معجزة الهروب…

يتداول العامة مثلاً يقول: “بيكيل (من الكيل) البحر بملعقة”، في كناية عن القيام بعمل صعب باستخدام ادوات غير ملائمة، ولذلك يحتاج انجاز العمل سنوات وعقود طويلة….اليوم استطاع بعض الفلسطينيين كسر هذه المقولة النمطية واستطاعوا حفر نفق بملعقة، متحدين منظومة أمنية معقدة….

كيف يحفر النفق وكيف يتم تجاوز المنظومة الأمنية…سؤال قد لا يملك إجابته سوى الذين شاركوا في هذا العمل….وأبسط ما يقال عن هذا العمل انه معجزة بكل المقاييس….لماذا معجزة؟!…لنطلع على التفاصيل ثم نحكم….

غرف مغلقة أرضيتها من الباطون، لا يوجد أدوات للحفر، تفتيش يومي (3 مرات يومياً) يتضمن فحص الأرضيات عبر “الدق” بعصاة غليظة للتأكد من عدم الحفر، وتغطية الحفرة ب”بلاطة” مموهة، علاوة على ذلك تفتيش على يد قوات من خارج السجن، قد يحصل كل شهر او أكثر (لضمان وجود رقابة خارجية)…يضاف إلى ذلك…عدم السماح ببقاء نزلاء الغرف لفترة طويلة في نفس الغرفة، فيتم نقلهم وتبديلهم بشكل دوري، حتى لا يتفق الأسرى فيما بينهم على عملية هروب…ولاتنسى كاميرات مراقبة 24 ساعة، وجولات للسجانين على الغرف كل ساعة…بالرغم من كل ما سبق يتم حفر نفق بواسطة أدوات بدائية كملاعق الطعام….

تكمن المعجزة في التفاصيل….كيف تفادى الشباب التفتيش اليومي.. كيف أخفوا وقاموا بتمويه فتحة النفق، كيف استطاعوا المحافظة على سر الحفر طوال شهور إن لم يكن سنوات….أين كانوا يذهبون بالتراب والصخور التي تخرج من الحفرة، كيف حددوا الاتجاه والمسافات، كيف استطاعوا التنفس في داخل النفق، كيف دعّموا النفق وتغلبوا على احتمالية انهياره فوق رؤوسهم…

ليست هذه المحاولة الأولى في تاريخ الحركة الأسيرة فقد سبقها محاولات كثيرة، نجح بعضها وفشل معظمها بسبب المنظومة الأمنية المعقدة….ففي إحدى المحاولات كان الشباب يقومون بتذويب التراب في الماء وسكبه في داخل دورات المياه، لكن بعد فترة تراكمت الأتربه وتسببت في سد المجاري وفيضانها، فتنبهت إدارة السجن للأمر وكثفت البحث لتكتشف النفق….

في محاولة أخرى….حفر الشباب لعدة شهور وعندما قرروا التنفيذ اكتشفوا بأن تقديرهم خاطئ للمسافة التي حفروها، فعندما خرجوا اكتشفوا بأنهم لم يبعدوا عن السور الخارجي…خرج بعضهم من الفتحة وهرب لكن سرعان من تم اكتشافهم بواسطة برج الحراسة والكلاب وأعيد أسرهم…

يروي لي أحد الأصدقاء الذين شاركوا في عملية هروب (لم تنجح) طرفة حصلت معه…..أثناء حفرهم كانوا يخفون الأمر عن باقي المعتقلين، تواجد هو وزميله في “الحمام” متناوبين على الحفر، وحتى لا تتسخ ملابسهم بالتراب وينكشف أمرهم عند الخروج من ال”الحمام” كانا يحفرون بملابسهم الداخلية…تفاجئ ذات مرة بدخول أحد المعتقلين غير المشاركين بعملية الهرب للحمام، وهما بملابسهم الداخلية، عندما شعر باقترابه، وحتى لا ينكشف موضوع الحفر والنفق قام بمعانقة زميله وتقبيله، فتح المعتقل (غير المشارك بعملية الهرب) الباب ليجد في الحمام أسيرين بملابسهم الداخلية يعانقان بعضهما البعض ويقبلان بعضهما…ولك ان تتخيل بعدها ماذا تخيل هذا المعتقل…

Author: أشرف بدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *