مقاربات أولية حول مستقبل الصراع مع إسرائيل

خاص ملتقى فلسطين

مع تحول الضفة الغربية، تحديدا، إلى ما يشبه جلد الفهد المرقط، بعد أن قطّع الاستيطان الإسرائيلي أوصالها، ومع عزم حكومة نتنياهو العمل على ضم الكتل الاستيطانية إضافة إلى غور الأردن يبدو حلم الفلسطينيين ببناء الدولة على الأراضي المحتلة منذ عام 1967، أو حتى بناء كيانية فلسطينية على جزء من أراضي الضفة والقطاع قد بات من الماضي وقد تحول إلى مجرد أضغاث أحلام.
البعض يرى أن مآل الوضع سائر على المدى الاستراتيجي نحو إقامة دولة واحدة، وأن واقعاً جديداً سوف يتشكل مما يتطلب تغييراً جوهريا في آليات النضال السياسي الفلسطيني، تغيير قد ينجم عنه تشكيل منظور ثقافي _ سياسي جديد لمفهوم الصراع مع إسرائيل.
لا مراء في أن ما يحدث يشكل مقدمة لازمة تستدعي استنفار الشعب الفلسطيني بكافة طاقاته لمواجهة مشروع الضم، بيد أن هذا الاستنفار يتطلب أولاً عقلاً سياسياً ينطلق من الإقرار بأن القضية الفلسطينية هي قضية كل الفلسطينيين وليست قضية فلسطينيي الضفة والقطاع، في حين أن العقل السياسي الفلسطيني السائد راهناً، سواء لدى السلطة الفلسطينية (رام الله) أو لدى سلطة حماس(قطاع غزة)، لا يرى غضاضة في أن تكون القضية هي قضية الجزء لا كل الفلسطينيين. وهنا يعاد السؤال الكبير: هل يمكن للمُشكل أن يُشكل شيئاً جديداً؟ أو هل تمتلك القوى القائمة بتكويناتها السياسية القدرة والإرادة في أن تشكل حالة جديدة قادرة على التجاوب مع متطلبات المرحلة؟
يبدو أن المقاربة بشأن مستقبل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي قد تكون أمام العديد من المشاهد والاحتمالات السياسية تتمحور في ثلاثة خيارات رئيسة على الأقل هي:
الخيار القومي، وهو الخيار الذي يدعو لقيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة منذ عام 1967، أو حتى على أجزاء منها؛ الخيار ثنائي القومية (يدعو لقيام دولة ثنائية القومية على كامل مساحة فلسطين بحدودها الانتدابية) وإن كان يختبىء هذا الطرح وراء مقولة: دولتان وطن واحد ؛ الخيار«الاندماجي» أو«الذوبان القومي»: يدعو لقيام دولة على كامل مساحة فلسطين بحدودها الانتدابية. سابقا كان هذا الخيار يشدد على أن تكون الدولة ديمقراطية علمانية، أما أنصار هذا الطرح فهم يكتفون راهنا بصيغة الدولة الواحدة، كما هو رائج لدى قطاعات من فلسطينيي الـ 48 مع تأكيدهم على ضرورة أن تكون ديمقراطية.
وإذا كان الخيار القومي يرتكز، من وجهة النظر الفلسطينية، على ضرورة إقامة كيانية الفلسطينية عبر بوابة التسوية والمفاوضات، فإن الخيار ثنائي القومية يرى أن جغرافية الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية قوضت أية إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة(الخيار القومي)، لذا قد فإن الخيار ثنائي القومية قد يغدو خياراً استراتيجياً فلسطينياً في مرحلة لاحقة. في حين ينطلق أصحاب الخيار«الاندماجي»أو«الذوبان القومي» من استحالة حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي بمجمله دون حل للمسألتين الفلسطينية والإسرائيلية، وحلهما لن يكون إلا بإقامة دولة واحدة على كامل مساحة فلسطين بحدودها الانتدابية، تذوب فيها«القوميتان» الإسرائيلية والفلسطينية، وتقوم على أساس الصوت الواحد للمواطن الواحد بغض النظر عن خلفيته العرقية أو الأثنية أو الدينية.

إن مناقشة هادئة لأطروحة الدولة الواحدة، سواء أكانت ديمقراطية أم علمانية، لا تستهدف تقديم أطروحة جديدة تضاف إلى ما سبق في هذا المضمار، أو إلى تبني أطروحة ما على حساب أطروحة أخرى بقدر ما تسعى للمساهمة في خوض حوار فكري ـ سياسي يساهم بهذا القدر أو ذاك في إغناء الفكر السياسي الفلسطيني، وبحث مدى ملائمة الطرح الجديد / القديم في أن تشكل الدولة الواحدة حلاً لكلتا المسألتين الإسرائيلية والفلسطينية على حد سواء.
أعتقد أن قيام إسرائيل كمشروع كولونيالي استيطاني إحلالي إجلائي قوّض أي إمكانية لقيام دولة ديمقراطية علمانية تقوم على أساس الصوت الواحد للمواطن الواحد بغض النظر عن خلفيته العرقية أو الاثنية أو الدينية. وبالوقت عينه يحمل في طياته إشكالية هوية الدولة المنتظرة، فلا هي فلسطينية تجمع تحت لواءها العرب الفلسطينيين حصراً، وتخرج من صفوفها اليهود الإسرائيليين، ولا هي إسرائيلية يهودية تلفظ من نطاقها الجيوسياسي العرب الفلسطينيين، بل هي دولة يفترض أن تذوب فيها القوميتان «الإسرائيلية» و«الفلسطينية» في بوتقة الدولة الواحدة ذات الصبغة الديمقراطية أو العلمانية.
ثم كيف يمكن إقامة دولة واحدة في فلسطين دون تقويض للمشروع الصهيوني برمته، وتحديداً مؤسسته العسكرية والاستيطانية، ناهيك عن البناء الفكري الأيديولوجي المتعدد الطبقات والمستويات. والأهم من ذلك أن ميل المجتمع الإسرائيلي بات نحو مزيد من التطرف، تطرف يتسلح بأيديولوجية دينية وعقيدة مسيانية. إضافة لذلك لا يمكن التقليل من أن المجتمع الفلسطيني، وقواه الاسلاموية، هو أيضا، بات مجتمعاً يرفض التصالح مع فكرة أنه من الضروري إيجاد حل يقوم على المواءمة بين التطلعات القومية والامكانيات الواقعية.

بالمقابل نجد أن مناقشة طروحات الدولة ثنائية القومية تتطلب أن نحدد بداية المنظور الثقافي لمفهوم الدولة ثنائية القومية بأنه ” مفهوم سياسي لقيام نظام حكومي، يشترك فيه شعبان في النظرة إلى الدعائم الأساسية التي تكون الدولة. ولا يعتمد اشتراك الجماعتين في إدارة مؤسسات الدولة على نسبة مترافقة مع قوة كلٍ منهما العددية، بل على المبدأ الأساسي لهذا النظام، المتمثل في الإدارة الحسنة والتسامح “. (كمال الخالدي، الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي إلى أين منظور ثقافي) فلكل جماعة قومية هويتها الخاصة بها، إذ تتمتع بحق استخدام لغتها وثقافتها القومية وتراثها الديني. ولعل النقطة المركزية في الدولة ثنائية القومية هو الحصول على نظام توافقي بين الجماعتين القوميتين يتجنب سيطرة الأغلبية على الأقلية. إنه والحال كذلك أشبه ” بمشروع زواج “لا يكتمل دون موافقة كلا الطرفين الداخلين في علاقة تعاقدية واضحة شروطها ومحددة سلفاً مستحقاتها. فهنا تتطلب العلاقة سيادة المساواة بين الشعبين، أو بين الجماعتين القوميتين بغض النظر عن حجم كل منهما، فالمساواة هنا بين قوميتين لا بين مواطنين. ولعل التجربة السويسرية والبلجيكية تشكلان مثالاً ساطعاً حيث طبقت فكرة الدولة ثنائية القومية. ففي الحالة السويسرية يتكلم السكان أكثر من لغة: الألمانية فالفرنسية والإيطالية وغيرها، ويتوزعون مذهبياً إلى بروتستانت وكاثوليك، أما الحالة في بلجيكا فقد اقتضت تقسيم المملكة إلى جماعتين إثنيتيين: الأولى هي الفلامنك، والثانية هي جماعة الوالون.

وليس من شك أن هذه التجارب وغيرها ساهمت إلى حد كبير في الاقتراب من تحديد الإطار النظري السوسيولوجي لمفهوم الدولة ثنائية القومية، لكن السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه وبإلحاح هو: هل يمكن تطبيق هذا التوصيف على الوضع الفلسطيني -الإسرائيلي؟
لاشك أن الفكر السياسي الفلسطيني واصل تطوير طروحاته بشأن البحث عن كيان، إلا أن هذا التطوير ارتبط ارتباطاً جدلياً بتطورات الصراع العربي ـ الإسرائيلي عامة والفلسطيني ـ الإسرائيلي خاصة، فبعد قيام إسرائيل، وبعد تشريد أكثر من نصف الشعب الفلسطيني، وبعد سلسلة من الحروب، ومع تعميق العداء والكراهية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبعد أن بدد الاستيطان الإسرائيلي أي إمكانية حقيقية للتواصل الجغرافي في الضفة الغربية، بعد كل ذلك على الفكر الفلسطيني أن ينظر بتروٍ لأطروحة الدولة ثنائية القومية، فعلى الرغم من كون خيار دولة ثنائية القومية مشروعاً تاريخياً من جهة أولى، إلا أنه من جهة ثانية يعني سقوط المشروع الوطني الفلسطيني، وسقوط الحلم ببناء الدولة المستقلة، هذا فضلاً عن أن مشروعاً تاريخياً كهذا يتطلب رافعة نضالية كبيرة جداً، ومستوى حضارياً متكافئاً بين “القوميتين” لا أن تسيطر قومية على أخرى، وتمارس عنفها وسياستها التمييزية والإكراهية بحق القومية الأخرى. ويبدو أن طرح الدولة ثنائية القومية كان قابلاً لكي يتحول إلى مشروع سياسي قبل إقامة إسرائيل، إذ كان خياراً قابلاً من الناحية السياسية والعملية للتطبيق، مثله في ذلك مثل خيار الدولة الديمقراطية العلمانية، لكن ما أن أقامت إسرائيل بنيانها ومؤسساتها، وفشل الفلسطينيون من إقامة حلمهم ببناء كيانية خاصة لهم حتى غدا خيار الدولة ثنائية القومية أمراً يدخل في عداد المستحيلات التاريخية، على الأقل في المدى المنظور القريب والبعيد، هذا فضلاً عن كون مشاعر العداء أضحت متأصلة لدى طرفي الصراع.

أعتقد أن قيام إسرائيل قوض أية إمكانية لقيام دولة ثنائية القومية ويعود ذلك لثلاثة أسباب رئيسة أولها: أن إسرائيل بممارساتها العنصرية والتمييزية ضد فلسطينيي الـ 1948 أوجدت ازدواجية لمفهوم المواطنة، فغدا المجتمع الإسرائيلي منقسماً على أساس عرقي ولغوي وديني. وثانيها: أن إسرائيل باحتلالها للأراضي الفلسطينية، وممارستها سياسة امتصاص الأراضي عبر بناء مئات المستوطنات، وضمها للقدس، أوجدت واقعاً معقداً جداً، بحيث يستحيل على الجانب الفلسطيني بناء علاقات ثقة مع الإسرائيليين، هذا فضلاً عن كون المجتمع الإسرائيلي يتجه نحو مزيد من التطرف والانغلاق، وتتعمق فيه الأصولية الدينية المتطرفة، والتيارات القومية اليمينية المتطرفة التي ترفض أي حوار مع الأخر. وثالثها: أن إسرائيل بكافة تياراتها السلامية واليمينية والدينية وقفت موقفاً موحداً ضد عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، سواء لاجئي الـ 1948 أو نازحي الـ 1967، فكيف يمكن أن نتحدث عن دولة ثنائية القومية دون حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين؟ .

لعل أي محاولة استشرافية لمستقبل الصراع تشير إلى حالة يمكن أن توصيفها بانسداد الآفاق، فلا الحل القومي أو الثنائي أو الاندماجي تمتلك رصيداً ممكناً لممارستها ضمن إطار الممكن، اللهم إلا معالجتها نظرياً خارج «فن الممكن». نحن نعيش انسداد الأفق، لا مخرج منه إلا بالعمل على تكوين وبلورة ظروف نضالية جديدة، تقوم على وحدة الشعب الفلسطيني وأرضه وقضيته، ربما آنذاك نستيطع أن نتلمس شعاعا لحل نلهث وراءه . لا جدال في أن لا أحد يملك حلا سحريا لواقع بالغ التعقيد، لكن نقطة البداية تقوم بضرورة أن تكون القضية الفلسطينية هي قضية كل الفلسطينيين، وليست قضية فلسطينيي الضفة والقطاع، ناهيك عن ضرورة التوافق والانسجام مع البعد العربي. انسجام يتطلب استنفارا فلسطينيا ـ عربيا، ويتطلب فوق كل ذلك أن نعي أن المرحلة الراهنة تتطلب الإقرار بفشل مشروع التسوية عبر بوابة أوسلو، وأن البحث عن البديل ينطلق من ترتيب البيت الفلسطيني، لكن بجوهر وأليات مختلفة.
أشدد على ضرورة التأكيد على أن مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ما زال محكوم بمعادلة أن إسرائيل دولة كولونيالية استعمارية إحلالية قامت على أنقاض المجتمع الفلسطيني، وعبر عملية تطهير عرقي بامتياز، وقد تحول الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، إلى نظام أبارتهايد من نمط فريد، وهو ما يستدعي دراسته، بيد أن التوصل إلى استنتاجات بأن مآل الصراع قد يؤدي إلى إقامة دولة واحدة، أو دولة ثنائية القومية، أو دولة الانفصال القومي، هو استنتاج متسرع، ولا يستند إلى قراءة لمنظومة النظام السياسي والأيديولوجي في إسرائيل، وهو لا يأخذ بعين الاعتبار أن منظومة المفاهيم الأيديولوجية الإسرائيلية تميل وبسرعة نحو مزيد من التطرف والانغلاق ورفض الآخر الفلسطيني، لا وبل وتجاهل سرديته التاريخية لنشوء المشكلة التاريخية، ناهيك عن سلسلة من التشريعات الإسرائيلية وأهمها “قانون القومية”. لنعمل من أجل تكوين ظروف نضالية جديدة، تقوم أساساً على وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة قضيته ومصيره، آنذاك قد نخطو خطوات واقعية للبحث عن مقاربات منطقية لحل الصراع برمته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *