مفاوضات غزة والتطبيع بزمن الإبادة وما بعد العدوان على إيران

أفاد المدير العام لـ”المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” عزمي بشارة بوجود أجواء إقليمية ودولية وإسرائيلية بوجوب وقف حرب غزة، ولم يستبعد حصول تحوُّل إسرائيلي في اليومين المقبلين يتعلق بإعادة النظر في خرائط انتشار جيش الاحتلال داخل القطاع خلال الهدنة، ما قد يسهّل ولادة اتفاق ربما نتيجة لإدراك رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن الانتخابات في إسرائيل حتمية. لكنه حذّر من أنه حتى لو لم تُستأنف الحرب الشاملة بعد هدنة الـ60 يوماً، في حال أُبرمت، فستكون هناك تحديات كبرى مثل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية على نسق ما يحصل في لبنان، ثم استمرار الحصار ومنع إعادة الإعمار.
عزمي بشارة: قد يحصل تحوُّل إسرائيلي يتعلق باتفاق غزة قريباً
وخصّص بشارة حيّزاً واسعاً من حوار خاص أجراه مع تلفزيون “العربي” مساء الاثنين، من مدينة لوسيل في دولة قطر، لانتقاد “موضة”، استبعد أن تكون بريئة، يروّجها بعض العرب للتطبيع مع إسرائيل، معتبراً أنه يجب التفكير حالياً بكيفية معاقبة إسرائيل لا مكافأتها عبر التطبيع معها، مذكّراً بأن التطبيع مع إسرائيل لم يحل مشاكل الدول المطبّعة. وفي إطار منفصل، استبعد أن يوقع النظام الجديد في سورية اتفاق سلام مع إسرائيل من دون استعادة الجولان.
عزمي بشارة: يجب التفكير بكيفية معاقبة إسرائيل لا مكافأتها عبر التطبيع
اتفاق قريب في غزة؟
وقال بشارة إنه يمكن أن يحصل تحول في الموقف الإسرائيلي من خريطة انسحاب جيش الاحتلال من غزة في اليومين المقبلين، “لأن الأجواء الدولية والإسرائيلية تتجه نحو وجوب حصول اتفاق، ولأن المقاومة قدمت أقصى ما يمكنها تقديمه من تنازلات، فإن الكرة باتت في الملعب الإسرائيلي، لذلك ترى نتنياهو حالياً في حالة توتر سياسي”.
وتحدث عن بعض ملامح الاتفاق المحتمل الذي يؤخره إصرار تل أبيب على تقليص المساحات التي سينسحب منها الجيش في غزة، وكشف أنه يمكن الاتفاق على تخلي الاحتلال عن “مصائد الموت” التابعة لـ”مؤسسة غزة الإنسانية” الشريكة في قتل الفلسطينيين بحسب شهادات دولية وأممية، لتتولى مؤسسات الأمم المتحدة (منظمة الغذاء العالمي، فاو، خصوصاً) التوزيع مع بقاء مركزين فقط في المناطق التي سيبقي الجيش الإسرائيلي سيطرته عليها خلال هدنة الستين يوماً. وعن التعنت الإسرائيلي في مسألة الانسحاب وإعادة الانتشار، ذكّر بشارة بأن الإسرائيليين استحدثوا غلافاً داخل غزة، وأقحموا بناء معسكر الاعتقال الذي يسمونه “المدينة الإنسانية” في رفح تمهيداً لمنع إعادة الإعمار ومواصلة الحصار وبدء تهجير الغزيين إلى خارج القطاع، أو على الأقل لتقليص عدد الفلسطينيين في غزة إن لم يحصل ترانسفير كامل.
وبحسب مؤلف “قضية فلسطين: أسئلة الحقيقة والعدالة”، فإنّ ما قد يذلل العقبات هو تغير في الموقف الإسرائيلي ناتج إما عن توقع أميركي أو عن وضع داخلي إسرائيلي أو عن إدراك نتنياهو أن الانتخابات المبكرة في إسرائيل حتمية، لأنهم لم يتفقوا على قانون تجنيد الحريديم ولا على قانون الميزانية، لذلك ربما لا يمانع في حل الكنيست لأنه يريد خوض الانتخابات وهو في أحسن أحواله شعبياً. غير أن المفكر العربي حذّر من أن أي وقف لإطلاق النار لا يعني أن إسرائيل ستوقف ضرباتها، وهذا ما يعتقد الإسرائيليون أنه سيدفع الغزيين جنوباً، ورجح أن تواصل تل أبيب قصفها حتى لو توقفت الحرب “كما تفعل في لبنان حالياً، ولدي انطباع بأن هذا نمط عسكري جديد يقوم على حرية القصف خلال وقف إطلاق النار”.
عزمي بشارة: بعد هدنة الـ60 يوماً حتى ولو لم تعد الحرب الشاملة، ستكون هناك تحديات كبرى: استمرار العمليات العسكرية، والحصار وإعادة الإعمار
وجزم بأن لا ضمانات بوقف الحرب، إنما “الضمان الوحيد أن هناك أجواء إقليمية ودولية وإسرائيلية بوقف الحرب لأن أهدافها انتهت” حسب ما بات الجيش الإسرائيلي نفسه مقتنعاً به أيضاً، بما أنه لم يعد هناك شيئ تقريباً لقصفه في غزة. وفي حال أبرمت هدنة الستين يوماً بالفعل وتوقفت الحرب، “فقد يبقى حصار غزة مستمراً، والمعركة الأساسية للأيام القادمة ربما تكون منع إعادة الإعمار والحصار واستمرار العمليات العسكرية”، بحسب تعبير كاتب “العرب في إسرائيل: رؤية من الداخل”.
بعد العدوان على إيران
ورداً على سؤال عن المكاسب الأساسية التي حققتها إسرائيل من ضرب إيران، لفت بشارة إلى أن الأهداف كانت قد تحققت قبل ضرب إيران، تحديداً عبر تحييد حزب الله وقصف سورية واستغلال انهيار النظام السابق لضرب القوة العسكرية لهذا البلد، وكذلك ضرب حماس. وذكّر بأن قصف إيران أمنية لدى نتنياهو منذ 20 عاماً ظل يردد خلالها أكاذيبه عن تمكن إيران من إنتاج سلاح نووي في غضون أسبوعين. وفي تقييمه العدوان على إيران، أشار مدير “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” إلى أن “الردع الإيراني ضُرب بالفعل”، وأوضح أن ضربة إيران كانت موجعة وقوامها التفوق التكنولوجي الأميركي ــ الإسرائيلي ودرجة الاختراق الإسرائيلي الهائل لإيران الذي ربما يكون قد فاجأ المسؤولين الإيرانيين أنفسهم. اختراق مماثل ظهر في لبنان وسورية والعراق، “وهذه مشكلة في المجتمعات العربية التي يسهل اختراقها على عكس إسرائيل، لأن هناك إجماعاً على الدولة وعلى الأمن القومي للبلد”، وفق تعبير مؤلّف “من يهودية الدولة حتى شارون”. وتوقّع بشارة أن تكون لدى الإيرانيين تحديات كبرى في محاربة الاختراق وفي التحدي التكنولوجي، متسائلاً عما إذا كانوا قادرين على التطور تكنولوجياً من دون رفع العقوبات، أو يتجهون شرقاً تماماً نحو روسيا والصين.
عزمي بشارة: لا أعتقد أن المشروع النووي الإيراني انتهى بفعل الضربة
وفي جوابه عن سؤال في الحلقة إياها على تلفزيون “العربي”، استبعد المفكر العربي أن يكون المشروع النووي الإيراني قد انتهى بفعل الضربة. وقال إن الإنجاز الأساسي هو تمكُّن نتنياهو من التبجج بأنه غيّر المنطقة جيوسياسياً، وهي برأيه رسالة موجهة للعالم وللإقليم مفادها أن الإسرائيلي بات شرطي المنطقة وأن إسرائيل لا أميركا هي من تحمي البلدان العربية من إيران. وضْع توقع بشارة أن يشكل معضلة للزعماء العرب لناحية احتمالات قبولهم بأن يكون الإسرائيلي حاكم المنطقة، معرباً عن أمله أن يؤدي ذلك إلى رد فعل معاكس عربياً على قاعدة أن إيران لم تعد عدواً ولا تهديداً.
وفي السياق، عرّج بشارة على علاقة التناغم بين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو الثنائي الذي سبق له أن وصفه في مقابلات سابقة بأنه “قاتل”. وسخر من كيف أن زعماء العالم يتعلمون سريعاً كيفية التعامل مع هذه الظاهرة (ترامب) وهو “تركيبة نادرة جداً في التاريخ من الجهل والنرجسية معاً”. أما نتنياهو، الخبير بالألاعيب والمناورات على حد تعبير بشارة، فقد “تعلم بسرعة أيضاً كيفية التعامل مع ترامب”، متوقفاً عند مشهد سمّاه عبثياً كأن يرشح “مجرم حرب رئيس دولة لا علاقة له بالسلام ولا الإنسانية لنيل جائزة نوبل للسلام”، في حين تُفرض عقوبات على مسوؤلة أممية مثل فرانشيسكا ألبانيزي وعلى المحكمة الجنائية الدولية. وشدد على أن ترامب، الذي لا يتعامل إلا مع زعماء أقوياء، قد يدعم نتنياهو في ضم مناطق سورية وفي الضفة الغربية.
موضة التطبيع غير البريئة
وفي ما يتعلق بموجة التطبيع العربي مع إسرائيل، جزم صاحب كتاب “صفقة ترامب – نتنياهو: الطريق إلى النص، ومنه إلى الإجابة عن سؤال ما العمل؟” (الذي نشره عام 2020، عام الاتفاقات الإبراهيمية التي جعل ترامب فيها التطبيع برنامجاً سياسياً بلا حل للقضية الفلسطينية)، بأنه في هذه المرحلة، يجب أن يدور النقاش حول كيف معاقبة إسرائيل وهل نستطيع معاقبتها، وكيف نوقف الإبادة، وليس هل نكافئ إسرائيل عبر التطبيع معها؟ معادلة اعتبرها غير مقبولة حتى بالنسبة لمن يؤيدون السلام مع إسرائيل، لأن هناك شروطاً للتطبيع (في إشارة إلى مبادرة السلام العربية في قمة بيروت 2002)، بينما العرب الذين يريدون التطبيع اليوم، إنما يريدونه من دون تلبية الشروط، أي الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة في الضفة والجولان. وتخوّف من أن هذه الموضة “يصعب أن تكون طبيعية وبريئة”.
عزمي بشارة: حماسة بعض العرب للتطبيع يصعب أن تكون ظاهرة بريئة
ورداً على سؤال، ذكّر بشارة بأن التطبيع لا يحلّ مشاكل الدول المطبّعة، بدليل أن مشاكل المصريين الاقتصادية تفاقمت رغم التطبيع مع إسرائيل، كذلك الحال مع الأردن، ذلك أن “التطبيع لا يحل أي مشاكل” على عكس ما تروّجه أوساط من أوهام وأساطير مع إرهاب معنوي وحرب نفسية على وسائل التواصل الاجتماعي يجب أن نواجهها برأي بشارة.
عزمي بشارة: التطبيع مع إسرائيل لم يحل مشاكل الدول المطبّعة
وفي إطار إسهابه بشأن التطبيع، بدا بشارة واثقاً من أن النظام السوري الحالي “لا يستطيع توقيع اتفاق مع إسرائيل من دون الجولان”.
تفكيك الأمة الوطنية من العراق إلى سورية
وفي المحور الأخير من الحوار الخاص لتلفزيون “العربي” مع الدكتور عزمي بشارة الذي تمحور حول الطائفية وتفكك مجتمعات ودول عربية على أسس طائفية، رأى مؤلف “الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة” أن تفكيك الأمة الوطنية حصل في العراق “وأخشى أنه يحصل في سورية”.
ولاحظ أن وحدة الأمة الوطنية، أي مجموع المواطنين، حين تفككها إلى طوائف، تبدأ الطائفية بإعادة إنتاج نفسها. وبرأيه، إقامة الدولة اللاطائفية هي الكفيل بتغيير المجتمعات وإرساء ثقافة مواطنة ديمقراطية، وإلا فإنّ الدولة، بدل أن تبني أمة من مواطنين، تنشئ في أفضل الحالات تعايشاً بين طوائف، وهذا يضرب كل مؤسسات الدولة، فلا يعود التقييم يحصل على أساس الكفاءة ولا القانون يُطبق بالتساوي بين المواطنين.
لمشاهدة المقابلة يمكن الضغط على الرابط
عن عرب48 – التلفزيون العربي