كلها التي انتُزعت عبر عقود من النضال، محولاً واقع السجون إلى جحيم مثلما يصفه الأسرى، وهو ما أدى إلى استشهاد ما لا يقلّ عن 66 أسيراً ممّن عرفت هوياتهم، فضلاً عن تفشّي الأمراض بين الأسرى والقمع والتعذيب والتجويع الممنهج. وعلى الرغم من هذا الواقع المؤلم، فإن الأسير المحرر نائل، يؤكد ما سبق أن أكّده كثيرون من المناضلين والمناضلات، وهو أن السعي للتحرر شعور جمعي مرتبط بالآخرين، إذ يقول: “الهدف للشعب الفلسطيني واحد، هو التحرر والتحرير، وبالتالي الحرية.”
حرب على الأسرى
حدثنا عن تجربتك الطويلة في الأسر، كيف كان واقع السجون قبل 7 تشرين الأول / أكتوبر، وكيف تغيرت الأمور بعد هذا التاريخ؟
بسم الله الرحمن الرحيم، لقد حققت الحركة الأسيرة قبل 7 تشرين الأول / أكتوبر، أو “الطوفان”، إنجازات في النهوض بوضع الأسرى عبر نضالات طويلة تحقق فيها كثير من الإنجازات المعقولة داخل السجون، والتي جرى تثبيتها كي تخفّف عن الأسرى، وعن عائلاتهم، وعن واقع الأسر المرير. فما تحقق في الأسر من إنجازات لم يكن ليحدث من دون صدامات ومعارك، وبات لدى الأسرى نهج يسعى للمحافظة على إنجازاتهم وإنجازات مَن قبلهم، إلى أن يتم التحرر من الأسر.
وكان الكيان قبل 7 تشرين الأول / أكتوبر، يحرص على أن يبدو أنه “دولة ديمقراطية” بحسب المعايير الأوروبية أو الغربية، فكان يضيّق علينا ضمن الحد الأدنى، إلّا إن الحياة في حدها الأدنى لم تَرُق للحاقدين داخل الكيان. وبالتالي فإن السجون لم تكن في يوم من الأيام، مثلما يروّج في الرواية الصهيونية، مخيمات صيفية، فنحن لم نكن في مخيم صيفي، ومَن قال ذلك، أو روّج أن الوضع داخل السجون مرفّه، فإنما كان يضحك على نفسه من جانب، ويضلل الناس من جانب آخر. الأسر يبقى أسراً، حتى لو كنتَ في مزرعة من الورود، فأنت في مكان مغلق، محروم من الهواء، ومن الحرية، ومن الحركة، ومن الأهل.
واستكمالاً للأوضاع التي لم تَرُق للحاقدين داخل الكيان، فإن العنصرية ازدادت داخل السجون، وأصبحت هي التي تقود، كما تصاعدت الصهيونية الدينية في أميركا، وتغلغلت العنجهية الأميركية داخل الكيان، ولم يعد يهمها سمعتها أو صورتها في العالم، ذلك بأن المتبجح والعنجهي لا يهتم بالقانون الدولي أو المنظومة الداخلية. ولنتذكر الاحتجاجات المتعلقة بـ “الإصلاح القضائي” لدى إسرائيل قبل نحو عامَين، فهذا القضاء الذي كان يستند إلى الحد الأدنى من القانون، والذي كان يحكم منظومة السجانين، ومنظومة الدولة نفسها، كان عرضة لأول هجوم عليه من المحتجين، وعلى المحاكم، والمحكمة العليا.
إن كثيرين من القضاة هم كالخاتم في إصبع السجانين، فهم يتماهون معهم، ويغضّون الطرف عن تجاوزاتهم كلها، بل يعطونهم الشرعية أحياناً من خلال بعض القوانين. وأنا واحد ممّن رفعوا دعاوى ضد مصلحة السجون، عن طريق محامين، ونجحت فعلاً مع المحامين في الحدّ من بعض الأمور، لكننا أُفشلنا في كثير منها، وبينها ما له علاقة بالضرب أو النظافة أو الإهانة.
ومع وصول التيارات العنصرية الحاقدة في الانتخابات الإسرائيلية، ازداد التضييق على الأسرى، وسُحبت منجزاتهم، وأصبح التحريض هو صاحب القرار داخل الكيان. ففي مرحلة ما قبل “الطوفان” بدأت سلطات الاحتلال بالتضييق على الأسرى، فمثلاً قلّلوا من وقت الاستحمام المسموح به، وحددوه بأربع دقائق فقط، غير أن وقفة الأسرى مجتمعين أوقفت هذا التوجه. وعندما حدث “الطوفان”، دخل القرار السياسي وقوانين الطوارىء، وقُلبت الأوضاع التي كانت قبل تاريخه، وعاش الأسير الفلسطيني تحت قوانين طوارىء يقودها عنصريون حاقدون، وعلى رأسهم المتطرف – أنا لن أسميه ولن أذكر اسمه لأنه في الحقيقة ليس من البشر كي يكون له اسم – الذي أشرف على تنفيذ هذه القوانين التي بموجبها بدأ الأسرى يتعرضون وبشكل ممنهج لتعذيب قاسٍ يومي، بالضرب بالهراوات، ونهش الكلاب لهم، والرش بالغاز، والتعرية، والشبح، وكل ما يتخيله الإنسان، وما أوجدته الأنظمة الديكتاتورية والعنصرية في التاريخ من عنف، وتحديداً الوقاحة العنجهية الألمانية والأميركية في المعسكرات النازية وفي سجن “أبو غريب” في العراق، وقد اتّبع السجانون الصهيونيون هذه الأساليب كلها، وطبقوها على الأسرى الفلسطينيين. وللأسف، فإن هذه الجولات من العنف تتميز بوجود كثير من السجانين ممّن يُعرفون، بـ “أبناء جلدتنا”، فقد برز لديهم حقد عجيب لاإنساني، إلى درجة أننا إذا أردنا أن نسميها حقارة، فإن الحقارة تتبرّأ من تصرفاتهم. لقد تميزوا في تعذيبنا، وخرجوا من دائرة العروبة ومن دائرة الإنسانية، إلّا ما ندر، ممّن لم ينخرطوا في جيش الاحتلال.
في 7 تشرين الأول / أكتوبر كنت في سجن بيتونيا، وهم يسمونه “عوفر”، لتخليد اسم ضابط قُتل خلال عملية فدائية فلسطينية، لكن أنا أسمّيه بيتونيا، لأنني أرفض مسمياتهم. في يوم “الطوفان” هجموا على الأسرى كلهم، وصادروا جميع ما يملكونه في الغرف، وتركوهم “على البلاط” مثلما يقال. وظل هناك بعض أجهزة الراديو المهربة التي بقينا من خلالها على اتصال وتواصل مع العالم. وبدأت حملة تنكيل فظيعة في سجون الشمال، في “جلبوع”، وفي “النقب” تحديداً، وقادها أحد المدراء الحاقدين من المرتزقة من “أبناء جلدتنا”، والذي استخدم مع سائر العناصر الأساليب العنيفة جميعاً، من ضرب، ومصادرة المقتنيات، وقطع المياه.
واليوم، لا يوجد أسير فلسطيني يوافق على التعايش معهم، حتى أولئك الذين كانوا يؤيدون “كامب ديفيد” يقولون إنه لا يمكن التعايش مع هؤلاء الناس.
نُقلت بعد “بيتونيا” إلى “جلبوع” حيث أمضيت الوقت الأطول، ثم إلى “شطة”، ومنه إلى “جلبوع” حتى تحررنا منه. وهذه الرحلة امتدت عاماً ونيّف كنت فيهما شاهداً على جميع ما جرى لزملائي ولي، ولمَن سبقني، ولمَن أتى بعدي.
ما هي أهداف الاحتلال من خلال التغيرات في واقع السجون بعد 7 تشرين الأول / أكتوبر؟
يريدون أن يرعبوا الأجيال المقبلة كي لا يخوضوا النضال، وهذا الأمر واضح في تهديداتهم، بدءاً من الطفل الذي يُعتقل، وصولاً إلى المحكوم بالمؤبد. فكل فئة من فئات شعبنا، في القرى والمخيمات والمدن، يجب أن تعاني، فهذا شعارهم وهذه خطتهم من أجل إبقاء الشعب الفلسطيني مستنزفاً ومرعوباً وخائفاً من النضال، وكي يصبح الأسر والاعتقال الإداري والأحكام التي لا تستند إلى أي نظام قانوني، وسائل للحد من النضال الفلسطيني. لكني أعتقد أنهم فشلوا في ذلك.
وفي رأيي، فإن الزيادة في أعداد المعتقلين ما هي إلّا محاولة للإفراج عن أكبر عدد من الأسرى حديثي الاعتقال، وذلك في محاولة لتجاوز الأسرى المحكومين أساساً. فعندما يقال إن هناك 15,000 أسير فلسطيني أو 20,000، فهذا في الحقيقة يعني أن عدداً كبيراً منهم اعتُقل من أجل إهانته، ثم أُفرج عنه في مقابل أسرى في صفقات التبادل، وذلك للقفز عن الأسرى الذين يُطلب الإفراج عنه من المحكومين.
استكمالاً لما كنا نتكلم به، حدثنا عن طبيعة العنف الموجود في السجون. كيف تطور هذا العنف بعد 7 تشرين الأول / أكتوبر، ولا سيما أن هذا العنف أدى إلى استشهاد عشرات الأسرى؟
منذ 7 تشرين الأول / أكتوبر، أصبح السجان بمثابة المدير، حتى لو كان عمره صغيراً. فالطبيب على سبيل المثال، إذا أراد أن يمارس الحد الأدنى من المهنية الطبية، كأن يعطي دواء لأسير متعب، فإن السجان كان لديه “فيتو” لمنعه. ومنذ 7 تشرين الأول / أكتوبر حتى خروجي في شباط / فبراير 2025، لم يتلقَّ أي أسير حبة مسكن تخفف آلامه. دائماً نسمع، “الأدوية فش” أو كلمة “اين” بالعبرية، بمعنى “لا”. أوامر الضباط كانت تقضي بعدم استدعاء الممرض أو الطبيب، إلّا إذا توفي أسير، وذلك لوضعه في كيس أسود.
وفي سجن شطة تعرّض 90 أسيراً لتسميم مقصود في الأكل، وأثيرت ضجة في داخل السجن وخارجه، فاستُبعد السجان الذي وضع المادة المسممة لنحو شهرين أو أكثر ربما، وكان اسمه ناتاني. وبعد إبعاده أعيد كضابط، وأول عمل قام به هو قمعنا بالكلاب والغاز والقنابل الصوتية، فصار يصول ويجول، بلا حسيب أو رقيب عليه. كذلك لم يسمحوا لنا بأن نغسل ملابسنا إلّا بعد عام أو أكثر، وأنا عندما خرجت من السجن لم أكن قد غسلت ملابسي إلّا مرة واحدة في العام، إذ لم يكن لدى الأسرى سوى “غيارين”: واحد صيفي، وآخر شتوي. أيضاً في الشتاء، نزعوا “شبابيك” الزنزانة التي كنت فيها، فكان البرد يدخل على الغرفة، ولم يكن لدينا غطاء ولا ملابس كافية، يعني باختصار بردنا، وجعنا، وضُربنا.
رأينا في الصور الخط الأصفر الذي وضعه السجانون في السجون كلها لتحديد وتضييق “الفورة”، هل هذا ما زال موجوداً؟
نعم ما زال موجوداً. في البداية، كانت الفورة تمتد ما بين عشر دقائق إلى ربع ساعة، وأحياناً كنا نُمنع لأسبوع متواصل من الخروج من الزنزانات. حتى الخروج إلى الحمام حُدد بأربع دقائق فقط، وفي حال التأخر، يُمنع الأسير من الاستحمام لمدة أسبوع. وكنا نخرج 30 أو 40 أسيراً في مساحة محدودة، ثم سحبوا الستائر التي تفصل بين الحمامات، فأصبحت مكشوفة. وكانوا أحياناً يطلقون صافرة الإنذار، ويدخلون على مَن في الحمام بالكلاب وبالضرب بالهراوات، حتى لو كان الأسير عليه ماء وصابون.
كيف كنتم تمضون وقتكم في الغرف، في ظل تجريدكم من كل شيء بما فيه الكتب والتلفاز والراديو؟
والله أعتقد أن هذا الأمر بحاجة إلى دراسة. كيف كنا نمضي الوقت؟ أولاً بما أننا كنا جوعى طوال الوقت، فقد كنا نتحدث عن الأكل ونتخيله، وكل واحد حافظ اسم مطعم مرّ عليه قبل أعوام، أو قبل 50 عاماً مثلاً، يتذكره، ويتكلم عليه. ثانياً، في المجال السياسي، حديث ونقاشات بشأن ما سبق، وتصور للقابل من الأيام، لأننا كنا بلا معلومات في أغلب الأوقات، إلّا عند وصول أسرى جدد ينقلون إلينا ما يعرفون، أو ما سمعوه في “البوسطة”، وهو في الغالب لا يكون دقيقاً.
وعلى الرغم من ذلك كله، فإن معنويات الأسرى كانت مرتفعة، وكنا نعرف أنه كلما زادت حدة القمع في داخل السجن، يكون الاحتلال قد تلقى ضربة موجعة في المواجهات الدائرة، وهذا الأمر كان يجعل معنويات الأسرى ترتفع، وكنا نُسرّ بما يحدث، ومتأكدين من أن هذا المؤشر صحيح.
“الحرية” والإبعاد
ما الذي اختلف بين الصفقة التي أُفرج عنك خلالها مؤخراً، وصفقة “وفاء الأحرار” التي خرجت ضمنها في سنة 2011، وكيف تلقّيتم خبر الصفقة الأخيرة؟
أولاً الصفقة الأولى (صفقة وفاء الأحرار) التي أُفرج عنا عبرها، لم يكن فيها إهانة، ولا ضرب، ولا قمع، ولا جوع، فقط استُدعينا اسماً اسماً، وخرجنا، وتم تشخيصنا بشكل عادي، يعني كأي عملية تبادل. لكن في الصفقة الأخيرة كان لدينا مؤشرات تدل على وجود صفقة تبادل، وكنا نعرف من البعض أن المحادثات كانت تفشل، وتتأخر، وتتأجل. وعرفنا أن الدفعة الأولى بدأت بقمع وانتهت بقمع، إذ كانوا يهجمون على الغرفة التي فيها أسير سيُفرج عنه، فيقمعون مَن فيها عبر الكلاب والهراوات، ثم يسحبون الأسير الذي سيطلق سراحه، ويقيدونه بقيود شديدة على يديه، ويجرّونه حتى يصل إلى المكان الذي سيخرج منه نحو “البوسطة. كما كانوا يحلقون شعر الرأس ببشاعة وعنف، بل كانوا يقتلعون الشعر اقتلاعاً أحياناً، بينما الكلب يتحرك حول الأسير ويضربه.
هذا حدث معك؟
نعم، حدث معي، ومع غيري، ومع غيري أشد مني. وفي الوقت نفسه، عندما أُفرج عنا، أنا شخصياً انكسر عندي أربعة أضلع، وغيري انكسر عنده خمسة أضلع. يعني كل مَن خرج في هذه الصفقة كان لديه إصابة، والجوع كان شديداً والبرد كذلك، خرجنا مرهقين. وكان القصد من ذلك إيصال رسالة إلى الشعب الفلسطيني فحواها أن مَن يُعتقل سيلقى الجزاء، وكانوا يقولون لي شخصياً: “إنت لازم تموت، إنت وعيلتك لازم تموتوا.”
كيف تلقيتَ خبر الإبعاد؟
والله أنا كنت رافضاً، وما زلت رافضاً مبدأ الإبعاد، لكن على الرغم من منع زيارات المحامين، فوجئت بأنهم طلبوني، وكان في مقابلتي محامي يهودي متمكّن، اسمه أفيغدور فيلدمان. قال لي إنه مبعوث من الأهل، ومن وزارة الأسرى، ليخبرني أنه سيتم الإفراج عني، لكن مع إبعاد. فأجبته بأني أرفض الإبعاد، وأفضل البقاء في السجن و”بفرقش معاي”، فأجابني، يقولون لك: في حال رفضك الإبعاد، ستتضرر المساعدات الإنسانية لغزة، وسيتضرر أسرى آخرون، أي أني سأضر غيري. حاولت حتى آخر لحظة رفض الإبعاد، لكن صرت في وضع سأكون فيه سبباً لضرر أهلنا في غزة، أو منع المساعدات عنهم، أو أن أؤخر الصفقة عن الأسرى الذين وردت أسماؤهم ضمن الذين يُفرج عنهم، فقبلت القرار على مضض، وأنا أتألم وما زلت.
حدثنا عن الشعور بالحرية الآن، وعن مشاعر الخروج من الأسر والإبعاد، ولا سيما مع التضييقات المستمرة على عائلتك في فلسطين؟
هذه السياسات تنمّ عن الحقد الأسود الذي يُثبتونه في كل لحظة، وفي كل ممارسة. فمثلما قلتُ، هم يجددون ويبتكرون الحقد الدفين الدفين. وأنا قلت لما أُفرج عني إن أحد أهدافنا الجديدة في النضال الشعبي الفلسطيني هو النضال من أجل تحرير اليهود من سموم الحركة الصهيونية التي قتلت الإنسانية في داخلهم، وأخرجتهم من دائرة البشر، فهذا واجب علينا كمناضلين، ويجب أن نضعه في دائرة اهتمامنا لتحريرهم من حقدهم، ومن الأفكار العنصرية والنازية التي تشربوها.
أمّا السؤال عن الحرية، فهي حرية مجزوءة على الرغم من المساحة الواسعة. فنحن طوال وجودنا في السجون، كنا نشعر بأننا أحرار بفكرنا وبقناعاتنا وإرادتنا. الحرية ليست فقط مساحة، الحرية هي أن تشعر بأنك حر وأنت مقيد، وهذا الشعور كان موجوداً عندي. فأنا عندما كانت يداي ورجلاي مقيدة، والسجانون ينهالون عليّ بالضرب، كنت في داخلي سعيد لأني أشعر بأن حريتي تؤلم هؤلاء العنصريين؛ وحتى عندما كنا مبطوحين على الأرض والكلاب تقفز فوق ظهورنا، كنا ننظر إلى بعضنا نحن الأسرى ونضحك، لأننا نشعر بأننا أقوى منهم. السجّان ملّ، ويريد أن ينتهي ممّا يفعل بسبب الحر، بينما نحن على قناعة بقول الله عزّ وجلّ: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون} [سورة النساء، الآية 104].
الآن وقد أصبحت في المنفى، فالمساحة الكبرى فيه تذكّرني ببيت الشعر الذي درسناه في المدارس وتربينا عليه: “وطني لو شُغِلْتُ بالخلد عنه / نازعتني إليه في الخلد نفسي” [الشاعر أحمد شوقي]. صعب أن تنتزع الإنسان من ذكرياته ومن محيطه، لكن بما أننا وحدويون، فإننا نعتبر هذه الأرض كلها أرضنا، من المحيط إلى الخليج، وإن كانت الحكومات ترفض هذا الكلام. فأنا حين كنت في مصر شعرت بأني امتداد للشعب العربي في مصر من قبل 2000 عام؛ كنت أشعر بأني في بلدي.
هذا يأخذنا أيضاً إلى جزئية متعلقة في الإبعاد إلى مصر، هل تلقيتم أي اهتمام أو مساعدة منذ الإبعاد، وهل تشعر بأن قضية الأسرى ككل، والمبعدين تحديداً، ما زالت حية؟
قضية الأسرى يجب أن تبقى حية. الاهتمام المعنوي رائع، فالناس جميعهم تعاطفوا معنا، واستقبلونا، وأي شخص كان يعرف أننا أسرى مفرج عنهم، كان يتلقّانا بكل رحابة صدر وترحاب وحرارة. هذه حقيقة لمسناها في مصر، وحتى في تركيا التي بعد أن وصلت إليها ذهبت يوم الجمعة إلى مسجد، فلفت انتباهي رجل كبير في السن لا يتكلم العربية، سألني من أين أنت؟ قلت له “فلسطين قدس”، فوراً قال: بالروح بالدم نفديك يا أقصى. هذا الأمر يجعلك تشعر بأن هناك أناساً لا تعرفهم ولا يعرفون لغتك، ولا يوجد أي ارتباط عائلي معهم، لكن عندما تلقاهم لأول مرة يجمعكم شعور بأن القضية الفلسطينية موجودة في الوعي واللاوعي عند الإنسان العربي والمسلم والحرّ في العالم. وهنا تحسّ بأنك لست وحدك في هذا الشعور الوجداني. في مصر كذلك، عندما تزور قلعة صلاح الدين تشعر بالتاريخ وتعيشه، وبأن من هذه القلعة انطلق تحرير فلسطين من الصليبيين، كذلك حين تذهب إلى مكتبة الإسكندرية، تشعر بأنك في مركز الحضارة، وقد التقيت هناك مع وفد تونسي داخل المكتبة، وكان سلوكهم وكلامهم يعززان ما قلته سابقاً. المشترك بيننا وبين تونس مثلاً، قصيدة “إرادة الحياة” لأبي القاسم الشابي التي يقول فيها: “إذا الشعب يوماً أراد الحياة / فلا بد أن يستجيب القدر” وُلدت في تونس، لكن كل أم وأخت وزوجة وسجين وابن سجين وأبو سجين، يرددون هذا البيت الشعري. هذه الأمور كلها تُشعرك بأنك تمشي في الطريق الشعبي الصحيح، بينما الاهتمام الرسمي في حده الأدنى. وللأسف، نحن نعيش في مصر في الفندق على حساب فصيل المقاومة، أمّا الجانب الرسمي الفلسطيني فيقدم الراتب الذي يُلحقون الأسير فيه ويحسدونه عليه، و”محسود” هذه ضعها بين قوسين، مع أنه يساعده على تأمين حياة كريمة. كما أن مَن يريد من الأسرى الخروج إلى قطر أو تركيا، فالسلطة تضغط لعدم استقبالهم، وذلك بسبب مناكفات داخلية. والحقيقة أن كل ما يحدث في الوطن ينعكس علينا، لكن التغيير قادم، والأفضل قادم، وهذا بفضل تضحيات الشهداء والأسرى، وخميرة التغيير قادمة إن شاء الله، والأسرى إحدى هذه الخمائر.
منارة الشعب المقاومة
ننتقل إلى السياسة. بالعودة إلى يوم 7 تشرين الأول / أكتوبر، كيف تلقيتَ الخبر، وبعد أن أدركت حجم العملية، كيف قيّمت الأمور ومآلاتها؟
أنا شخصياً لم أتفاجأ، أقول الحقيقة، والأسرى يشهدون. فأي مكان محاصر أعواماً طويلة من طرف العدو والصديق، لا بد له من أن ينفجر، وهذا ما يبشر بالتغيير في المستقبل، إذ إن الذي يحاصر الشعب الفلسطيني سيلقى الانفجار في النهاية. وقد ثَبُت أن الأوطان لا تتحرر إلّا بالمقاومة، وهذا ما قالته الشعوب عبر التاريخ.
الفصائل الفلسطينية كلها أرسلت سابقاً أبناءها كي تتدرب في فيتنام والصين والجزائر، وكانوا يتفاخرون بذلك قائلين: أنا خريج الجزائر، وأنا خريج الصين، وأنا خريج فيتنام. والجميع تعلّم عن الحرب الشعبية وحرب العصابات، ودرس التنظيرات التي كانت موجودة في الكراسات لدى كل التنظيمات، لكن هذه التنظيرات للأسف، لم تمارَس بالشكل الجدي، ولا بالإعداد الكافي، إلّا في 7 تشرين الأول / أكتوبر الذي هو الدرب الحقيقي الذي أدخل هذا الكيان في صدمة لن يستيقظ منها إلّا بكنسه من هذه المنطقة.
إن حجم التضحيات شديد، والمقصود بالقتل الإسرائيلي للأطفال والنساء والشيوخ، وبالتدمير الهائل الذي تشاهدونه، هو التسبب بضغط شعبي على المقاومة، مثلما حدث في فيتنام، ومع ذلك انتصرت، وتم إعمارها من جديد، وأصبحت دولة. ونحن نريد أن نتحرر، لكن لا المؤتمرات، ولا ما يسمى المجتمع الدولي، سيحرراننا، فبالتالي فإن الشعب الفلسطيني الذي يعوّل على هذين الأمرَين لم يحقق أي هدف من أهداف التحرر والتحرير والحرية، فالذي يريد العودة إلى بلاده عليه أن يدفع الثمن، وعليه أن يتحمل، إذ لا يمكن أن تستخدم في وجه عدوك ورقة “محارم” وهو يستخدم لمواجهتك عصا غليظة.
لقد أعطت المعركة هذا الكيان حجمه، وأثبتت بصورة قاطعة أنه فقاعة يحتاج إلى شوكة لتنخره. وهذه هي المرة الأولى في التاريخ، التي يهدَّد فيها الكيان وجودياً، من طرف فصيل فلسطيني، فصيل مقاومة في الداخل الفلسطيني مع مجموعة من الفصائل الأُخرى، وليس من جيش رسمي مكون من 100,000 أو 200,000 جندي. والإرهاصات الموجودة، كتوسعهم في سورية، وفي لبنان، ولؤمهم وحقدهم في فلسطين، ورغبتهم في السيطرة على المنطقة، أمور تجعلني أعتقد أن الشعوب حية، وأن النخب المقاومة ترتب نفسها، وستنفجر في وجه الكيان، وفي وجه مَن يواليه ويدعمه ويحافظ عليه، فجميع الدول “الوظيفية” مع الكيان مآلها إلى الزوال.
ما حدث في “الطوفان” على المدى الاستراتيجي يبشّر بالخير على الرغم من الألم الشديد. هذه قناعاتي، وما حدث هو شرف لأبناء وأحفاد الذين استشهدوا، أكانوا مقاومين أم عزّلاً، فهم سيكونون خميرة التغيير، وسيفتخرون بعد 50 عاماً بالقول: أنا جدي كان في معركة غزة لإنهاء هذا الاحتلال، وأنا جدي أو أخي أو أبي بنى هذا الصرح من الحرية ليس لفلسطين وحدها، بل للمنطقة كلها، لبلاد الشام ولبلاد العرب وللإنسانية كلها.
واسمح لي بأن أقول للمرجفين أو الخانعين أو بعض “المثقفين” الذين يحاولون النيل من المقاومة بشعارات موجودة وجاهزة، بأن ما يقولونه سيرتدّ عليهم، وسينبذهم التاريخ. فكل مَن يطعن في المقاومة، سيلفظه التاريخ ويضعه جانباً، وهذا ما حدث في جميع ثورات العالم، ونحن لسنا استثناء عن هذه الثورات، ففي كل ثورة وُلدت نخب، تحت شعار العقلانيين، مرتبطة بطريقة أو بأُخرى بالاستعمار أو بمصالحه، وكلها نُبذت.
عطفاً على ما ذكرت بأن ما حدث من الناحية الاستراتيجية مبشر بالخير، ألا تعتقد في رأيك أن الانقسام الفلسطيني الفلسطيني يشكل معوقاً للنتيجة التي ذكرتها؟
لقد كان الانقسام بين فصيلين، لكنه اليوم بين تيارَين، تيار يتبنّى العمل للتحرر والتحرير، وتيار يتساوق مع ما يجري، وهو نظام رسمي متهاون، أو يعتقد نفسه عقلانياً. هل حققت هذه العقلانية عبر التاريخ الحديث للشعب الفلسطيني منذ النكبة حتى الآن شيئاً؟ هل كانت هذه الفصائل موجودة عندما حدثت مذبحة دير ياسين والطنطورة وعشرات المذابح الأُخرى؟ كل مَن وُلد في هذه المعركة لم يكن موجوداً، ولذا فإن هذا الشعار يجب أن يكون للجميع، وهو أن المعركة هي معركة التحرر والتحرير، فإن لم توجد “فتح”، لكان هناك تنظيم آخر، كما أن “حماس” وُلدت بعد انطلاق الفصائل بعشرين عاماً. وإذا تخلت “حماس” عن مبادئها وعن عملها في التحرر والتحرير، فإن شيئاً جديداً سيولد. قضيتنا ليست قضية فصيل، صحيح أن الانقسام مؤلم ومرفوض، إلّا إن هدف الشعب الفلسطيني واحد، هو التحرر والتحرير، وبالتالي الحرية. فأنا لا أعتقد أنه يوجد فلسطيني في لبنان أو في سورية أو في الأردن أو في الشتات عامة، غير راغب في العودة إلى بلده، ويريد البقاء في مخيم منبوذ، حتى من النخب السياسية للبلد المضيف. ففي لبنان مثلاً، حياة الشعب الفلسطيني في المخيمات أسوأ مئة مرة من مخيمات غزة، ذلك بأن اللاجىء محروم من العمل في أكثر من 72 مهنة. إذاً، القصة ليست قصة تنظيم أو فصيل، وإنما هي نهجان أو تياران مثلما ذكرتُ، فهناك أناس منتفعون، وكل ثورة فيها متسلقون، وفي حالتنا بعدما صارت الثورة تتآكل بعد سنة 1982، وبعد الدخول في مفاوضات “مدريد” وما بعدها، بات لدينا نخب تصعد بكل انتهازية على حساب دماء الشهداء. وفي رأيي فإن كل شهيد في صبرا وشاتيلا يجب أن يطالب هؤلاء الناس بحقّه، لماذا أموت أصلاً؟ لماذا أموت في الفاكهاني، بينما يصبح ضابطٌ مسؤولاً في الضفة الغربية في حكم ذاتي مجزوء جداً، من دون سلطة؟ وبالتالي، فإن كل شهيد في المعارك السابقة للثورة الفلسطينية بفصائلها هو الآن الأخ والشريك لمَن يقاوم في غزة، لأنهم امتداد بعضهم لبعض، وكل انتهازي هو امتداد لروابط القرى، ولجميع العملاء الذين حاولوا تذويب قضية الشعب الفلسطيني وإلغاءها.
في الصراع الموجود، التسليم والتهاون سيؤديان إلى النبذ من التاريخ، وقد نُبذت شخصيات وعائلات في ثورة 1936 وفي نكبة 1948، أمّا عز الدين القسّام مثلاً، فدخل التاريخ لأنه مع مجموعة من الذين كانوا معه صدقوا الناس في نضالهم وجهادهم.
إن روح المقاومة تنتقل من واحد إلى واحد، مثل الحبل السري، وتعطي الحياة إلى كل من يقاوم، بينما مَن لا يقاوم، لو أعطيته “ماسورة 20 إنش” وتضخّ فيه من خلالها الحياة، فسيموت. المقاومة هي الحياة للشعب الفلسطيني، وممنوع على أي مظلوم أن يستكين، بل عليه أن يضحي ويتعب. الكيان الصهيوني لا تنفع معه العقلانية بالشكل المطروح.
بالعودة إلى الانقسام، هو انقسام بين تيارين مثلما ذكرتُ، تيار مقاوم بكل أشكاله أحمر وأزرق وأصفر، حتى عند “فتح” ثمة كثيرون من الأسرى يقولون شكراً للمقاومة، ولا يقولون شكراً لمَن تركهم في السجن 20 و30 عاماً، وجميعهم يحلفون بحياة زميلهم وصديقهم وحبيبهم الشهيد أبو إبراهيم (يحيى السنوار). المعركة في الأصل هي معركة التحرر والتحرير، لكن الأسرى هم جزء من الأهداف على طريق التحرر والتحرير.
قضيتنا حية، ومع أن الدماء والدمار في غزة مؤلمان، إلّا إن هذه القضية عادت إلى بريقها من جديد، وأصبحت القضية الأولى عربياً وعالمياً. يمكن أن يحدث شيء كبير في العالم، كالقصف المتبادل الآن بين الهند وباكستان، فهذا الحدث يشغل نسبة من العالم، لا العالم ككل، أمّا فلسطين فالعالم بأسره مشدود إليها، لأنها بحسب ما قال محمود درويش: “عَلَى هَذِهِ الأرضِ سَيَّدَةُ الأُرْضِ، أُمُّ البِدَايَاتِ أُمَّ النِّهَايَاتِ. كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين. صَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين” [من قصيدة “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”]، فهذا شعر يردّده المثقفون على المنابر والمسارح ويتغنون به، كأنه حبة “شكولاتة” ملفوفة بورق ملون. إن قضية فلسطين، قضية فيها شوك وحجارة وألم وتضحيات.
في رأيك ما هو المطلوب في المديين القريب والمتوسط فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وماذا بشأن المشروع الوطني الفلسطيني؟
أنا متفائل فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فهي في مسارها الصحيح ما دامت تقاوم، كما أن المشروع الوطني يحمل بذرة التحرر الوطني، فاللاجىء في مخيمات الرشيدية، وعين الحلوة، وبرج البراجنة، والأمعري، والشاطىء، والنصيرات، والذي في القرية، وفي المدينة، وفي تشيلي، يقول: “فلسطين حرة”. لكن هل تحررت فلسطين؟ لا، هل رجع اللاجىء إلى أرضه؟ لا. بالتالي المشروع الوطني يكمن في حقّ العودة، نقطة وانتهى السطر. حقّ العودة، وبعدها نتقاتل في البرلمان، وفي صندوق الاقتراع. والتحرر الوطني لا يحتاج إلى فلسفة ماركسية أو وجودية، ولا إلى سارتر أو هيدغر، لأن الفلسفة في فلسطين هي التحرير والعودة، أمّا القضايا الأُخرى، فنتركها إلى ما بعد التحرير. هذا حدث مع جميع الشعوب. وكلنا خلف المقاومة، سواء أكنت أحمر، أم أصفر، أم أخضر، “إن شاالله” [حتى لو كنتَ] تؤمن ببوذا، فإن حصتك في بوذا في فلسطين ضائعة، وعليك أن ترجعها، وإذا حصتك في كنيسة القيامة، عليك أن ترجعها، أمّا أن تذهب لتصلي بتصريح، ثم تقول أنك مؤمن، لا، أنت غير مؤمن، وأنت والإمام “الله يسهل عليكم”. أنا أريد أن أصلي في الأقصى، أريد أن أذهب ورأسي مرفوع لا ينحني إلّا لله، فأنا لا أنحني لواحد يعطيني تصريحاً من أجل صلاتي، فهذه الصلاة غير مقبولة، أكنت مسلماً أم مسيحياً.
إذاً، التحرير هو الذي يجمع، ففي المشروع الوطني إجماع على أن هناك آلافاً من يافا وحيفا وصفد وقرى الجليل كلها، أُخرجوا من مدنهم وقراهم، ولهم الحقّ في العودة إليها. أنا أريد إرجاع الفلسطينيين إلى بلدهم، ثم إذا أردتَ كفلسطيني أن تهاجر فهاجر، لكن هاجر من فلسطين الحرة العربية الموحِدة للأمة العربية في الجغرافيا وفي الوجدان وفي العقيدة. فلسطين هي الرابط بين العرب كلهم، ومَن لا يؤمن بهذه النقطة، لديه خلل في قناعاته وفي رؤيته، فأي شخص لن يشعر باستقلاليته إلّا باستقلال فلسطين، كما أن الفلسطيني الذي يستكين، أعتقد أن لديه خللاً في فلسطينيته.
ما يحدث في الضفة الغربية اليوم يمكن أن نسميه “غزة صامتة”، على الأقل في شمالها. ماذا تقول لغزة والضفة في ظل الأوضاع الراهنة؟
سأطرح عليك مثالاً، في الماضي لم يكن هناك كهرباء، ولم يكن هناك تلفونات، السفن الفينيقية كانت تُبحر من لبنان، من صيدا وصور، ومن يافا وحيفا، في اتجاه الغرب، أو إلى الإسكندرية وأقاصي الأرض. كيف كانت تعود إلى الميناء، من دون أن تصطدم في الصخور؟ كانوا يضعون منارة عليها ضوء في الليل، وفي النهار دخان. اليوم، العنوان للشعب الفلسطيني معروف، المنارة موجودة، وهي البوصلة، وفي السياق الفلسطيني أي بوصلة غير العمل على التحرر والتحرير فيها خلل، وعنوان المنارة موجود في المقاومة. ومع أن الاحتلال عمل على تفكيك العمق العربي وتفتيت الجبهات جبهة جبهة، إلّا إن التوسع في سورية مثلاً، سيجعل الناس يقتدون بما حدث في لبنان في سنة 1982، إذ وُلدت حركة مقاومة بعد أن خرجت الثورة الفلسطينية، وقاومت هذه المقاومة في البدايات بسلاح تُرك بعد خروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان، ونجحت المقاومة بعد ذلك في إجبار الاحتلال على الخروج أولاً من بيروت والجبل ومناطق في الجنوب اللبناني، ثم في سنة 2000 من المناطق التي بقي الاحتلال فيها في الجنوب، وقد شاهدنا عبر شاشات التلفزيون كيف اندحر الاحتلال، وهذا أبكاني وأضحكني، وأنا أشاهد كيف خرج جنوده من الجنوب اللبناني. اليوم، الإرهاصات الموجودة وكذلك الظروف الموضوعية – لنرجع إلى مصطلحات الرفاق – ففي سورية ولبنان والأردن سيؤدي بقاء الاحتلال إلى بزوغ تشكّل جديد من المقاومة، وسيتم هذا بفضل الله، ثم بفضل التضحيات التي ترونها وتسمعونها، وهي مؤلمة، وربما تكون مؤلمة أكثر، إلّا إن ألم الميلاد، وبكاء الطفل القادم، وفرح الأم التي عانت الألم، هي إعلان بزوغ حياة جديدة، والقادم الجديد سيتشكّل كيفما نُرِد، أكان تحرراً بالقوة، أم تحرراً اجتماعياً، وذلك بحسب الوضع الذي نحن فيه، لكن العنوان معروف، ومنارة المقاومة التي لن تخبو ولن تنهار إن شاء الله.
قراءة وثقافة
حدثنا عن اهتماماتك الثقافية، والقراءات التي تلقى اهتماماً لديك، والموسيقى التي تحب أن تستمع إليها، وما الذي تخطط له في الأيام المقبلة؟
منذ نعومة أظافري، وأنا منكبّ على القراءة، واشتركت في صغري في مكتبات رام الله والبيرة العامة، وكنت أشتري كل يوم الجريدة، وأذهب بها إلى المدرسة أحياناً، وأقرأ منها في إذاعة المدرسة، وتحديداً جريدة “الشعب” التي كنت أعتبرها الأقرب إليّ. لكنني في الوقت نفسه، لم أحصر نفسي في نوع معين من القراءة، إذ كنت أقرأ مذكرات الفنانين، ومذكرات السياسيين والثوريين في العالم، يعني ثقافة متنوعة. فأنا أقرأ الأدب الروسي، والأدب الأوروبي، والفقه الإسلامي، كما قرأت عن الحرب العالمية الأولى، والآداب التي كُتبت عنها، وكذلك عن الحرب العالمية الثانية، وفي الأدب العربي، والأدب المقاوم، وفي الجغرافيا، والسياسة. وفي قراءاتي كلها كنت آخذ ما أريد منها، وأترك ما لا أريده. إن الثقافة المتنوعة تعطيك أفقاً أوسع، ومعرفة عن الشعوب الأُخرى.
أمّا الموسيقى، فأحب الشعبية منها، كآلة اليرغول، وأستمع إلى بعض الأغاني، مثل أغنية سيد مكاوي “الأرض بتتكلم عربي”، وأغنية محمد عبد الوهاب “أخي جاوز الظالمون المدى”، وأغنية أم كلثوم “أصبح عندي الآن بندقية”، وجميع أغاني الشيخ إمام. وهذه الأغاني كلها تدخل في دائرة المعاني. دعني أخبرك نكتة، في سنة 2011 أُفرج عنا، وكان لي كلمة في مهرجان للأسرى في سنة 2012، تحدثت فيها عن التغيرات الفنية في فلسطين بعد “أوسلو”، فأنا أذكر أننا تربينا على أغاني الثورة مثل أغنية “طالع لك يا عدوي طالع” وأمثالها من الأغاني، وأذكر أننا استُقبلنا يوم خروجنا في سنة 2011 على أنغام أغنية: “حط السيف قبال السيف، الحقّ بيرجع لصحابو، شوفوا هالبارودة كيف فتحت هالسجن وبابو”، وقلت لهم هذه هي الثقافة التي يجب أن يتربى عليها الإنسان الفلسطيني، وأخبرتهم أيضاً عن أغنية صدرت في سبعينيات القرن الماضي، هي: “عصفور طل من الشباك قلي يا نونو”، فعلّقت قائلاً إن “نونو” لا يمكن له أن يُخرج أحمد سعدات من سجنه. وهذه الأغنية وقت صدورها كانت تُسمع بكثرة، ويمكن أن يسمعها الشخص في ظل شجرة لوز مع فنجان قهوة، فهذه حالة رومانسية. ما أقوله إن الثقافة تتعمم، وأنا قلت لمَن كانوا يدخلون إلى الأَسر، أكانوا أصحاب التوجه الإسلامي، أم من التوجهات الأُخرى، حاولوا التمسّك بالفن العربي الأصيل، سواء كانت نغمة عود، أو “أخي جاوز الظالمون المدى” وبعض الأغاني الوطنية المأخوذة من الشعر الجدّي، أو الشعر العربي، وعدا ذلك فإنها كلها هابطة، لأن السائد في ثقافتنا اليوم في الأغاني سيئ، أكان ذلك في الوطن العربي، أم في فلسطين. يعني في الأعراس الآن تتردد أغنية “تيرشرش تيرشرش”، “إيش هاظا [ما هذا] تيرشرش تيرشرش!” وأنتم عليكم دور في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، المجلة وجميع الكتب التي تصدرونها ممتازة، لكن يجب أن يكون هناك منشورات مبسطة لطلاب المدارس.
ربنا في القرآن الكريم يقول: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ} [سورة الروم، الآية 42]، ولهذا يجب النظر إلى مَن قبلك، سواء أكنت حزباً أم دولة أم فرداً، فتأخذ المحاسن وتتجنّب المساوىء، فالثقافة التي يجب أن نبني عليها جيلاً، هي ثقافة عز الدين القسّام، وعبد القادر الحسيني، ودلال المغربي، وأعتقد أن دلال المغربي “بتروحش” [لا تذهب] كل يوم صباحاً إلى صالون للتجميل “منيكور” و”بديكور”، ولا تذهب كل يوم إلى وزارة شؤون المرأة.
زوجة ابن عمي منذ سنة 1978 حتى سنة 2024، وبلا انقطاع، كانت موجودة على أبواب السجون لزيارة زوجها وأولادها؛ 46 عاماً، في الأعياد والمطر والحر تكون موجودة على باب السجون. يذهب الرئيس إلى مصر لتكريم ناديا لطفي وإعطائها درعاً، كونها أتت إلى لبنان في لحظة محددة، وقالت أنا مع الشعب الفلسطيني. أنا مع تكريمها، لكن مَن الأفضل؟ ومَن التي تستحق التكريم؟ عندك واحدة بعيدة عنك عشرة كيلومترات، ولا تذهب إليها لتقول لها كيف حالك! أي منطق يمشي على منطق “أوسلو” عليه أن يعتذر لنا.
في الختام، وفي سياق هذه الأسئلة الشخصية، ما هي الأفكار التي تراودك الآن بعد أن خرجت من السجن؟
تراودني أفكار كثيرة، وأحياناً أحتفظ بها لنفسي. فأنا لديّ مشروع كتابة متعلق بما شاركته معكم في هذا الحوار، لكنني أريد أن أهدأ قليلاً قبل أن أبدأ بالكتابة، ولذلك رفضت كثيراً من المقابلات. لا تستغرب لأنني حكيت معكم، وقبلت إجراء المقابلة معكم، فالسبب في ذلك هو احترامي لمؤسسة الدراسات الفلسطينية، كما أننا في الأَسر كنا نقرأ “مجلة الدراسات الفلسطينية”.
التجربة يجب أن تقدَّم إلى الناس بالشكل الصحيح، ومع أن الأمور الشخصية تُعتبر أموراً عامة، إلّا إنني لا أفصل بينهما، وإذا فعلت ذلك فكأني أفصل اللحم عن العظم. ذات مرة كنت مدعواً إلى الطعام مع إخوان وأصدقاء في منطقة جميلة جداً على مدّ النظر في تركيا، وعندما شرعنا نأكل إذا بخبر يصلني على الهاتف عن استشهاد أسير بعد 19 عاماً في السجن الإداري*. أنا أعرفه شخصياً، لكني لم أُخبر مَن كانوا معي إلّا واحداً منهم، وقلت له: “شو طعم الأكل، الأكل ميكانكياً بتعبي بطنك، لكن والله ما بستلذ ولا بلقمة ولا بستطعم بلقمة”، فالخاص والعام واحد. خرجت أتمشى في منطقة لا أعرفها في القرية التي كنا فيها في تركيا، ومشيت لنحو 4 كيلومترات، حاملاً حقيبة على ظهري، والتقيت بأتراك لا يعرفون العربية. وفي كل خطوة كنت أمشيها، كنت أفكر بالأسرى وأهاليهم المحرومين في مساحة محدودة، وأسأل نفسي لماذا يستطيع التركي أن يمشي 12 ساعة من دون أن يسأله أحد إلى أين؟ وأنا من كوبر إلى بيرزيت [5,7 كلم]، عليّ أن أمرّ على حاجزَين؟
وهذا هو تفكيري بغزة، فأنا أشعر بغزة التي تجوع، لأنني جربت الجوع في السجن، فقد جعتُ وتعريت وتبهدلت، فإذا بدي أخرج من إطاري الداخلي، لا أعود إنساناً. ما أريد قوله هو أن على الإنسان أن يحافظ على إنسانيته من خلال الشعور مع الآخرين.
* هو الأسير محيي الدين فهمي سعيد نجم (60 عاماً) من مدينة جنين، استشهد في 5 أيار / مايو، وكان معتقلاً إدارياً منذ 8 آب / أغسطس 2023، وقد أمضى نحو 19 عاماً في السجون الإسرائيلية.
السيرة الشخصية:
أيهم السهلي: مساعد باحث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية
باسل فرّاج: مدير معهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية.