مفارقات الاعتراف بالدولة والتهجير…!

في اعتراضاته الهزيلة على سيل الاعترافات بالدولة الفلسطينية القادم في أيلول القادم يقول بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل أن هذه الاعترافات تشكل هدية لحركة حماس التي قامت بعملية السابع من أكتوبر، متناسياً أنه قدم في السنوات الخمس التي سبقت العملية أكبر هدايا تلقتها الحركة الفلسطينية بما يعادل مئات الملايين من الدولارات كان نتنياهو حريصاً على تأمينها من قطر.


في اجتماع لكتلة حزب الليكود  في الكنيست عام 2018  سُئل نتنياهو عن تلك الأموال وكيف يدعم حركة تعلن أنها ستدمر إسرائيل فأجاب «من يريد أن يمنع قيام دولة فلسطينية عليه أن يدعم حركة حماس» .هكذا الأمر ببساطة وهو ما كان يجب أن يشعل كل الأضواء الحمر لدى الحركة ولا زال الوقت يسمح لكنها فضلت التغاضي، كان نتنياهو ذكياً بما يكفي لإجهاض الدولة ولكن التذاكي الزائد غالباً ما ينقلب لنقيضه كما قصة العقرب والضفدع التي كتبها الرئيس السادات في مقدمة كتابه « البحث عن الذات « ، أراد العقرب الذي لا يجيد السباحة عبور النهر مستنجداً بأن يحمله الضفدع على ظهره لكن الأخير يتردد ليقنعه العقرب بأنه لو لدغه فسيغرق هو نفسه .
هكذا تنتهي قصة الضفدع نتنياهو عندما غلب طبع المقاومة على التطبع، لم يحسب إلحاح فائض الأيديولوجيا لدى حركة اعتقدَ أنها ستحمله إلى ضفاف السياسة ومنع الدولة، هذه الحركة هي جزء من سيكولوجيا غزة المندفعة بلا حساب، وبدلاً من أن يكون دعمها سبباً بمنع الدولة تصبح محاربتها سبباً للاعتراف بالدولة، وهذه مفارقات السياسة لدى شديدي المكر والمتذاكين يقعون في شر تفكيرهم، وهنا تكمن مأساة نتنياهو التي سيحاسَب عليها عندما تتشكل لجنة التحقيق التي يرفضها، وعقدته المستجدة أنه تلقى الضربة من الحركة التي كان سخياً معها.


في كتابه الذي لم يصدر بعد يقسم البروفسور الصديق أسعد غانم إسرائيل لثلاث مراحل، مطلِقاً على مرحلة نتنياهو بالجمهورية الثالثة، معتبراً أن أهم إنجاز حققه نتنياهو في الجمهورية الثالثة هو إسدال الستار على عملية التسوية التي أورثها اليسار لدولة إسرائيل، وتشييعها لمثواها الأخير، وإسقاط مشروع حل الدولتين عن الأجندة الدولية لتقتصر العلاقة مع الفلسطينيين على دائرة الشؤون المدنية لقضايا معيشية منزوعة من البعد السياسي. هكذا أراد للفلسطينيين أن يكونوا رعايا تحت هيمنة الإمبراطورية الإسرائيلية دون تطلعات وطنية، ومن لا يقبل عليه الرحيل كما يقول سموتريتس.


وفي الجانب الآخر من التاريخ حيث يقف نتنياهو وأركان حكومته الغارقة في الخرافات القديمة، وبينما يفيق العالم متأخراً على ما حدث للشعب الفلسطيني لثلاثة أرباع القرن، وتكثف في العامين الأخيرين على شكل إبادة وجهت ضربة قاتلة للضمير الإنساني، ليحاول هذا العالم تبرئة ذمته من دم هذا الفلسطيني، من خلال الاعتراف بحقوقه في البقاء على أرضه وإقامة دولته، يتحدث نتنياهو بالأمس عن خمس دول ستبدي استعدادها لاستقبال أعداد كبيرة من الفلسطينيين، مهاجماً كل من يطالب ببقاء الفلسطيني في وطنه، فأي فكر فاشي هذا وأي عقل مختل الذي يفكر بذلك؟


الحرب في غزة يجب أن تتوقف بأي ثمن، لأن التهديد الإسرائيلي سواء باجتياح أو باقتطاع أراض من قطاع غزة  وضمها لإسرائيل، أو بتهجير الفلسطينيين، أكثر كثيراً من كلفة وقفها التي تقتضي من حركة حماس الموافقة على ما هو مطروح في سبيل إجهاض مشروع التهجير الأخطر، فكل المعادلات لم تعد مجدية أمام بلطجة السلاح الإسرائيلي المتكئ على رئيس أميركي هو مجرد نسخة مكبرة عن بن غفير.


بقاء الجيش الإسرائيلي في مناطق مع وجود السكان أفضل من بقائه بلا سكان، وبقاء السكان على الأرض أفضل من ضمها. أما في مقايضة الأسرى ففيها ما يشي بخساراتنا الأشد في القتل اليومي بلا حساب، وبما يتجاوز بأضعاف عدد من يطلق سراحهم. صحيح أنه ليس دائماً تجري الحسابات وفق معادلات ضيقة، ولكن في هذه الحرب هناك كارثة فلسطينية تزداد شراسة. العالم يعود للحديث عن حل الدولتين الذي جرى الاستثمار فيه قبل أن يدمر نتنياهو كل شيء، ولكنه يلفت كما بيان نيويورك إلى مغادرة حركة حماس وتسليم سلاحها، وعلى هذا وقّعت عليه أيضاً قطر وتركيا راعيا الحركة. ماذا يعني ذلك.  


هذا يعني أن الاتجاه الدولي نفسه ليس في صالح الحركة الإسلامية، بل هناك إجماع على إخراجها من المشهد. وبالتالي تخطئ الحركة إذا ما راهنت أن هذا الاتجاه من الممكن أن يكون في صالحها، فهناك إجماع على إخراجها من المشهد من الحكم والسلاح ومنع المشاركة لاحقاً. وبالتالي فإن المقاربات القائمة في المفاوضات أن تفاوض لتبقى أو تعود هي مقاربات خاطئة، وعليها أن تفكر بشكل مختلف ولا ترى الأمر كالعادة بعد حدوث المأساة، الضم أو التهجير… الآن ربما هناك فرصة، واضح من سلوك إسرائيل أن نافذتها ستنغلق والخشية أن نصحو متأخرين على واقع مختلف.

عن الأيام

About The Author

الفكر 1 على “مفارقات الاعتراف بالدولة والتهجير…!

  1. أكرم عطا الله يقدّم في مقاله ( مفارقات الاعتراف بالدولة والتهجير) قراءة تُفهم كدفاع عن خيار الدولة الفلسطينية في إطار ما يجري الترويج له دوليًا، خصوصًا في ظل إعلان نيويورك وتحركات باريس، من دون أن يتوقف بجدية أمام السياق الاستراتيجي الذي تنتج فيه هذه المقترحات. المقال يقترب ظاهريًا من نقد إسرائيل ونتنياهو، لكنه سرعان ما يُحمّل المقاومة، لا الاحتلال، مسؤولية تعقيد المشهد، فيقف على أرض خطابية تُميل الكفة نحو ما يسمى “الفرصة الدولية” بدل تحليل ما تنطوي عليه هذه الفرصة من شروط نزع المعنى السياسي والوطني عن الكيان المقترح.

    يشير الكاتب إلى أن نتنياهو كان الداعم الأكبر لحماس في سياق تعطيل خيار الدولة، ثم يعتبر أن السابع من تشرين هو ما فتح باب الدولة مجددًا، وكأن المأساة الشاملة التي تعيشها غزة منذ أكثر من 663 يومًا مجرد خطأ استراتيجي قابِل للتفاوض. هذا الاختزال، وإن بدا تحليليًا، يضع الفاعل الفلسطيني مجددًا في موقع التلقي والانفعال، ويتغاضى عن أن الواقع المفروض ليس وليد مغامرة، بل هو امتداد لصراع طويل تتجاوز فيه إسرائيل حدودها الفعلية باتجاه صياغة واقع إقليمي كامل، وليس فقط منع كيان فلسطيني.

    يتعامل المقال مع إعلان الدولة كإنجاز قادم، ويتجنب مساءلة شروط هذا الاعتراف: من يمثّل الدولة؟ على أي أرض؟ تحت سيادة مَن؟ بل يتم القفز على كل هذه الأسئلة باتجاه تحميل المقاومة ثمن استمرار الحرب، في حين أن الحرب لم تُشنّ على المقاومة فقط، بل على الوجود الفلسطيني نفسه، في الأرض والمعنى.

    كما يُفهم من المقال أن المطلوب من المقاومة أن توافق على الطروحات الدولية “لوقف التهجير”، أي أن تتخلى عن دورها مقابل ضمان بقاء الحد الأدنى من الفلسطينيين في غزة. هذه مقايضة خطيرة، تجعل من الضحية شريكًا في إدارة الكارثة، وتختزل النضال الوطني إلى معركة بقاء في حدوده الإنسانية، لا السياسية.

    في الخلاصة، يعيد المقال إنتاج خطاب مألوف، يرى في كل مبادرة دولية احتمالًا للإنقاذ، حتى لو جاءت ضمن شروط تحييد المقاومة، وإعادة هندسة التمثيل الفلسطيني. وهو بذلك يغفل حقيقة أن القضية ليست مجرد مفاوضات على شكل الدولة، بل معركة على مضمونها، وعلى مَن يمثل الشعب، ومَن يملك القرار السياسي. فما يُقدّم كفرصة، هو في جوهره امتداد لأدوات الضبط لا التحرر، ولعل المأساة الأكبر أن يطالب الفلسطيني اليوم بقبول شروط الهيمنة باسم الخروج من النكبة، بينما النكبة الجديدة تصاغ بحروف دولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *