من أكون لأخيِّب ظن هذا الوهم ؟


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

يتقلص الزمن مثل البلازما، وتنساح الجغرافيا بدداً. يمر الزمن بسرعة مثل غبار القلق يتناثر على ما لست أدري. و أكتشف، في كل مرة، كيف أنه لم يعد من المجدي -مع تقدم العمر- البحث عن أسرار الغواية الأولى، في الواقع نتقدم في العمر منذ أن نبتعد عن صدور أمهاتنا، منذ أن ننسى طعم حليبهن، لننتقل إلى مراكمة خيبات الأمل والذكريات والأحزان والأفراح والمعرفة، ونتعلم فن الكذب. ويذهلني حقاً حين أتذكر إني دخلت المدرسة قبل نصف قرن. ياااه؛ منذ نصف قرن؟ وهل أنا عتيق إلى هذا الحد؟
يأتي صوت من داخلي ليقول، ليس مهماً أن تشعر إنك عتيق، طالما ما زلت تشتهي- في أحلامك- أنثى بحجم هذا العالم وأن تتخيل نفسك ولدت قبل عصر الكهرباء، وقبل الهواتف الثابتة والمتنقلة والسلكية واللاسلكية، وطالما ما زلت تردد، مثل صياد بدائي قصة الخلق الطينية بخيالٍ مكابرٍ، واثق ومسحة جنون. أو مثل عاشق هجرته حبيبته فيواسي نفسه بالقول ليسَ شرطاً في العشْق أن تتقاطَع الدُّروب.
يمر الزمن بسرعة وعناد مثل موج فاحش يتحرش بالأبدية, ومازالت عقارب الساعة تجر يومها بتثاقل في هذا الهباء الوجودي، تسحب -الساعة- ظلالها من بلاط الحاضر العبثي وأنا ما زلت أغالط الماء، يبدو أن لاشيء يغري عن طمأنينة العدم. لا معنى للمطلق، ولا عزاء عن الخيبة. “إن خطيئتنا الأصلية هي أننا لم نفعل كل ما كان يجب علينا أن نفعله من أجل أن لا نأت إلى هذا العالم !”. هكذا قال سيوران ذات شتاء.. ولا بأس من الاعتراف ببعض الخيبات: كأن تقول عرّافة من هناك، بأني شرير رغم أني لم أحترف حمل السلاح يوما، أو يقول غِرٌ معلقٌ على غنج الحياة بأني عدمي. أو تقول أنثى بأني “بياع حكي”.
لا يهم، هي خربشات للجميع وليست لأحد و ”أنا لست لي”. فلابأس من الاعتذار لأحفاد آلاف النمل تلك التي دستها عنوةً ذات شقاوة؛ لا بأس من الاعتذار للملايين تلك الحيوانات الدقيقة من سكان ماء الحياة الذي أريق في بلاليع قليط والذي كان من المفترض نظرياً أن يكونوا امتداد لسلالة الهوموسابيينيس.
لابأس من الاعتذار لفتاة المطر تلك التي التقيتها ذات جامعة، لعجزي عن جمع عناصرها من مجاز القول ولفهمي القاصر حينها للاحتواء بوصفه استراتيجية حب أنثوي. لابأس من الاعتذار لمن لم أبكِهم بعفوية؛ لخالد ابن جارنا الذي استشهد على ذمّة أهل الحرب الأهلية في لبنان، وهو لا يعرف معنى يسار ويمين.. لا بأس من الاعتذار لابن عمتي الذي اختار خندقه مبكراً ففاضت روحه في جليل الأمم، ليعيده بطريرك الضاحية فندفنه في مخيم اليرامكة (من طلب منه أن يعيده وهو الذي اختار الموت هناك؟). سأعتذر من شهداء لم أشاركهم الموت، لانشغالي، ربما، بطلاء غرفة نوم سيدة شامية جميلة، كان صوتها يثير أكثر الأفكار جموحاً.
سأعتذر لكلماتٍ في القاموس لم أستخدمها بعد.. لصورة لم أصرخ فرحاً من شدة جمالها بحجة تفرغي للأولويات، لقوائم مدن لم أزرها.
سأعتذر لعدم تقفي أثر بن يقظان في أرخبيل وعيه حيث دهشة البدايات؛ لن اعتذر من ميلان كونديرا، وفلسفته البليدة التي تناسب الضعفاء ومحدودي الذكاء؛ رجل منهك مثل ضيوف المصحات النفسية والقلق يجتاح الجسد بأدعية الآبراكادابرا ولا شفاء.
سأعتذر من رجل الكهف، فلطالما كان خدعتي الكبرى. ولن أعتذر من البوطي فيلسوف العواء، رغم حزني على دمه، لن أعتذر من رجل حسم خندقه في معركة لن يخرج منها ”الإنسان” منتصراً، و يروّج بفكره لكل هذه القَتامة متسلحاً بذهنية تحريم بغيضة، يعظ للسعادة في إحدى أكثر لحظات الفشل العقلي سطوعاً وهو يظن أنه يضفي معنى غير مكتشف على الحياة.
لن أعتذر من أولئك التعساء الذين يعولون على غرق أمريكا.. ليخرجوا من كهوفهم تغلفهم الأسطورة، مستبشرين ومبشرين بعصر الأصولية الظافرة في ذروة حماقتها ومتسربلين بلاهوتٍ متعالٍ مرعب بغيض منكفئ على شرط النبوة لا يتقاطع مع أحد ولا يقبل أحد، لاهوت الطائفة الناجية والإمام الفقيه.
سأعتذر من شخص لا أعرفه، التقيته في الباص ذات مراهقة، حين حدثني في أوج صخبي عن سخافة المتوارث والحملقة في ما وراء حجاب الغيب؛ عن مدن الغبار التي صلبت الأنبياء على بواباتها وسلمت لفاتحيها أسوارها؛ مدن الاستحقاقات المؤجلة التي تفيض بمكر التاريخ؛ عن مثقف الناهب الدولي ومنشد سحالي النفط المقدس راهناً محبرته لسدنة هياكل الوهم وكرادلة محاكم تفتيش الضمير.
سأعتذر من أمي لأني خيبت ظنها بأن أصير “رجلا” مثلها.

يا سكان الأزرق.. إني أعتذر
….
الصورة: آخر صورة لي في مخيم اليرموك، خريف 2012، وكانت على بروفايلي القديم لأول حساب فيسبوك، قبل أن أبدلها بالصورة الحاليّة، وقد طلبت حينها صديقة أجلها حق الإجلال، أن أستبدلها ” بتخوف كتير يا محمود رغم إنك مش هيك”.. هكذا قالت، ولم أعمل بنصيحتها إلّا بعد مغادرتي سوريا. وطالما الحديث عنها، أي الصديقة، فلا بد لي أن أشير إلى فضلها عليّ وعلى أسرتي حين قدمت لي بيتها، بالأحرى بيت أختها طيلة فترة وجودي ووجود عائلتي في سوريا.
لعلها تقرأ هذه الكلمات، من حيث هي الآن، فإن فعلتْ، فلاشك سوف تعلم إني أعتذر لها ولعائلتها الكريمة، ولعلها تعلم أن ” من يفعل الخير لا يعدم جوازيه.. لا يذهب العرف بين الله والناس” .
أشكركم جميعاً إذ تذاكرتم معي هذا اليوم

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: محمود الصباغ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *