مساهمة في نقاش سياسي (٥)  كيف سيصوت العرب لرئاسة الحكومة؟

العنوان اعلاه هو عنوان لمقال كتبته عام ١٩٩٩ ازاء معضلة التصويت المباشر لرئاسة الحكومة حينها بين باراك ونتنياهو وهو مقال نشر في اسبوعية فصل المقال. الا ان معضلة التصويت هذه كانت ماثلة امام عيني عام ١٩٩٦ في فترة المفاوضات مع الجبهة للوصول الى اتفاق لخوض المعركة الانتخابية، وكنت ممثلا للتجمع في تلك المفاوضات. طفا للسطح موضوع دعم بيريس. عندها اقترحت على د. عزمي بشارة ان نقوم بترشيح هاشم محاميد مرشحا لرئاسة الحكومة ( المرشح الاول في القائمه)وبذلك نضرب عصفورين بحجر: أولا، نرفع قدرتنا على المساومة مقابل بيرس، وثانيا، نورط الجبهة في مشروع يوضح الفرق بينها وبين اليسار الصهيوني ويعزز الفرق بين الصهيوني وغير الصهيوني ومن شأن ذلك أن يعزز مشروعنا القومي والديموقراطي في آن واحد. لم تلق الفكرة عندها حماسا كبيرا من د. عزمي بشارة.
عدنا عام ١٩٩٩ الى معضلة رئاسة الحكومة. عندها كتبت المقال بالعنوان أعلاه. لن اعود واكرر ما جاء في المقال (ومن اسوء الامور لكاتب هو أن يقتبس نفسه)، لكن العودة الى تلك الفترة والى ذلك المقال هدفها القول ان هذا النقاش حاصل منذ فترة ومن المفيد أن نراكم خبرتنا.
في ذلك المقال عددت الاعتبارات التي تمنعنا من التصويت لباراك. لن اعيد كل الاعتبارات لكن سأركز على اعتبارين. الأول هو منطق الاستفراد: عندما نصوت لباراك كمواطنين افراد بدون توسط قوى حزبية عربية متماسكة ومسيسة وذات مرجعية واضحة، فإننا نمارس فعلا سياسيا فرديا اسرائيليا من شأنه أن يضعف وجودنا الجمعي ويحرمنا امكانيه التفاوض والضغط كجماعة لها خاصتها وروايتها، وبذلك تعزز نزعة المؤسسة للاستفراد بنا وتذريرنا. أما السبب الثاني فيكمن فيما سميته بـ الحاجز المعنوي-الوجودي. والمقصود فيه، ان هناك فرق بين المساومة السياسية التي يقوم بها الإنسان في السياسة على مواقف سياسية او حتى أيديولوجية مقارنه بتلك الحالات التي تتطلب نوعا أصعب من المساومة والمصالحة والتي تمس وترا وجوديا. في الحياة هناك مواقف: هناك يسار ويمين، اشتراكي وسوق حرة، محافظ وثوري، مع الدفاع عن البيئة مقابل من يتحمس للتصنيع الخ… لكن اضافة الى الموقف هناك موقع: هناك المستعمر والمستعمر (بفتح الميم)، هناك الرجل والمرأة، هناك اللاجئ وغير اللاجئ، هناك من هو تحت الاحتلال وهناك من يعيش في دول مستقلة. والموقع يعني اولا تجربة معينة معاشة قبل أن تكون موقفا، وأحيانا كثيرة لا يعرف عمق هذه التجربة المعينة إلا من عاشها. ومن ميزات المواقع بفرق المواقف، أن المواقع غير طوعية، نولد الى داخلها ومن الصعب جدا -لكن لا يتعذر بالمطلق- أن نخرج منها. هناك فرق بين أن تدعم حقوق اللاجئين وبين ان تكون لاجئا وبين ان تتضامن مع المرأة المعنفة وبين ان تكون ضحية هذا العنف. المواقع تصوغ هويتنا وكياننا بطريقة تختلف عن الطريقة التي تصنعنا المواقف الفكرية والسياسية، فهذه الأخيرة قابله للتغيير بطريقة لا تمس كينونتنا وذواتنا.
وعليه، فإن المواقع تفرض اخلاقياتها الخاصة، ومنها أخلاقيات الولاء (ليس الاعمى طبعا) للمجموعة، لغتها، آمالها وآلامها.
بالتالي، عندما يصوت الفلسطيني لمرشح مثل باراك (المسؤول المباشر عن اغتيال قادة وطنيين أمثال كمال عدوان وكمال نجار مثلا) فإن الحديث يجري عن ضحية تمنح صوتها لجلادها، وهذا يتطلب أكثر من مجرد حسابات سياسية او مصالحة مع مواقف سياسية من اجل انجاز سياسي عيني، انما يدور الحديث عن تخطي حاجز معنوي وجودي حقيقي. صحيح أن اليهودي غير الصهيوني الذي يصوت لباراك يقوم هو الآخر بنوع من المساومة على مواقفه، لكن هناك فرق. بهذا المعنى -كتبت حينها- فإن اليهودي غير الصهيوني يشعر حين يصوت لباراك انه يخون مواقفه المبدئية الكونية الأخلاقية، لكن الفلسطيني اضافة الى أنه يشعر أنه يخون مواقفه الأخلاقية (لأنه يصوت لجلاد) فانه يخون موقعه العيني (لأن هذا الجلاد هو جلاد شعبه). الموقع يخلق واجبا من الولاء وهذا الولاء هو واجب اخلاقي بحد ذاته، تماما مثل واجبي العيني اتجاه اطفالي، فهذا واجب عيني، واجب ولاء نحو الضحايا من ابناء شعبي، وهو واجب أخلاقي أيضا.
لا أزال اذكر، أنه على إثر هذا المقال محادثة، يشوبها العتاب، من صديقي اليهودي وشريك في الكثير من نضالاتنا المشتركة، ألا وهو آمنون (نونو) راز-كركوتسكين. ما اقلق نونو هو الحقيقة المؤلمة انه رغم اتفاقنا الفكري والسياسي والأخلاقي في الكثير من القضايا، فقد وجد أنه في قضية الموقع يبقى هناك نوع من الحاجز غير القابل للعبور، وشعر أنه في نهاية المطاف هو “هناك” وأنا “هنا”. اراد ان نكون معا في كل المواقف لكنه اضطر أن يوافق معي اننا في مواقع مختلفة، وان لي نوع من حساباتي الخاصة ومشاعري واعتباراتي الوجدانية وحتى لو اتفقنا على الموقف.
كان هذا المقال الجزء الاول من مقالين. الجزء الثاني الذي لم ينشر-سأعود لذلك- كان سيتعرض للاعتبارات العينية، والسياسية التي قد تضطرنا الى الخوض في بركة هذا الماء الآسن، بحيث نضطر الى لبس نوع من القفازات التي تؤهلنا أن نمس المركبة السياسية وجعلها تسير بالاتجاه الذي نريده دون أن تمسنا العدوى (وكي نعود الى أنفسنا سالمين). فكرتي -والتي لم تنشر لأسباب سأعود اليها- كانت إجراء برايماريز داخل الأحزاب العربية والمجتمع العربي بطريقة نتفق عليها مع لجنة المتابعة يتم من خلالها اختيار المرشح العربي لرئاسة الحكومة. هنا ايضا كان الهدف مزدوجا: اولا، استغلال المنظومة القانونية الإسرائيلية لتنظيم العرب قوميا وقطريا وصياغة وعي جماعي وممارسة جمعية توضح للجماعة خاصيتها ومميزاتها، وثانيا، تقوية الموقع التفاوضي لهذه الجماعة في نفس الوقت.
لم تحظ الفكرة لأي دعم داخل حزبي ولَم انشر المقال. وحدث ما حدث في انتخابات عام ٩٩. وترشح د. بشارة لرئاسة الحكومة، وانسحب ايام قليله قبل الانتخابات على إثر مفاوضات مع طاقم حملة باراك. لم يدع التجمع حينها مصوتيه الى دعم باراك (هذا ما اذكر لأني في هذه الفترة كنت قد جمدت نشاطي الحزبي)، لكن كان واضحا للجمهور العريض ان التجمع لا يريد ان يتهم مجددا بأنه أفشل مجددا فوز حزب العمل كما حصل مع شمعون بيرس عام ٩٦ على اثر تصريح لـ د. بشاره فهمه البعض على انه نوعا من المقاطعة (وإن كان يومين قبل الانتخابات جرى تخفيف الموقف إذا لم يكن تعديله). أضف إلى ذلك فإن التجمع تعرض حينها -اي عام ٩٩- لضغوط عربية وفلسطينية للانسحاب. عدا عن ذلك، فحتى لو لم يجر الانسحاب في الجولة الاولى وجرت على إثر ذلك جولة ثانية، فإن السؤال كان سيعود ويطرح نفسه من جديد لمن سيصوت العرب في الجولة الثانية؟؟
هذا السؤال كان ولا يزال ملحا (فيما عدا اولئك الذين قرروا مسبقا أن يقاطعوا الانتخابات). الاعتبارات متعددة والخيارات ليست بسيطة. وطبعا ما كان عام ٩٩ وعام ٩٦ يختلف عن حال اليوم. ومع ذلك هناك سؤال يطرح نفسه فيما إذا من الواجب علينا عدم اقحام أنفسنا اطلاقا في هذه اللعبة وان نلتزم مسبقا ان لا ندعم وان لا نوصي على أية مرشح في أي ظرف كان؟ إذا كان هناك موقف من هذا النوع فأنا أحب أن اسمعه بالتفصيل وعلى استعداد ان اقتنع به. (يتبع)

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *