منظمات المجتمع المدني وخطة ترامب

تحولت خطة ترامب إلى خطة دولية عبر القرار 2803.

صحيح أن الخطة أوقفت المقتلة نسبيًا التي مارسها جيش الاحتلال لأكثر من عامين، ولكن الصحيح كذلك أن الخطة تحمل مخاطر جدية على مستقبل قطاع غزة والقضية الفلسطينية.

تكمن أبرز هذه المخاطر في طبيعة البنية الإدارية والأمنية التي ستدير الأمور في قطاع غزة.

إن خضوع هياكل الإدارة والأمن لمجلس السلام العالمي برئاسة ترامب، الذي سيشرف على لجنة التكنوقراط التي من المحتمل أن تكون بإدارة المبعوث السابق للأمم المتحدة بالشرق الأوسط نيكولاي ميلادينوف، بعد أن تم استبعاد طوني بلير، وكذلك على قوة الاستقرار الدولية التي ستكون تحت إمرة جنرال في الجيش الأميركي، تضع قطاع غزة تحت الوصاية الأميركية بتشريع دولي.

واضح أن ترامب أراد قطف ثمار حرب الإبادة الاحتلالية سياسيًا واقتصاديًا عبر السيطرة على القطاع وضمان أمن دولة الاحتلال وتعميق الفصل بين القطاع والضفة، وجعل الأول بهوية غير معرّفة وبعيدة عن الكيانية الفلسطينية الموحدة، من أجل قطع الطريق على المكسب الدولي الذي حققه شعبنا من خلال تسونامي الاعترافات بدولة فلسطين.

كما أراد استغلال قطاع غزة كمرتكز للسيطرة على المنطقة باتجاه إبعاد كل من الصين وروسيا عنها لضمان المصالح الحيوية الأميركية فيها.

ستعمل الإدارة الأميركية، وعبر الغرفة العسكرية الأمنية التي يتواجد بها خبراء من الأميركيين والإسرائيليين بالقرب من حدود القطاع، على التحكم بمسار المساعدات وعملية إعادة الإعمار، وبعمل المنظمات الدولية التي سيسمح للبعض منها بالعمل ويحظر الآخر عبر آلية إعادة تسجيل هذه المنظمات من جديد لدى الجهات الاحتلالية.

وما زالت المخاطر تتهدد قطاع غزة، سواء بما يتعلق بتلكؤ نتنياهو بالدخول للمرحلة الثانية التي تتضمن تنفيذ انسحاب آخر لما بعد الخط الأصفر وتنفيذ عملية إعادة الإعمار، إلى جانب الحديث عن إمكانية إقامة مناطق إنسانية خضراء وجذابة بالمنطقة التي تسيطر عليها قوات الاحتلال على أن تبدأ في رفح، وذلك لتشجيع المواطنين على النزوح إليها وتقسيم قطاع غزة إلى قسمين، وذلك في حالة تعثّر التقدم بالخطة للمرحلة الثانية.

وأمام هذا الواقع الصعب، فإن سؤال “ما العمل؟” يُثار أمام منظمات المجتمع المدني التي لعبت دورًا مميزًا أثناء حرب الإبادة الجماعية على كافة المستويات الإغاثية والحقوقية والإعلامية.

أعتقد أن منظمات المجتمع المدني يجب أن تستمر بدورها في تقديم الخدمات وإسناد شعبنا وتعزيز صموده، وتمارس الضغط والمناصرة باتجاه تعميق الشراكة مع المنظمات الدولية، والسعي بأن تقود المنظمات المحلية العملية الإغاثية والتعافي المبكر، وكذلك أن يكون لها رؤية ومشاركة تجاه عملية إعادة الإعمار.

من الأفضل لمنظمات المجتمع المدني أن تستمر بالمطالبة بتشكيل حكومة وحدة وطنية، أو أن تكون لجنة التكنوقراط الفلسطينية جزءًا من النظام السياسي الفلسطيني الموحد لمنع فصل القطاع عن الضفة، وكذلك تعزيز الخطاب المطالب بإقامة الدولة الفلسطينية، والتي أصبحت ذات إجماع دولي بعد اعتراف حوالي 160 دولة بها تعزيزًا لإعلان نيويورك وللقرار الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.

من الهام المطالبة بإجراء الانتخابات حين توفر الحد الأدنى من الشروط الإنسانية بالقطاع لكافة المؤسسات التمثيلية الفلسطينية، وذلك لتحقيق الترابط في إطار النظام السياسي الفلسطيني.

من الأفضل لمنظمات المجتمع المدني أن تنأى بنفسها عن هياكل غزة التي ستعمل تحت إشراف مجلس الوصاية الأميركي الذي يسمى مجلس السلام العالمي، وتهتم بتنفيذ مهماتها الإغاثية والتمكينية، بما يشمل التأثير على الرأي العام والمجتمع المدني العالمي وتعزيز التنسيق والشراكة معه لمحاسبة دولة الاحتلال ومسائلتها عن الجرائم التي ارتكبتها بحق شعبنا، بما يشمل التعويض وجبر الضرر.

إن عمل منظمات المجتمع يجب أن يستند إلى حالة الإبادة الجماعية التي اقترفتها قوات الاحتلال، والتي جاءت ترتيبات خطة ترامب لاستثمارها سياسيًا عبر إنقاذ إسرائيل من نفسها واستغلال الأوضاع لتحقيق مصالح استثمارية لترامب وشركاته بوصفه رجل عقارات، وخاصة بما يتعلق بأطماعه بغاز البحر والساحل، علمًا بأنه صاحب فكرة تحويل قطاع غزة إلى ريفييرا خاصة إذا أدركنا أن الفريق المساعد له بملف غزة هم كل من كوشنير ووتكوف، وهم رجال أعمال بالمجال العقاري أيضًا.

وعليه، فمن الضروري العمل على بلورة رؤية مشتركة لمنظمات المجتمع المدني تستند إلى الإدراك بمخاطر خطة الوصاية الأميركية التي تريد إعادة هيكلة القطاع وفق المصالح الأميركية والاحتلالية على حساب شعبنا وحقوقه وموارده.

وعليه، فقد بات مطلوبًا العمل على تشكيل هياكل وأطر مجتمعية ومهنية في موازاة أطر مجلس الوصاية الأميركي.

إن تشكيل أطر مهنية مشتركة لمنظمات العمل الأهلي والنقابات المهنية والبلديات، كل في تخصصه، سيعمل على تعزيز سلطة ذات طابع اجتماعي وشعبي ووطني نابعة من المجتمع والقاعدة، وذلك بدلًا من الأطر والهياكل المسقطة فوقيًا من خلال مجلس السلام العالمي.

إن وجود بنية تحتية ذات تجربة وتاريخ ومصداقية على صعيد عمل منظمات المجتمع المدني سيسهّل من إمكانية تشكيل الأطر الاجتماعية المهنية، والتي إذا ما تشكلت فإنها ستلعب دورًا مؤثرًا في الواقع الإنساني والاجتماعي والحقوقي، وستفرض منظومة من الأطر المجتمعية الراسخة في المجتمع بدلًا من الهياكل المفصلة من منظومة الوصاية الأميركية، والتي ستعمل — أي الهياكل المفصلة — وفق رؤية مجلس السلام وليس وفق رؤية الأولويات الفلسطينية بالضرورة.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *