مصطفى الحلاج.. التشكيلي الفلسطيني في مركب فرعوني

ـ متى تنام يا حلاج؟
ينظر نحوك وعلى محياة ابتسامة: حين يستيقظ الآخرون.
-ومتى ترسم؟
يضحك الحلاج على نحو متقطع وبصوت عال متواتر: عندما ينام الآخرون.
ويبدو أنه لم ينتبه حين تسربت النار في لحظة بين الصحو والنوم كي تحاصره، كأن قدره معطوف في حالة ما على مصير أبي عبد الله حسين بن منصور الحلاج، الشاعر الصوفي الذي تم أعدامه صلبا في زمن الخليفة العباسي المقتدر بالله. كلاهما سافر في رحلة طقسية، وبقي أثره شاهدا على حياة مرتجلة.

كان الحلاج في لحظات الصفاء والخلوة يقول “أنا أشبه الثعبان إلى حد كبير، هو يجدد جلده مرة في العام، وأنا أجدده في كل يوم، أنا قناع، لن تبصروا وجهي، كلما أزلتم قناعاً وجدتم آخر”. ومن مسالك الحلاج أنه لا ينام كثيرا في المدينة الواحدة والبيت الواحد، بل كان يتنقل بين دمشق وبيروت، وفي كل من المدينتين له طقوس وأحوال. المرسم أولاً، ومن ثم الأصدقاء الذين يتشكلون من دوائر عديدة، لكنها مفتوحة حتى النهاية، يختارهم بانتقائية عالية، إلا أننا قد نعثر في إحدى السهرات على بعض الناس الذين لا يعرفون الفنان ولا صلة لهم بالتشكيل، وحضروا إلى هناك مصادفة، فمن عادة الحلاج حين كانت تنفض الجلسة المسائية في مقهى الاكسبرس في شارع الحمرا في بيروت أن يدعو كل الموجودين على الطاولة إلى مرسمه الذي يبعد حوالي 50 مترا، عند زاوية مكتب الخطوط الجوية الايطالية، وكذلك الأمر في مقهى الاتوال أو اللاتيرنا في دمشق مع الفارق بين المكانين والمدعوين. والفارق هنا يتعلق بالحرية. بيروت مدينة مفتوحة ودمشق مزروعة بالمخبرين.

ومن بين المدعوين الدائمين في بيروت، والذين لا يتغيبون الدكتور الشاعر ميشيل سليمان، وكان هناك الدكتور والشاعر نذير العظمة الذي عاد عام 1981 من الولايات المتحدة، وأحيانا الشاعر والمسرحي عصام محفوظ، بالاضافة إلى مجموعة من الكتاب والصحافيين اللبنانيين والفلسطينيين العاملين في وسائل الاعلام اللبنانية والفلسطينية، وفي مقدمة هؤلاء الصحافي خفيف الظل الراحل عبد الأمير عبدالله، والصحافي احمد فرحات والكاتب نعيم علوية والسينمائي جان شمعون والشاعر العراقي الراحل آدم حاتم، والممثلة المسرحية اللبنانية رينيه ديك. وكما أشرت فإن عدد المدعوين غير المعروفين أكثر من أصدقاء ومعارف الحلاج الذي كان يحضر طبخات سريعة لاطعام الجميع، ويقدم مشروبات لكل الجمع الذي يتكدس في مرسم صغير مفتوح على جنينة صغيرة كانت تظل محجوزة للمدخنين. وإلى الزبائن من بيروت هناك القادمون من الخارج، من العالم العربي وأوروبا وأميركا وكانت حصة فلسطين وسورية ومصر هي الأكبر. ويتراوح هؤلاء بين كتاب وصحافيين ورسامين وناشرين، فيصل حوراني، غالي شكري، عدلي رزق الله، حلمي التوني، عدلي فخري، بكر الشرقاوي، فهمي حسين، عبد المنعم القصاص، سيد خميس، محمد هجرس ونجله هاني، محمد برادة وزوجته ليلى شهيد، عزمي مورللي وزوجته نادية، سعيد البرغوثي، سحبان سواح.. إلخ.

كان مرسم الحلاج في بيروت، مثل بيت بندر عبد الحميد في دمشق، عنواناً ثابتاً للقادمين من الخارج، وكثيراً ما كان الحلاج يصل إلى باب بيته/مرسمه الكائن في الدور الأرضي ليجد منتظرين على موعد مع قادمين من بلاد أخرى، وأحياناً كان البعض يودع حقيبة أو رسالة لشخص آخر سيحضر لاستلامها في وقت آخر، وفي هذه الأثناء يجد بيت الحلاج مفتوحاً أمامه، وزواره الدائمين الذين لا ينقطعون عن طقس السهرة اليومي إلا حين يسافر الحلاج إلى دمشق. ولا أذكر أنه سافر في أعوام 1981 و1982 إلا مرة واحدة إلى اليابان التي عاد منها بخلاصات تؤكد نظريته عن القناع.

وما عدا رحلة الحلاج بين بيروت ودمشق لم يكن يذهب إلى اي مكان آخر، ويخيل لمن يراقب حركته ونمط حياته وعلاقاته بين المدينتين أن الرجل لن يبرح هذا الطريق، فهو استقر هنا بعد أن استهدى على هذا المكان. ووصل الحلاج إلى بيروت أولاً في بداية السبعينيات قادماً من مصر والتحق بالاعلام الفلسطيني التابع لحركة فتح، وبقي إلى جانب الفنانة منى السعودي التي كانت تتولى تنظيم النشاطات الفنية الفلسطينية في لبنان والخارج، وشارك في العديد من المعارض الفنية في بيروت والخارج التي نظمها الاعلام الفلسطيني، وكان من بين الذين ساهموا في تصميم الملصق الفلسطيني الذي كان دارجا بقوة في تلك الفترة. ويبدو أن الحلاج أحب دمشق أيضا فهي فتحت أبوابها له، وبعد تردد استأجر بيتا في وسط المدينة، غير بعيد عن مركز الحياة الثقافية التي كانت تنحصر في مقاهي الادباء والفنانين مثل الهافانا والاتوال واللاتيرنا، والمطاعم والبارات مثل الريس والجندول والفريدي، ودور السينما مثل الكندي والصحف اليومية كالبعث والثورة، وتم التعريف بالحلاج على نظاق الحركة الثقافية حين استضافه محلق صحيفة الثورة الثقافي ومنحه مساحة ثابتة للكتابة، وذلك بمبادرة من الشاعر محمد عمران الذي كان يشرف على الملحق، والذي يعد أهم مطبوعة ثقافية في عقد السبعينيات لأنها تمتعت بهامش من الحرية وتعددية الآراء في ظل وجود إعلام الحزب الواحد، والفضل في ذلك يعود إلى مبادرة الشاعر محمد عمران الذي كان متحمسا للثقافة الجديدة ومنح الأجيال الشابة هامشا.

لكن تلك المساحة التي سرقها الكتاب والمثقفين والفنانين بعد حرب تشرين سرعان ما تقلصت مع تدخل الجيش السوري في لبنان ضد الثورة الفسلطينية والحركة الوطنية اللبنانية العام 1976، ومع ضرب المقاومة والحركة الوطنية امتد النفوذ الأمني السوري إلى جزء من بيروت، وفي الدرجة الأولى إلى الاعلام اللبناني الذي كان يشكل عامل ازعاج للأنظمة العربية، وتكفل النظام السوري بإلغاء هامش الحرية، وقام باغتيالات لاقلام صحافية معروفة مثل رئيس تحرير مجلة الحوادث سليم اللوزي ونقيب الصحافة اللبنانية رياض طه العام 1980. وهنا انكفأ الحلاج ولم يعد يسلك طريق دمشق كما في السابق، وصار يمضي الجزء الأكبر من وقته في بيروت، لكن الاجتياح الاسرائيلي للبنان وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان اضطره لترك بيروت والاستقرار في دمشق، حيث احترقت الصفحة الأخيرة من حياته، وتوفي هناك على نحو يذكر بوفاة الفنان لؤي كيالي في حلب في الشهر نفسه من العام 1978. وفي روايات بعض الأصدقاء الذين واكبوا الحلاج في دمشق ومنهم الناشر الفلسطيني صاحب دار كنعان سعيد البرغوثي، فإن الحلاج احترق وهو يحاول انقاذ جزء من لوحاته في مرسم ناجي العلي في دمشق.

يشكل الحلاج مدرسة فريدة في الحركة التشكيلية الفلسطينية والعربية، ليس هناك من يشبهه، كما انه لا يشبه أحدا، وهو اختط لنفسه مسارا خاصا ظل غريبا عن أجواء الحركة التشكيلية في سوريا ولبنان والعراق، وهي أقرب إلى مصر التي عاش فيها الحلاج طفولته ودرس في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة. وتخرّج في قسم النحت، ولكنه درس معظم الفروع التشكيلية (النحت – سيراميك – خزف – حفر في الخشب – رسم بالزيت)، وقدم الحلاج إلى مصر فتى في العاشرة من العمر من قرية تدعى سلمة تقع قرب مدينة يافا، واستقرت عائلته في الشرقية وتطبع الحلاج بكل ما هو مصري وخصوصا في اللهجة التي بقيت ملازمة له، حتى أن الكثيرين يشككون في أصوله الفلسطينية ويعتبرونه مصرياً، الأمر الذي لا يقره من يعرف عائلة الحلاج واصلهما في فلسطين من جهة، ومن جهة ثانية صلة الحلاج بالقضية الفلسطينية والتي كانت صلة صوفية ترتقي إلى مرتبة القداسة.

الحلاج فنان تشكيلي متميز ولكنه كاتب ومثقف واسع الاطلاع، يمتلك وعيا واحساسا عميقا بالميثولوجيا والاسطورة، وهو مسكون بصورة لا فكاك فيها بأساطير وحكايات وادي النيل والبيئة المصرية، وحتى رسم فلسطين سواء في اللوحة أو الملصق، فإن رموزه مستدعاة من مخيلة ومرجعيات مصرية كنعانية، ومن لا يعرف الحلاج ويقف أمام إحدى حفرياته بالأبيض والأسود يخرج بانطباع أنه يشاهد عمل فنان مصري متشبع بالاساطير وحكايات وادي النيل القديمة. ويشهد له النقاد بأنه أحد أهم فناني الحفر (الغرافيك) في العالم العربي، وبقي يعتمد الأبيض والأسود فقط، لأن الحياة بالنسبة له كانت هكذا ثنائيات متضادة. أبيض أسود. حياة موت. وجود عدم. حضور غياب. ومن هنا تتقاطع لديه الرؤية الصوفية بالحس الميثولوجي في اسطورة الحياة والموت في وادي النيل الفرعونية.

يعطي الحلاج، للوهلة الأولى، انطباع بأنه فنان فطري، لكن الاقتراب من العمل ودراسته بدقة تعاكس هذا الانطباع بسرعة شديدة، وتقود من يتأمل أعماله ويدرسها عن كثب إلى صنعة متقنة ورمزية مدهشة تذهب بعيداً في مرجعيات وادي النيل بإحالات من تفاصيل النكبة الفلسطينية التي بقيت تعيش في وجدان الطفل، الذي غادر فلسطين مهجرا مع عائلته الفلاحية التي تركت البيت والأرض، ولكنها وأخذت معها بعض الحيوانات التي تحضر بقوة في سياق المعمار التشكيلي كشواهد على المكان وأهله الذين كانوا مزارعين وأهل للأهل للمكان. وتتكرر الحيوانات والطيور، وخصوصا الحصان والبقرة والحمامة والماعز.

لوحة الحلاج مقطع من سفينة نوح، يبحر على ظهرها البشر والحيوان والطير ضمن رؤية ميثيولوجية مستقاة من الحضارتين الفرعونية والكنعانية. وهي لوحة ذات بعد سريالي صريح وعمل الفنان على تزويج العناصر فيها لتحكي اللوحة قصة التغريبة والغرابة للهجرة والاقتلاع المديد والرحلات ما بين الذاكرة البعيدة وحضور المكان الأخير بين دمشق وبيروت، والذي أصبح إقامة إجبارية ودائرة مغلقة لا تنفتح في أي زاوية منها على أفق، وكانت الخاتمة هي الحريق في ديسمبر العام 2002، حينما احترق مرسم ناجي العلي واحترق الحلاج هو وجزء من أعماله، ليكتب نهاية مأساوية لتراجيديا الاقتلاع الفلسطيني التي جسدها الفنان في حياته ومماته، ووفق ما كان يردد” الموت شجاعة، الموت حرية”. وكما كان مهجوسا بالموت من دون خوف، فإنه واجه اللحظات الأخيرة من حياته مع النار التي التهمت أعماله، التي لم يكن الحلاج يتنازل عنها بسهولة، يحتفظ بها كجزء منه، وهذا ما يحيل إلى واحدة من لوحاته الأخيرة التي أرادها جدارية تحت عنوان “ارتجالات الحياة”. نعم كانت حياته ارتجالاً شجاعاً ونبيلاً، كمن يسافر في مركب الموت الفرعوني إلى الأبدية.
* عن موقع “المدن”

Author: فريق التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *