ملاحظات في العمق الفلسطيني: من وطنية جغرافية إلى وطنيّة المعنى


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

ـ من أخطر ما يُمكن أن تتعرض له قضية سياسية عادلة كالقضية الفلسطينية هو أن يتمّ تقديسها وتقديس كل ما يجري على أرضها. فلا يستطيع أحد أن يسأل أو يستأنف أو يعترض. كل مسألة سياسية وظاهرة ينبغي أن تكون خاضعة للمساءلة. والضحيّة ـ غير محرّرة من السؤال الأخلاقيّ ـ ومن هنا احترامي وتقديري لكل فلسطينية وفلسطيني يُثير الأسئلة ويطرح ملاحظاته الآن وأمس، وأمس الأول ـ على أداء “سلطة رام الله” و”حماس” و”الجهاد” وسواها.

ـ ولا يقلّ خطورة عن ذلك أن يرى فلسطينيون قضية شعبهم قياسا بالموقف الإسرائيلي الرسمي منها وليس من داخلها وفق معايير مصلحتها وأهدافها وغاياتها. كثيرون يُحددون موقفهم من قضية شعبهم ووقائعها بناء على الموقف الإسرائيلي الرسمي ووكلائه. فإمّا أن يقف ضد كل ما تقوله إسرائيل وإما أن يتبنّاه خاصة إذا دغدغ “الذات” الفلسطينية واعترف لها ببعض النقاط. وغالبًا ما يُغفل الحكم على ما يحصل من داخل القضية وفي أساسها وبوصلتها تحرر الشعب الفلسطيني وامتلاكه حقّ تقرير مصيره.

ـ وعلى المستوى نفسه من الخطورة هو هذا النمط من التفكير السياسيّ الفلسطيني الشعبي والرسمي الذي يقوم إلى شعور بالنصر مع كل خسارة إسرائيلية مهما كانت طفيفة ـ كما في جولة الحرب الأخيرة على غزة ـ ومع كل تعثّر للمخططات الإسرائيلية كما في هذه الجولة؟ وفي موازاة ذلك، إغفال الخسائر في الجانب الفلسطيني لا سيّما في الأرواح. فهل انتصر الفلسطينيون في هذه الجولة وقد فقدوا 227 إنسانا وعالما ونُكبوا بـ 1620 إصابة؟ هل دم الفلسطيني في عين الفلسطيني بهذا الرخص كما هو في عين الإسرائيلي؟ هل انتصر الفلسطينيون حيال كل هذه الخسائر المادية؟

ـ لقد انتصر الفلسطينيون قبل أن تدخل حماس وغيرها من “مقاومة” على الخط. انتصروا بكسر موجة القمع في الشيخ جرّاح والحرم القدسي الشريف وباب العامود دونما حاجة لأي صاروخ وانتصروا من قبل في قضية البوابات ـ ولهذا انضم الفلسطينيون في كل مكان إلى هذا الحراك وانضمّ العالم. حماس بصواريخها حالت دون تطوير الانتصار إلى داخل إسرائيل نفسها والرأي العام فيها وأضعفت صداه في مواقع مركزية من العالم. بل أنا من الذين يعتقدون أنه كما حصل في غزة (2006) ومهما كان عدد الضحايا، يومها والآن. ما يهمّها هو حماس نفسها، واستقرار سلطتها، ومصالحها وارتهانها لمشاريع إقليمية.

ـ يُمكن رؤية الحرج الإسرائيلي بعد 11 يوما من مهاجمة غزة على أنه انتصار معنويّ ـ ويُمكننا حيال هذا أن نفهم الشعور الشعبي بأن شيئا ما قد حصل. لكن أن يؤسّس البعض على فكرة “الانتصار الرمزي” كما قال أحد المثقفين الفلسطينيين الذين استماتوا في الدفاع عن طاغية الشام ومجازره، فهذا ما قد يكلّف الفلسطينيين أثمانًا باهظة لجِهة البناء على شعور وليس على استراتيجية وخطط سياسية وتحركات تناسب مع تحديات المرحلة.

ـ سأنزل طبقة أخرى في الملاحظات وأسأل: لماذا استطاعت أن تبني حماس كل هذه القُدرات لكنها لم تمتلك صاروخًا واحدا مضادًا للطائرات؟ وهو نفس السؤال الذي سألناه للذين ادعوا دعم الثورة السورية. لماذا لم تزوّدوا الثورة بـ 2000 صاروخ ضد الدروع ومثلها ضد الطائرات؟ هذا هو سؤال المليون في غزة أيضا. كأن ثمة تفاهم غير مكتوب بين “المقاومة” وإسرائيل أن تمتلك الأولى ما تُريد سوى ما يُمكن أن يعطل استباحة أجواء غزة في الهدوء والتصعيد. أنت لا تستطيع أن تدّعي امتلاك قوة ردع دون أن تمتلك صواريخ مضادة للطائرات. وعليه، ستفتك الطائرات بأهلك وتضطرّك في نهاية المطاف إلى التوقّف عن إطلاق الصواريخ. وهو ما يحصل كلّ مرة.

ـ القضية الفلسطينية عادلة ليس لأن حماس قويّة خاصة، فثمة تقاطع في مصالحها مع الرؤيا الاستراتيجية لإسرائيل التي تُريد أن تُحافظ على الانقسام الجغرافي والسياسي بين الضفة وغزة بكلفة قليلة جدا من ناحية إسرائيل التي عادة ما تكلّف مصر وقطر بإدارة حالات التصعيد وإنهائها بما هو متّفق عليه استراتيجيا وليس على حسابها. هذه المرّة خدمت حماس (بشكل غير مباشر) نتنياهو بشكل شخصيّ ومنحته متنفّسا ثمينا كرئيس حكومة يسعى إلى إدامة حكمه وتأخير محاكماته بتهم جنائية ومنع خصومه من تشكيل حكومة تُنهي حكمه. ولأن الأمر ذاته حصل من قبل فإن السؤال الفلسطيني هو: هل تعدّى التقاطع بين حماس “المقاومة” وبين إسرائيل الرسمية نقطة لقاء النقيضيْن العلنييْن إلى نقطة التقاطع في إطار اللعب الجيو ـ سياسي في الإقليم؟ وهل تأتي تصريحات بعض قادة حماس والجهاد عن موالاة لنظام الملالي في إيران وربيبه نظام المجازر في دمشق في إطار هذا التقاطع الذي يستهدف التخريب على حملة التضامن العالمية؟

ـ إسرائيل الرسمية كما اتضح مرارًا تقامر بسكان النقب ومحيط قطاع غزة في سبيل تكريس الانقسام الفلسطيني وما تعطيه من فتات لحماس بعد كل جولة. أو هي تدفع أثمانًا ما لقيامها بانسحاب أحدي الجانب تكتيكي ـ استراتيجي لكنها تجني أرباحا هائلة لا سيما في المستوى التجاري اليومي وتحكمها بحركة دخول الناس والبضائع إلى غزة ومن معبر رفح أيضا. مَن اعتقد إن إخافة هؤلاء السكان بالصواريخ كافٍ لإقناع إسرائيل الرسمية بتغيير المعادلة الاستراتيجية القائمة فهو مقامر من ناحيته بأهله وناسه وأطفاله كما حصل في الأسبوعين الأخيريْن. يكتسب هذا الادّعاء قوة في ظلّ أمريْن اثنين أن حماس لا تخبر شعبها بمشروعها السياسيّ ولا بأهدافها. وأنها اعتادت أن تعلن ارتباطها بمشاريع إقليمية ليس للفلسطينيين أي شبق وعبق بها كمشروع إيران أو مشروع الإسلام السياسي ممثلًا بحركة الإخوان المسلمين أو بمشروع تركيا. وهي عودة على الأخطاء القاتلة للقيادة الفلسطينية التاريخية قبل 1948 وبعدها وهو الارتهان كلّيا أو جزئيًّا لمشاريع لا تنبع من شعب فلسطين ومصالحه بل من مراكز قوى تحاول تجيير نضاله وقضيته.

ـ هناك مَن يُصرّ على رؤية أداء حماس وأنا مصرّ على رؤية الشعب الفلسطيني باعتباره أهم وأكبر من أن يوضع ضمن ثنائية حماس ـ إسرائيل ورقصة التانغو فيما بينهما. ولننتبه إلى أن التضامن العالمي المتنقّل من عاصمة إلى أخرى ليس مع حماس بل مع شعب فلسطين. وهو لم يأتِ من صواريخ حماس بل من صمود أهل القدس الذين خاضوا سلسلة من المواجهات السلمية وانتصروا فيها ويأتي أيضا من حقيقة أن السياسات الإسرائيلية حفرت قبرها بيديها وتمادت في القمع والبطش إلى حدّ لم يعد ممكنا إغفاله أو المرور عليه مرّ الكرام. ومن نضال عالمي ضد اليمين العالمي ومن الأمل الذي تفجّر سقوط ترامب وما جسّده من سياسات عنف وتدمير للدولة وأساستها. وليس صدفة أن تكون المدن الأمريكية سبّاقة في حملات ونشاطات التضامن مع فلسطين. مثل هذه التحولات ينبغي ألّا تذهب سُدى بصواريخ حماس أو غيرها.

ـ لقد أثبت الشعب الفلسطيني ـ وليس حماس وإن كان هناك مَن يُسقط الأمل الفلسطيني على كلّ قوة مناوبة في سورية ولبنان وإيران وداعش والصومال ونيكاراغوا ـ أنه يستطيع استعادة زمام المبادرة بنضال شعبي غير مسلّح، أيضا. وأن الشعب تجاوز الوعي الوطني المألوف المُحاصر بين “سلطة رام الله” المائعة والخانعة وبين عدمية سياسية وعسكرية تمثّلها “المقاومة” في غزة الآن. وأن الجيل الثالث بعد النكبة قادر على تجاوز التقسيمات الجغرافية كلّها بدءًا من خيار “حلّ الدولتيْن” ورفض أكرَدة الشعب الفلسطيني وطوأفته وتمزيقه بأيديولوجيات داثرة. هذا هو الشعب في كل مواقعه المرشّح لتغيير معادلة الصراع القائمة على سيادة إسرائيلية وهيمنة ونظام أبرتهايد بين البحر والنهر. هذا الشعب يغيّر في كلّ يوم طبيعة “المشروع الوطني” بذكاء فطريّ ويشدّ الهمّة لتأسيس وعي هوياتي وطني يقوم على المعنى الإنساني والقيَم لا سيّما الكرامة والعزّة وتحقيق الذات ورفض القهر لا على الجغرافيا وسجونها القابضة على الروح. حماس من جهة و”سلطة رام الله من جهة أخرى هما رمزان واضحان لهذه السجون وليس للحرية المنشودة!

 

 

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: مرزوق الحلبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *