من أروقة المشافي والعيادات الصحية: جرائم إبادة لم يسمع بها العالم


شهدت المرافق الصحية في قطاع غزة مشاهد يصعب على الإنسانية استيعابها، فلم تعد المستشفيات أماكن للنجاة، إنما تحولت إلى مساحات مكشوفة للموت: الدماء سالت في الممرات، والجثامين تكدست في الساحات، أمّا أجساد الأطفال فتناثرت تحت وطأة القصف. في تلك الأروقة، لم تكن تُوثَّق أعداد الضحايا فقط، بل أيضاً كانت تُختبر حدود القدرة البشرية على الاحتمال.
هذا التقرير يستعيد، عبر شهادة الحكيمة إيمان الزعبوط،[1] تفاصيل تجربة طبية وإنسانية امتدت لأشهر طويلة داخل منظومة صحية منهارة، في سياق حرب اتخذت طابعاً إبادياً غير مسبوق.
قلب الكارثة
تقول الحكيمة (هي شبه ممرضة وليس طبيبة) إيمان الزعبوط، والمتخصصة في فن العمليات، أنها توجهت في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى مجمع الشفاء الطبي كمتطوعة، يدفعها إحساسها المهني والإنساني تجاه شعبها، لكن ما واجهته فاق كل ما خبرته في الحروب السابقة.
تقول الزعبوط، وملامح الحزن بدأت ترتسم على وجهها: “في الأيام الأولى، كان التحدي يتمثل في الأعداد الهائلة من الجرحى والشهداء الذين كانوا يملأون أروقة المستشفى، نضمد جروحهم وهم على الأرض، نجري العمليات على ضوء كشاف الهاتف المحمول، ومن دون مسكنات للألم، بل أيضاً تحت قصف الطائرات الحربية وقذائف الدبابات، في مشهد يدمي القلب قبل العين”. وتستذكر لحظة عجزها عن إخبار سيدة حامل فقدت جنينها، وبترت أطرافها السفلية، وكانت تسأل بإلحاح عن أبنائها الذين استشهدوا جميعهم.
وتلفت الحكيمة الزعبوط إلى أنها خلال عملها في قسم الولادة بمجمع الشفاء الطبي كانت تصلها حالات شديدة الصعوبة والخطورة، وتقول: “أطفال وفتيات التهمت الحروق أماكن مختلفة من أجسادهن، يمكن لها أن تؤثر على مستقبلهن، منهن من هن مصابات بحروق أو غيرها من الإصابات في منطقة الرحم أو قريبة من الرحم، وأخريات أصبن في المنطقة الحساسة أو قريبة منها، عندها كنت أبكي لحال تلك الفتيات اللاتي لا ذنب لهن في هذه الحرب سوى أنهن يعشن في غزة.”
وتستحضر موقفاً عجزت أمامه تماماً، وجعلها تتألم بشدة لعدم قدرتها على فعل شيء، وتقول: “حضرت إلينا امرأة حامل في شهرها الثامن، أصيب جسدها بحروق مختلفة، وكسور متعددة، منها كسر بالفك وآخر في العمود الفقري بالظهر، ما أعاق استخدام التخدير العام أو النخاعي.”
وتشير إلى أنه بعد عدة أسابيع من عملها في مجمع الشفاء الطبي، “تغيّر المشهد جذرياً، مع اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي للمشفى في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 وإخراجه عن الخدمة، حيث اضطرت إلى مغادرته، بحثاً عن مكان آخر يمكن أن تواصل فيه عملها.”
انتقلت الزعبوط إلى عيادة الزيتون الصحية في منطقة الزيتون جنوبي مدينة غزة، التي تحولت إلى الملاذ الطبي الوحيد في إثر حصار جيش الاحتلال الإسرائيلي لمجمع الشفاء الطبي والمستشفى المعمداني، والتي لم تكن مجهّزة لإجراء عمليات جراحية، إنما لتقديم إسعافات أولية فقط، كإيقاف النزيف لدى المصاب، والتعامل مع الكسور بتثبيتها، والاتصال بالإسعاف للحضور الفوري ونقل المصاب إلى مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزة، والذي لم يكن يتم إلاّ في حالات نادرة نظراً إلى خطورة المنطقة الموجودين فيها، وصعوبة الوصول إليها.
وتستذكر تلك الأحداث بحسرة وألم وتقول: “معظم المصابين كانوا يفقدون حياتهم أمام عيني، لا لخطورة إصاباتهم، إنما لانعدام الوسائل اللازمة لإنقاذ حياتهم، نظراً إلى نقص الكوادر الطبية، وغياب المعدات، وانعدام وسائل النقل الطبي، وخصوصاً أنها حالات تتطلب تدخلاً فورياً، وهو ما جعل من كل حالة اختباراً قاسياً للعجز.”
وتضيف الزعبوط: “نظراً إلى انعدام المواد المعقمة والخيوط الطبية كنا نستخدم الكلور، أي سائل التنظيف الخاص بتبييض الملابس، لتعقيم الجروح والأدوات الطبية، كبديل للكحول، كذلك اضطر الطبيب إلى خياطة الجرح لأحد المصابين بخيط يستخدم في حياكة الملابس لانعدام الخيوط الطبية في العيادة.”
وتقول بصوت تخنقه العبرات: “لا أنسى حالة المصابة الكبيرة في السن التي امتنعتُ عن إعطائها المياه خشية تعقيد حالتها الجراحية، لتفارق الحياة وهي تتوسل لي بأن أعطيها ‘شربة ماء‘”، وتتابع بأعينٍ باكية: “تلك الحالة وغيرها من الحالات المشابهة أكثر ما أبكاني، لأن الكثير منها كان يطلب الموت لا العلاج من شدة الألم، ولذلك أصعب ما عشته في الحرب لم يكن الموت والدمار، إنما عذاب الضمير أمام عجزي الكامل.”
الأطفال في قلب الاستهداف
وتؤكد الزعبوط أن النسبة الأكبر من الإصابات كانت من الأطفال والنساء، واصفة حالة تلك الإصابات بالشديدة والقاسية، حيث الحروق الواسعة في الجسم، والبتر الكامل للأطراف، والكسور المختلفة في أنحاء الجسد، وغيرها من الإصابات التي تسببت بإعاقة دائمة لأصحابها. كما تستحضر صورة طفل رضيع لم يتجاوز عمره سبعة أشهر، قائلة بحزن وألم: “من أكثر المشاهد قسوة على قلبي ولا يمكن محوها من ذاكرتي، ذلك الطفل الذي وصل إلى المشفى وقد بُترت أطرافه الأربعة، وتلك الفتيات اللاتي تم استهدافهن وهن يشاركن في يوم السرد القرآني حيث وصلن بإصابات مدمّرة لكامل الجسد”، مؤكدة أنها لا تستطيع نسيان تلك الأيام، ولا وجوه تلك الفتيات.
وأمام تلك الحالات الصعبة، طرحت الحكيمة أسئلة عميقة بشأن هدف الاحتلال الإسرائيلي من استهداف المدنيين، وخصوصاً الأطفال، والنساء، وكبار السن. كما أنها تساءلت باستهجان عن هدف الاحتلال من استهداف المؤسسات المدنية والإنسانية، “حيث تمت محاصرتها وعدد من المرضى في عيادة الزيتون من قبل دبابات الاحتلال الإسرائيلي، والتي لم تكن تبعد عنهم سوى أمتار قليلة.”
العمل تحت الحصار والاستهداف
لاحقاً، انتقلت الحكيمة الزعبوط إلى المستشفى الأهلي العربي “المعمداني”، حيث أمضت أكثر من عام في العمل في أوضاع قاسية، شملت نقصاً حاداً في الطواقم الطبية والمستلزمات، بالإضافة إلى الحصار المتكرر.
وتروي الزعبوط أن الطواقم كانت تعمل لساعات طويلة تمتد حتى الفجر، وتجري عشرات العمليات يومياً، في ظل ضغط غير مسبوق، وتوضح: “في شهر كانون الأول/ديسمبر 2023 كانت المجازر (الإسرائيلية) بحق المدنيين على أشدها، وهو ما دفعنا للعمل في غرف العمليات الجراحية ما بين 17 إلى 20 ساعة متواصلة، نجري خلالها ما بين 27 إلى 30 عملية جراحية بشكل متواصل من دون أي استراحة، كي نتمكن من إنقاذ أكبر عدد من المصابين الذين كانوا يَرِدون إلى المشفى تباعاً.”
وتشير إلى أن أكثر ما كان يؤلمها ويثقل قلبها في أثناء عملها في مشفى المعمداني هو حالات بتر الأطراف، وخصوصاً المتعلقة بفتيات “بعمر الزهور، 17 أو 19 عاماً، بل وحتى طفلة ذات أشهر أربعة حضرت إلى المشفى وهي في حالة خطرة، اضطروا إلى بتر رجلها الصغيرة بعد محاولات عديدة للحفاظ عليها.”
وتقول بقلب ينفطر ألماً: “من أعجب ما كان يرد إلينا من إصابات خلال تلك المجازر هو نساء حوامل في شهرهن التاسع، ارتقين شهيدات بينما قلوب أجنتهن لا تزال تنبض بالحياة، فنجري عملية جراحة قيصرية للشهيدة وهي في ساحة المشفى، ونخرج الجنين من بطن أمه، ليصبح يوم ميلاده هو يوم فراق أمه، ويكون الناجي الوحيد لعائلته التي فقدت أكثر من 50 أو 70 شهيداً في اللحظة ذاتها.”
لم يكن الخطر محصوراً في الضغط الطبي، إنما شمل الاقتحامات العسكرية، التي أجبرت المرضى، بمن فيهم من بُترت أطرافهم، على مغادرة المستشفى سيراً تحت التهديد، حيث اقتحمت دبابات جيش الاحتلال المستشفى المعمداني في شهر كانون الأول/ديسمبر 2023، والذي تصفه الزعبوط بأنه أشد الأيام ألماً وقسوة، وتقول: “طُلب من جميع الموجودين في المشفى الخروج إلى ساحتها، بما فيه من جرحى ومصابين لا يستطيعون السير على أقدامهم.”
وتضيف بصوت تخنقه العبرات: “أجبر الجنود مصابين تم إجراء عملية زراعة بلاتين داخلي وخارجي لأقدامهم، وكذلك من بُترت أطرافهم، على السير لوحدهم لعشرات الأمتار من دون مساعدة أحد”، واصفةً تلك اللحظات بالمخيفة والمرعبة: “تحيط بنا الدبابات من كل جانب، جنود ومجندات مدججين بالأسلحة يصوبونها في اتجاهنا، بل وتشغيل محركات الدبابات لتصدر صوتاً مزلزلاً وغباراً كثيفاً في مكان يملأه المرضى والجرحى من دون مياه أو طعام، لساعات طويلة.”
وتشير إلى أنه تم الاعتداء على جميع الأطباء واعتقال جزء كبير منهم، بينما طُلب من الجزء الآخر التوجه إلى جنوب القطاع أو غربي مدينة غزة، وتقول: “إلاّ إنني رفضت ذلك وتعذّرت بخوفي من السير لوحدي في ذلك الوقت المتأخر من الليل، فضلاً عن حاجة المرضى، الذين تركوا وحدهم من دون أطباء ولا حتى مرافقين، إلى من يقف بجانبهم.”
وتؤكد أن استهداف المستشفيات لم يكن عرضياً، إنما كان متكرراً وممنهجاً، طال أقسام الطوارئ، والمختبرات، والصيدليات، ما أدى إلى شلل شبه كامل في القدرة على تقديم الرعاية الصحية.
ما بين الموت والمعجزة
وعلى الرغم من صعوبة المشاهد التي مرت بها الحكيمة الزعبوط، إلاّ إن هناك مشاهد تحمل لحظات نادرة من النجاة، بينها حالة طفلة رضيعة بقيت تحت الأنقاض لعدة أيام من دون إصابات، في مشهد “أقرب إلى المعجزة”. كذلك مشاهد لمصابين فقدوا أطرافهم وأصيبوا بإعاقات دائمة، لكنهم واصلوا حياتهم وعملهم في إعداد “المعجنات” وبيعها، من أجل الإنفاق على أفراد عائلتهم الذين نجوا من القصف (الإسرائيلي)، لتختم بالقول: “نصنع من الألم حياة”.
تكشف تلك الشهادة بُعداً آخر من الحرب على غزة، لا يقتصر على القتل المباشر، إنما يمتد إلى تفكيك المنظومة الصحية وحرمان الجرحى من فرص النجاة. في هذه الأروقة، لا تُرتكب الجرائم فقط بالقصف، بل أيضاً بالعجز المفروض، وبالصمت الذي يحيط بكل ذلك.
[1] مقابلة أجرتها الصحافية والباحثة هداية محمد التتر مع إيمان الزعبوط فني العمليات بالمستشفى المعمداني بتاريخ 2/3/2026.
عن المؤلف: هداية محمد التتر: صحافية وباحثة.
عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية