من الاحتجاج إلى التنظيم المستدام: مشروع جماعي لمواجهة الجريمة وزعزعة البنية الكولونيالية الاستيطانية

تشكل المظاهرات والاحتجاجات المتصاعدة ضد الجريمة والعنف في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل لحظة سياسية مهمة، لحظة غضب وتعبير سياسي جماعي ضرورية، لكنها تبقى غير كافية ما لم تتحول إلى تنظيم مجتمعي مستدام قادر على فرض تغيير فعلي. التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الخروج إلى المظاهرة، على الرغم من أهميتها، بل في ما بعد المظاهرة: كيف نحول الاحتجاج إلى قوة اجتماعية وسياسية طويلة النفس، قادرة على الاستمرار حتى وقف الجريمة والعنف، وفتح أفق مواجهة أوسع مع البنية التي تنتجهما؟

الاستدامة هنا ليست مسألة تقنية أو تنظيمية فحسب، بل مسألة سياسية وأخلاقية. فالجريمة ليست ظاهرة طارئة، بل نتيجة بنيوية لسياسات دولة ممنهجة: تفكيك اجتماعي وسياسي متعمد، إهمال، نزع حماية واستهداف، تفكيك الاقتصاد المحلي، وانتشار السلاح في فضاء تُدار فيه الدولة بغياب متعمد. مواجهة واقع كهذا تتطلب الانتقال من ردّ الفعل إلى بناء أطر تنظيمية دائمة وتنظيم البنى المجتمعية الموجودة—لجان شعبية، أطر شبابية، تحالفات بين سلطات محلية، مجتمع مدني، أصحاب مصالح ومهن، وأكاديميين—تراكم المعرفة، تكثيف التنظيم والتنسيق بين القوى المختلفة، تتابع الضغط، وتحوّل المطالب إلى أدوات مساءلة سياسية مستمرة، داخليًا تجاه مجتمعنا ومركباته وخارجيًا تجاه دولة إسرائيل.

لكن تحويل الاحتجاج إلى تنظيم مستدام يفرض أيضًا توسيع أفق النضال. فالمعركة ضد الجريمة لا يمكن أن تبقى محصورة في هذا الملف وحده، بل يجب أن تتحول إلى مدخل لبناء شراكات أوسع تهدف إلى زعزعة البنية الكولونيالية الاستيطانية للدولة نفسها: ربط الجريمة بسياسات السيطرة، وبالتمييز البنيوي، وبنظام الحكم القائم على الفصل العنصري. الشراكة هنا ليست “تعايشًا” أو “توازنًا زائفًا”، بل شراكة ندّية، مشروطة بالاعتراف باللامساواة البنيوية، وبالمسؤولية السياسية للدولة وللمجتمع اليهودي الإسرائيلي.

في هذا السياق، تكتسب عملية نقل مركز المواجهة إلى الحيز الإسرائيلي العام أهمية مركزية. فإبقاء الاحتجاج محصورًا داخل البلدات العربية يعمّق ما يمكن وصفه بـ”الحياة الموازية”: مجتمع فلسطيني يعيش في فضاء غير آمن، وفي بعض الأحيان على بعد كيلومترين فقط من بلدات يهودية تتمتع بالأمن والحماية والموارد. هذه الفجوة ليست مسألة موارد فقط، بل سياسة فصل اجتماعي–سياسي ممنهج تُنتج واقعين منفصلين. كسر هذا الفصل، عبر الاحتجاج والتنظيم في قلب المركز الإسرائيلي في القدس أو تل أبيب، هو كسر لمنطق العزل، وفضح للادعاءات والرواية الإسرائيلية العنصرية والاستعلائية.

هنا تبرز أهمية تفكيك الادعاءات الثقافوية التي تُحمّل المجتمع الفلسطيني مسؤولية العنف بذريعة “الثقافة” أو “البنية العائلية”. هذه السرديات ليست تفسيرًا، بل أداة حكم: إنها تنقل المسؤولية من الدولة الكولونيالية الاستيطانية إلى المجتمع الأصلاني الضحية، وتحوّل الجريمة من قضية سياسية بنيوية إلى “خلل اجتماعي داخلي”. التنظيم المجتمعي الواعي يعيد ربط العنف بسياقه الحقيقي: سياسات إضعاف الأصليين، نزع الحماية، تعمد عدم تطبيق القانون، السيطرة السياسية الانتقائية، والتمييز الاقتصادي المتراكم ومصادرة المكان والوطن.

ضمن هذا المسار، يمكن فهم “هابيتوس الصمود”—لا كخطاب بطولي أو قدرة فردية على التحمل، بل كقدرة وممارسة اجتماعية–سياسية واعية للحفاظ على البقاء بكرامة وكبرياء، ولإعادة بناء المجتمع تحت ظروف السيطرة الاستعمارية. الصمود هنا هو فعل تنظيمي: إعادة إنتاج الحياة، وبناء شبكات حماية ذاتية، وتحويل المعاناة إلى معرفة مفككة للإبستمولوجيا الاستعمارية، وهو فعل وطني–جماعي. تحويل الصمود إلى ممارسة تنظيمية يعني نقل المجتمع من موقع التصدي للعنف إلى موقع يواجه البنية الاستعمارية.

ولا يكتمل هذا المشروع دون فتح أفق تضامن دولي. فتنظيم المجتمع داخليًا، وبناء خطاب سياسي واضح، يتيحان إيصال الصوت إلى الخارج: تعريف الفلسطينيين في إسرائيل كمجموعة قومية أصلانية تخضع لنظام فصل عنصري وسيطرة، وليس كأقلية “مدمجة” تعاني من مشاكل داخلية داخل دولة “يهودية–ديموقراطية”. رفع الوعي الدولي كأداة ضغط، وتوسيع لساحة الصراع، وربط للنضال المحلي ببنى عالمية لمناهضة الاستعمار والأبرتهايد، وفضح السياسات الإسرائيلية وواقع التفوق العرقي وسياسات السيطرة تجاه عموم الفلسطينيين: في الضفة والقدس وغزة، كما تجاه مجتمع المواطنين الفلسطينيين.

إن تطور البعد التنظيمي الداخلي، بالتوازي مع بناء علاقة سياسية حذرة ندّية واعية وأخلاقية ورافضة للفوقية مع المجتمع اليهودي–الإسرائيلي (رغم حرب الإبادة على شعبنا في غزة)، هو شرط مهم وضروري لمواجهة بنية الأبرتهايد. وكلما كان المجتمع الفلسطيني أكثر تنظيمًا، وأكثر قدرة على الفعل الجماعي، كلما اقترب من لحظة المواجهة الحقيقية مع هذا النظام. فالأبرتهايد هنا لا يعمل فقط عبر فصل الموارد، بل عبر فصل المجتمعين (غير متساويين) وإنتاج حياتين متوازيتين: حياة “طبيعية وآمنة” لليهود، وحياة هشّة ومهددة للفلسطينيين، حياة في ظل الموت الدائم. كسر هذه “الحياة الموازية” هو جوهر المشروع الأخلاقي والسياسي المطروح اليوم.

باختصار، المظاهرات ضد الجريمة، على الرغم من أهميتها الكبيرة، ليست غاية بحد ذاتها، بل نقطة انطلاق. المطلوب هو تحويلها إلى تنظيم مستدام، وإلى مشروع سياسي أشمل، يربط بين وقف القتل، وسفك دماء أبنائنا وبناتنا، وتعزيز الصمود المستدام، وزعزعة البنية الكولونيالية الاستيطانية، وفتح أفق تضامن داخلي ودولي. دون ذلك، يبقى الاحتجاج لحظة غضب، بينما يبقى العنف جزءًا من “الطبيعي” الذي فُرض علينا وكأنه قدر.

عن عرب 48

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *