من اتفاق أوسلو إلى مستقبل السلطة الفلسطينية


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

نظراً لأن موضوع هذه الندوة؛ أي مسار الحركة الوطنية الفلسطينية، منذ تولي الفصائل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وحتى اليوم، يمتد عبر عقود عدة، سأنطلق من محور واحد محدد لأصل إلى الحاضر، وبعد ذلك المستقبل، وبعض الأسئلة التي ستنشأ، مركزاً على مستقبل السلطة الفلسطينية وحركة فتح.

محور انطلاقي، هنا، هو خروج منظمة التحرير من لبنان، وانتهاء الكفاح المسلح من خارج الأرض المحتلة.  وأبدأ بالتساؤل: ماذا كان الهدف من الكفاح المسلح؟ إذا كان هذا السؤال مستغرباً؛ ذلك أن الإجابة عنه تبدو واضحة وبيِّنة؛ أي تحرير فلسطين، أسأل إن كان أحد يعتقد حقاً أنه كان في الإمكان تحرير فلسطين وهزيمة إسرائيل عسكرياً، من خلال غارات من لبنان على الأرض المحتلة، وأن المعركة مع العدو هي أساساً عسكرية وميدانية؟ وإذا كانت الإجابة عن هذا التساؤل هي لا، فماذا إذاً كان هدف الكفاح المسلح؟

أبدأ بهذا السؤال لأصل إلى المرحلة الثانية من ملاحظاتي، وهي اتفاق أوسلو، ثم ما بعد ذلك.  أما بخصوص الكفاح المسلح، فسأقترح أنه كان يهدف إلى تحقيق أمرين: تمثيل الفلسطينيين؛ أي من يمثلهم، والاستقلال النسبي للقرار الفلسطيني؛ أي استقلاله النسبي عن الدول العربية كي لا يكون ورقة في يد أي دولة عربية واحدة.  وأستذكر أن أبو عمار وقيادة المنظمة خاضوا معركة طويلة في مرحلة محددة تحت شعار “استقلال القرار الفلسطيني”، إزاء مسعى بعض الدول العربية إلى الاستحواذ على ما سُمّي بـ”الورقة الفلسطينية”.  إضافة إلى ذلك، كان الهدف الثاني من الكفاح المسلح إلى التوصل إلى تسوية سياسية مع إسرائيل، بدليل برنامج النقاط العشر الشهيرة التي أقرت في العام 1974؛ أي فقط بعد خمس سنوات من انتخاب ياسر عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في العام 1969.

بالتالي، لقد وفّر الكفاح المسلح دوراً سياسياً لمنظمة التحرير وقيادتها، هذا الدور الذي ضعف كثيراً بعد الخروج من لبنان وتوقف الكفاح المسلح، وانتقال قيادة المنظمة إلى المنفى السياسي في تونس.

وقد وفّرت الانتفاضة الأولى، من منظور القيادة الفلسطينية، وموضوعيا أيضا، فرصة لمسار سياسي بدأ في مؤتمر مدريد، ومحادثات واشنطن بعد ذلك. وكانت جهود وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق، جيمس بيكر، وجولاته المكوكية قبل وبعد حرب الخليج الأولى، عنصرا حاسما في انعقاد المؤتمر إزاء تعنت رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينة إسحق شامير ورفضه اية مفاوضات مع الجانب الفلسطيني، الى أن تم التوصل إلى الصيغة المعروفة، أن يكون الوفد الفلسطيني ضمن الوفد الأردني. بالرغم من هذا، أستذكرُ ما يقارب الخوف والهلع الذي خيّم على الوفد الفلسطيني في حينه، خشيةَ أن يُظنَّ أنهم قيادةٌ بديلةٌ عن قيادة منظمة التحرير حتى لو كانوا ضمن الوفد الأردني، إذ كانوا يستغلون كل فرصة سانحة للتأكيد على أن القيادة هي المنظمة. وناضلت حنان عشراوي إعلامياً في التأكيد على هذا، ولم يخلع المرحوم صائب عريقات الحطة الفلسطينية التي كانت تسعى إلى أن تؤكد استقلال الوفد الفلسطيني عن الوفد الأردني رمزياً، والتأكيد على التبعية لقيادة المنظمة فعلياً.  ويقال في بعض الروايات أنه لم يخلع الحطة الفلسطينية حتى عند النوم.

هذا الخوف من القيادة البديلة ليس بجديد.  وكان مصدر توتر بين الداخل والخارج في مراحل سابقة، منها، على سبيل المثال، الفترة التي صاحبت تشكل لجنة التوجيه الوطني في العام 1978، التي كان من أعضائها -كما تذكرون- بسام الشكعة، وحلمي حنون، وسميحة خليل، وكريم خلف، ومحمد ملحم، وإبراهيم الدقاق، … وآخرون.  وقد كتب إبراهيم الدقاق عن هذا التوتر بين اللجنة وقيادة منظمة التحرير في الخارج، حتى قبل وجودها في المنفى السياسي في تونس، وازداد هذا التوتر بعد توقف الكفاح المسلح، هذا الكفاح الذي جعلها “لاعباً” على الساحة العربية والدولية.

أعتقد أن هذا كان السبب الرئيسي وراء اتفاق أوسلو؛ أي عودة قيادة منظمة التحرير إلى “الحياة السياسية”، عن طريق إدارة حياة شعب على أرضه في الضفة الغربية وقطاع غزة، حتى لو بشروط مُذِلة، ووضع كل الأوراق في يد إسرائيل، منها تأجيل كل القضايا الأساسية إلى “مفاوضات الحل النهائي”، وعدم قبول وقف سرقة الأرض والاستيطان، والاعتراف بإسرائيل دون اعترافها هي بأي حقوق أساسية للفلسطينيين، فقط أن منظمة التحرير تمثل الشعب الفلسطيني، وبعد “نبذ الإرهاب” من قبل رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات.

وفيما يتعلق بمفاوضات أوسلو، للأمانة أقول إن الوفد الفلسطيني في أوسلو طلب إيقاف الاستيطان كما يقول أبو العلاء في مذكراته.  وأشار، أيضاً، إلى هذا الطلب أوري سافير، مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية في حينه، في كتابه عن مسار أوسلو، الذي كان ممثلاً رئيسياً لإسرائيل في المفاوضات.  وقد قوبل هذا الطلب بالرفض كما هو متوقع. ولم تضع قيادة المنظمة إيقاف استيطان شرطا لاستمرار المفاوضات، وفي هذا دلالة هامة على تلهفها للتوصل لاتفاق.

في كل الأحوال، كانت نتيجة انتقال قيادة منظمة التحرير إلى الأرض المحتلة هي اندماج المنظمة بالسلطة إلى درجة أن المنظمة أصبحت “دائرة” من دوائر “الدولة” الفلسطينية كما هو مبين في موقع لوكالة وفا.  وأضحت منظمة التحرير، ومعها “الدولة”، في الأسر، لا يمكنها أن تقود أي عمل مقاوم لسرقة الأرض وضم القسم الأكبر من الضفة الغربية الجاري حالياً أمامنا الآن.

في الأثناء، نحن الآن أمام مرحلة انتقالية، بين مرحلة أبو مازن وما تبقى من الجيل الذي له ماض نضالي في حركة فتح، الممثل جزئياً في اللجنة المركزية للحركة.  وعلى الرغم من الصراع الجاري على الخلافة في أوساط محددة داخل الحركة، يوجد صراع آخر جارٍ حالياً، وإن كان في بدايته، على من هي فتح.  وسيتعاظم هذا الصراع في المستقبل بعد المرحلة الحالية بفعل تعاظم سرقة الأرض والعنف المتزايد والمنفلت للمستوطنين، الذي يحظى بحماية من السياسيين في الحكومة الإسرائيلية. وقد بدأ هذا الصراع ميدانياً كما في حالة كتائب شهداء الأقصى في جنين، وعرين الأسود في نابلس.  وفي حالة كتائب شهداء الأقصى هو، أيضاً، صراع على من هي فتح، ومن سيستحوذ على اسمها وجناحها المقاوم.  وقد بدأ هذا الصراع سياسياً، أيضاً، كما في حالة الحركة الإصلاحية التي بدأها ناصر القدوة.  وأتوقع أن ظاهرة مغتربي فتح؛ أي المغتربين عن فتح السلطة، وأعدادهم كبيرة جداً في الواقع، ستكون الحاضنة لفتحٍ متجددةٍ بعد المرحلة الحالية لفتح السلطة، وفي صراع مع السلطة القائمة في حينه.

وأشير إلى أن ما يعرف الآن بهذه التسمية؛ أي فتح السلطة، لا يعكس الواقع الفعلي الآن؛ ذلك أن حزباً جديداً حل محل حركة فتح اسمه “حزب السلطة”.  ويتشكل حزب السلطة من طيف واسع فيه أعضاء اللجنة المركزية وآخرون يعتبرون أنفسهم من فتح، ورجال ونساء أعمال، ورأسمال له مصلحة في بقاء السلطة، وبعض الأعضاء السابقين في المجلس التشريعي، وأعضاءٌ في بعض أحزاب منظمة التحرير كما هي الآن، ومثقفو بلاط، ومهنيون من مهن مختلفة، … وهكذا.

لقد استحوذ هذا الحزب على اسم الحركة، ولم يتمكن أحد من مغتربي فتح التنافس على الاسم.  لم تتفتت فتح، ولكنها تبدلت وتغيرت، ولم تعد فتح التي كانت.  هذا على الرغم من المسعى المحموم للسلطة الحالية إلى الاتكاء على ماضي الحركة كما يبانُ، بوضوح، في الخط الإعلامي لتلفزيون وإذاعة فلسطين على سبيل المثال لا الحصر، وكما يبانُ، مثلاً، في استحضارهم بعض أغاني الثورة، من مرحلة الكفاح المسلح في لبنان، وفي مناسبات محددة، لغرض إضفاء “شرعية” على الحاضر، وفي مسعى إلى التعلق، وباستماتة، بأهداب ماضي الحركة.  وإذا كان هذا المسعى فاقداً للمصداقية الآن، سيكون مهزلة إن تم بعد هذه المرحلة.  ومن المرجح أن لا يتم، لأن المفارقة بين أغاني الثورة وواقع السلطة في حينه، أي في المستقبل، بقيادة أخرى غير الحالية، ستكون مفارقة كبرى، وأليمة أيضاً، وبدرجات.  فمن سيتسلم السلطة بعد هذا الجيل، في الغالب لن يكون حائزاً على هذا الماضي النضالي الذي انتهى مع هذا الجيل بعد العام 1982؛ أي بعد الخروج من لبنان، أو أنه سيبان بوضوح أن السلطة ستكون روابط قرى متجددة، فيها بعض رموز الماضي لا أكثر، وبخاصة أن الحكومة الإسرائيلية الحالية والمتنفذين فيها عازمون على إزالة أية صبغة سياسية وطنية للسلطة الفلسطينية.  ومن غير المستبعد، إن استدام بقاء هذه الحكومة، أن يسعى سموتريتش إلى تنفيذ خطته المعروفة بتحويل السلطة إلى ست سلطات محلية.  ونحن الآن في بداية هذه المرحلة.

ويبدو لي أنه من الواضح أنه ستنشأ مجموعة من الأسئلة بعد انتهاء المرحلة الحالية، حول كيفية التعامل مع السلطة في حينه، وعن مصير منظمة التحرير الفلسطينية ومن يمثلها؛ أي من يمثل الفلسطينيين ككل في الداخل وفي الخارج.  ومن غير الواضح أنه سيكون مقبولاً من قبل أغلبية من الفلسطينيين أن تمثلهم سلطة من النوع الذي أتوقع أن تكون عليه، وبخاصة إن لم تكن منتخبة، وأن يجري “اصطفاؤها” من قبل المجلس المركزي مثلاً، بعد التنسيق مع إسرائيل والولايات المتحدة.

أما بخصوص منظمة التحرير الفلسطينية، الدولة العضو المراقب في الأمم المتحدة، فإذا سعت السلطة القائمة في حينه التي أشرت إليها سابقاً، إلى تكرار ما هو حاصل الآن من دمج السلطتين، فأتوقع أن هذا ليس فقط لن يُقبل، بل سيكون مدار صراع، وسيجري الطعن في أي مسعى من هذا النوع.

أسئلةٌ كثيرةٌ لا إجابةَ واضحةٌ لها الآن ستنشأ مستقبلاً، ولا يوجد تداول علني حولها الآن، وكأننا أمام قدر كاسح لا حيدَ عنه ولا مفر منه.  وإذا كانت الأحزاب السياسية الفلسطينية غير قادرة، أو غير راغبة في إثارة مثل هذه الأسئلة الآن، يبدو أننا في حاجة إلى لجنة توجيه وطني جديدة، تضطلع بمثل هذه المهام بدلاً من انتظار رؤية نتائج الصراع على الخلافة، ضمن أطر ضيقة لا شرعية لها.  ولن يكون هناك مستقبل وطني لأي سلطة ستحكم في الضفة الغربية وتدّعي تمثيل الفلسطينيين ككل، وتنشأ في أسر الاحتلال، وفي ظرف من النوع الذي وصفته.

د. جورج جقمان: استاذ في برنامج الماجستير في الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبرنامج الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة في جامعة بيرزيت

ورقة قدمت في ندوة المنبر التقدمي الديمقراطي الفلسطيني المستقل رام الله، الاثنين 31/7/2023

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: جورج جقمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *