ملاحظات أوّليّة على قرار المحكمة الدوليّة أو “خطاب ما بعد المُحرقة”

للقرار شقّان. الأوّل ـ يتّصل بالجوانب العمليّة المُلزمة لهذا القرار. والثاني ـ يتصل بالدلالات المعنوية وبمفهوم الأعراف الدوليّة والأخلاق.
في الشقّ الأول:
ـ جاء القرار مائعًا في نصّه في كلّ ما يتعلّق بضرورة الوقف الفوريّ لإطلاق النار وأبقاه “ضمنيًا” يُشتقّ من الدعوة الصريحة إلى اتخاذ كل الإجراءات لإغاثة الفلسطينيين إنسانيًّا ومنع ما اعتبر خرقًا لما نصّت عليه النصوص المؤسسة للمحكمة،
ـ يترك الباب مشقوقًا لتهرّب أعضاء مجلس الأمن من مسؤوليتهم نحو تفعيل البند السابع لنظام المجلس. سيكون لدى إسرائيل الرسمية ما يكفي من وقت لمواصلة توحّشها،
ـ انتصار معنوي وسياسيّ لفلسطين ولأنصارها لا سيّما جنوب أفريقيا التي تملك رمزية أخلاقية عالية في كل ما يتعلّق بالنضال ضد كل أشكال التمييز والتفرقة العنصرية بما فيها الشكل الإسرائيليّ،
ـ ينبغي أن تستغلّ الدول الخارجة من تحت المظلّة الأمريكية ـ الغربية هذا القرار لتُدخل الإغاثة الإنسانية وتساند الواقعين تحت العدوان الإسرائيلي رغما عن الاحتلال وحلفائه. ينبغي عدم إبقاء “الإغاثة” في يدّ المعتدي الإسرائيلي،
في الشقّ الثاني:
ـ هو في مضمونه وإشاراته محاكمة متجدّدة لجريمة الإبادة الجماعية وتبعاتها. وهذه المرّة من جانب المُستَضعفين سياسيًّا واقتصاديًّا الذين عصفت بهم العلاقات الدوليّة والتوازنات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية وغبنتهم في كراماتهم الإنسانية وحقوقهم، شعب جنوب أفريقيا والفلسطينيون مثلًا.
ـ هو إدانة واضحة للذين حاكموا ألمانيا النازية وأنشأوا نظامًا قانونيًا متكاملًا لمنع الجرائم ضد الإنسانية لا سيّما الإبادة، ومقاضاة مرتكبيها. هؤلاء الذين سمحوا وشاركوا في جرائم مشابهة متستّرين بما أنشأوه في نقد النازية،
ـ هو إدانة لدولة إسرائيل التي تدّعي أنها تمثّل ضحايا المُحرقة وقلب “خطاب المحرقة ” عليها. القرار نقطة مفصليّة في التاريخ تؤسّس لخطاب “ما بعد المُحرقة”،
ـ خطوة جنوب أفريقيا المتمثّلة في عقد المحكمة وجهدها المهني في ذلك هو حدث مصمّم للعلاقات الدولية المعولمة وإشارة لما يُمكن أن تكون عليه التوازنات في المرحلة القادمة.