منى السعودي …السيطرة على الحيز من خلال هيمنة الشكل المحض


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

تقول عن تجربتها: “سحرتني المنحوتات السومرية والمصرية والأنصاب النبطية المنقوشة بالكتابات، وكنت ألمس على الحجر أيدي نحاتين من بلادي صنعوا من آلاف السنين مثل هذه الأعمال المجيدة”.

من عمق هذا الانتماء “يخضع” الحجر طائعاً لإزميل منى السعودي، فيستحيل إبداعاً.. يولد فينا اندهاشاً واعياً لفعل الفن ودوره في تحريك مشاعرنا اتجاه كتلة مجسدة أمامنا.. لا يغيب المنظور فيها، بل هو جوهرها، قد لا يقتصر الأمر على الذائقة الفنية وحدها، بل يتجاوزها إلى إشكاليات من طبيعة أخرى.. كأن نتساءل: هل نحن أمام منحوتة أم قصيدة؟ وهنا يكمن إبداع العمل المجسد، فعلاوة على أنه مرئي و”محسوس”، يخضع، أيضاً “لقراءتنا” له، فيدفعنا الفضول والاستفزاز الحسي إلى المغامرة بتجربة “اللمس” إلى حد الالتصاق.

الفراغ.. الفراغ

ربما هو ما يشغل النحات، عدا الكتلة، أكثر من أي شيء آخر،  الفراغ هو الهاجس الذي يُراد منه أن يتحول إلى “مكان” و “زمان”، بلغة القصيدة، بآن معاً، وهو ما يخضع لخيارات الفنان نفسه من خلال استكشافه المادة التي يعمل عليها. وهذا ما تسعى إليه منى السعودي. فمن خلال أنسنتها لمشهدية المنحوته تريد منا أن نكتشف “تطبيعها” لما هو هندسي، فتكثر الانحناءات في أعمالها وترق وتكاد أن تكون أنثى ترقص بمشهد غير مبالغ فيه وغير “مشوه”، وهي إرادة قصدية للفنانة وربما تكمن رسالة أعمالها هنا، أي في خلق وعي للمتلقي بأن الطبيعة ليست هندسة قاسية ولا خطوط مستقيمة. فمن يستطيع أن يأتي بخط مستقيم “طبيعي”؟ الطبيعة انحناءات لطيفة والانثى، كذلك، تكثر فيها الانحناءات، ولعل أشهر منحوتاتها تلك التي تحتوي على حرف النون محتضناً نقطته خير تأكيد على ذلك.

منى السعودي تعشق الالتصاق، الالتصاقات المتراكبة، المتراكمة، دون شذوذ ودون إرهاق.

الإحساس بالفراغ والكتلة والحجم جعل من منى السعودي أبرز المشتغلين في النحت في عالمنا العربي الذين استطاعوا أن يخلقوا ثقافة بصرية تستند على خيارات مدروسة للجمال و الحيوية (كما عبر عنها هنري مور) كاشتراطات مهمة للذائقة الفنية بحيث يكون العمل الفني قائماً بذاته غير متكأ على غيره محتفظاً بطاقته الكامنة و”فضاءه” الذي لا يشبه فضاء غيره، متفرداً برسالته، مشتملاً على حيزه. حيزٌ قابلٌ للقراء كرمز وكتجسيد

وتوحي أعمال منى السعودي بحوارية بالغة الدهشة فهي كفنانة تقوم بأدائها التقني بسبر غور المادة الخام عن تخطيط مسبق لا ريب، غير أن حوارها الدخلي مع الخامة يجعلها تخرج قليلاً عما هو مخطط لها، أو هكذا أعتقد، فتتوهج المادة بيدها وتشف بكبرياء.

 أعمال منى السعودي هي أحد “الأشياء” التي تستحق الحياة.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: محمود الصباغ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *