ممر إنساني” يفصل بين اتفاق أمني مع إسرائيل وبين استقرار النظام في سوريا

يبدو أن المطلب الإسرائيلي بإنشاء منطقة سيطرة ونفوذ في سوريا عبر “ممر إنساني” يربط مرتفعات الجولان بمدينة السويداء الدرزية، هو على مايبدو العقبة الأخيرة أمام توقيع اتفاق بشأن الترتيبات الأمنية بين البلدين. ووفقًا لوكالة الانباء رويترز ، فإن إعادة طرح هذا المطلب، الذي سبق أن رفضته سوريا، هو ما تسبب في تأجيل الإعلان عن الاتفاق الأمني ​​الذي كان من المفترض نشره الأسبوع الماضي في نيويورك. ظاهريًا، يبدو أن الأمر يتعلق بمسألة فنية تهدف إلى إنشاء ممر آمن يسمح للدروز من مدينة السويداء بالعبور إلى مرتفعات الجولان وتلقي مساعدات طبية وامدادات غذائية مباشرة من إسرائيل، في إطار التزامها بمساعدة وحماية أبناء الطائفة. يُفترض أن يُنهي هذا الاتفاق أيضًا خطر الحصار الاقتصادي المفروض على السويداء عقب الاشتباكات الدامية والمجزرة التي تعرض لها أبناء الطائفة في يوليو/تموز، ومعروف أن هذا الحصار رُفع إلى حد كبير منذ ذلك الحين .
إلا أن المسألة أبعد ماتكون عليه كونها “فنية” أو إنسانية. فالانفصال الجغرافي بين السويداء ومرتفعات الجولان يفرض مرور “الممر الأمن” عبر محافظة درعا، وهي محافظة غير درزية. وتتطلب حمايته من دون استخدام القوات السورية نشر قوات مراقبة عسكرية أجنبية أو دولية أو إسرائيلية. وبهذه الطريقة، وفقًا للنظام السوري، سيكرس ذلك حدوث فصل كامل بين الدولة والمحافظة الدرزية . ويؤكد النظام أنه لا يوجد مبرر لإنشاء مثل هذا المعبر، لأن الدولة مُلزمة بتوفير جميع احتياجات المحافظة، وهي تفعل ذلك عمليًا، إلا أنها تصطدم بمعارضة من عدة شخصيات في القيادة الدرزية، وخاصة الزعيم الروحي حكمت الهجري. بالإضافة إلى رفضه التعاون مع النظام، تقوم الميليشيات الموالية له بمنع دخول شاحنات الإمدادات لمنع أي مظهر لمثل هذا التعاون.

وحسب أقوال النظام فإن معبر منفصل كهذا هو غير ضروري، لا سيما بعد الاتفاق الثلاثي الذي تم توقيعه في 16 سبتمبر/أيلول بين سوريا والأردن والولايات المتحدة. وبموجب الاتفاق، يلتزم النظام السوري بتوفير جميع احتياجات المحافظة الدرزية وتأمين الطريق الرئيسي الواصل بين دمشق والسويداء. بالاضافة إلى ذلك سيوافق النظام على تشكيل لجنة تحقيق دولية للتحقيق في أحداث يوليو/تموز؛ وإنشاء قوة أمنية محلية تشارك فيها القوات الدرزية إلى جانب قوات النظام؛ وتعويض المتضررين من الاشتباكات وضمان حقوق الدروز.
وقّع على الاتفاق وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي والمبعوث الأمريكي توم باراك. وصرح مصدر سياسي أردني، مطلع على ظروف توقيع الاتفاق، لصحيفة هآرتس أن الاتفاق يهدف إلى “إزالة آخر العقبات أمام الاتفاقات الأمنية بين سوريا وإسرائيل. كما يمكن حسم مسألة الممرات الإنسانية بوضع قوة مراقبة دولية، بل وحتى أمريكية، على طول المحور، لكن يبدو أن هذه مسألة مصطنعة اختلقتها إسرائيل وشخصيات من القيادة الدرزية لضمان نفوذ إسرائيلي في المنطقة السورية حتى بعد انسحابها من الأراضي التي احتلتها. وهذه مسألة قد تُعرّض الترتيبات الأمنية بين إسرائيل وسوريا للخطر، وسيتعين على إسرائيل والولايات المتحدة تحديد أولوياتهما”. مع ذلك، يُعارض الهجري الاتفاق الثلاثي؛ لأسباب ، منها عدم مشاركة ممثلي الدروز فيه، ولأن التزام النظام بمحاكمة المسؤولين عن المجزرة يعني أن من تثبت إدانته سيُحاكم أمام محكمة سورية، أي محكمة النظام، وهي ليست جهة محايدة “ولا يُتوقع منها إنصاف الضحايا”. وراء هذه الحجج يكمن طموح الهجري في إقامة حكم ذاتي درزي مستقل، وربما حتى دولة تستند على “حق الدروز في تقرير مصيرهم”. ولكن الهجري، أحد القادة الروحيين الثلاثة للطائفة في سوريا، لا يمثل جميع أفراد الطائفة في سوريا، وليست جميع الميليشيات الدرزية تابعة له، لكنه يُعتبر “حلقة الوصل” مع إسرائيل، التي نجح في حشد دعمها الفعلي خلال الأحداث الدامية، بالتنسيق الوثيق مع زعيم الطائفة الدرزية في إسرائيل، الشيخ موفق طريف. يرى الهجري أن الأهمية الكبيرة لـ”الممر الإنساني” تكمن في رسم خط الحدود بين الحكم الذاتي الدرزي المستقبلي وبين الدولة السورية، وبالتالي تحديد طبيعة الدولة بهذا الشكل . أي تحديد ما إذا كانت سوريا ستكون دولة موحدة أو دولة كانتونات ومناطق حكم ذاتي غير تابعة للحكومة المركزية، أو مرتبطة بها ارتباطًا غير مباشر. هذه القضية تضع أمام أحمد الشرع معضلة مستحيلة، حيث أن الأمر لا يتعلق فقط بانتهاك سيادة النظام وبتهديد انفصال الإقليم الدرزي عن الدولة ووضعه تحت الحماية الإسرائيلية، بشكل مباشر أو غير مباشر.

يوجد لكل تطور في المنطقة الدرزية تأثير مباشر على المناطق الكردية شمال البلاد. وقد وقّع قائد “القوات الديمقراطية الكردية”، مظلوم عبدي – الذي يحظى برعاية وتمويل وتسليح من الولايات المتحدة لكونه شريكها الفاعل في الحرب ضد داعش – اتفاقية مع الشرع هذا العام لدمج قواته مع الجيش الوطني السوري الجديد. إلا أن دروس أحداث المنطقة الدرزية، وفشل النظام في حماية الأقلية الدرزية، وخاصة مشاركة الميليشيات والعصابات التابعة له في تنفيذ المجزرة، دفعت الأكراد إلى تجميد المفاوضات مع النظام رغم الضغوط الأمريكية على القيادة الكردية. والقضية الكردية أكثر تعقيداً إذ يمتلك الأكراد قوة عسكرية أكبر بكثير من الدروز، ومنذ بداية الحرب الأهلية تمكنوا من إقامة مناطق حكم ذاتي تُدار بشكل مستقل من حيث الميزانية والشؤون العسكرية. والآن، سيتعين عليهم اتخاذ قرار بشأن التخلي عن هذا الوضع وبشأن الثمن الذي سيطلبونه. مع استمرار عدم خضوع المحافظات الكردية للحكومة المركزية في دمشق، ورفع الدروز علم الاستقلال تحت رعاية إسرائيل، لم يعد أمام الرئيس السوري سوى التمسك بمواقف الرئيس ترامب، ومحاولة إقناعه بأن “ممرًا إنسانيًا” على الطريقة الإسرائيلية قد يُفسد ما يبدو أنه الإنجاز الدبلوماسي الوحيد لترامب: اتفاقية أمنية بين إسرائيل وسوريا. وقد وافق الشرع بالفعل على تعديلات جذرية على اتفاقية فصل القوات الموقعة بين إسرائيل وسوريا عام ١٩٧٤، بل وحتى على نزع السلاح من جزء كبير من الأراضي الممتدة بين دمشق ومرتفعات الجولان، وإنشاء “منطقة خفض اشتباك”. ويوضح المتحدثون بإسمه بأن هذه ليست اتفاقية جديدة بين البلدين، بل هي “توسيع مُعين” للاتفاقيات القائمة، والتي بمقابلها ستنسحب إسرائيل من معظم الأراضي التي احتلتها في سوريا منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر الماضي. ولكن وجود “ممر إنساني” بين إسرائيل والسويداء، والذي سيُنظر إليه على أنه “خط حدودي” بين سوريا ومحافظة الدروز، ومن شأنه أن يؤثر أيضًا على فرص دمج المحافظات الكردية في الدولة، هو أمرٌ يصعب هضمه . يعتمد الشرع أيضًا على الموقف الأمريكي المُعلن، والذي يقضي بأن تكون سوريا دولةً موحدةً تخضع لحكومة مركزية واحدة وجيش واحد وقانون واحد. ويحظى هذا الموقف بدعم تركيا، التي شجعت الشرع على توقيع “اتفاقية الاندماج” مع الأكراد، ودول الخليج، وعلى رأسها السعودية، التي تعهدت بتقديم مليارات الدولارات كمساعدات لإعادة إعمار سوريا وتمويل أنشطة النظام . ولايزال غير واضح إلى أين سيتجه ترامب , فالأمر لا يقتصر على سياسة واقعية مطروحة ، بل يشمل أيضًا الكرامة والشرف. الشرع هو ربيب ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الذي جعل الزعيم السوري من الشخصيات المُفضلة لدى ترامب. وهو أيضًا حليفٌ ويخضع لرعاية تركيا وقطر والإمارات العربية المتحدة، وهي دولٌ صديقةٌ مقربة للولايات المتحدة وعائلة الرئيس. من ناحيةٍ أخرى، يُعتبر الدروز “أخوةَ السلاح والدم” لإسرائيل، ويُفترض أن يرمز الممر الإنساني إلى التزامها تجاههم.

المصدر: هآرتس

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *