مركز الأبحاث الفلسطيني، الذاكرة الضائعة

مقدمة..

جاءت فكرة نشر هذا الموضوع على هامش ورشة عمل نظمت في منتدى الفكر العربي في عمان 7-8/5/2005، ودعا إليها هيئة أرض فلسطين التي يديرها الباحث سلمان أبو ستة، ومركز اللاجئين والشتات الفلسطيني (شمل)، وكانت تحت عنوان “التأريخ الشفوي الفلسطيني”. شكلت هذه الورشة – ولأول مرة – فرصة للتلاقي بين معظم المؤسسات والشخصيات التي سبق لها أن عملت في مجال التوثيق بعامة، والتوثيق الشفوي بخاصة .

وخلال هذه الندوة، تحدثتُ وعلى نحوٍ مقتضب عن تجربة مركز الأبحاث الفلسطيني، التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعن تجربته التوثيقية، من خلال تجربتي كمسؤول لقسم التوثيق والمكتبة خلال الأعوام 1980-1994. وخلال هذه الفترة، جرى نهب محتويات المركز بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، حيث قامت تلك القوات، وبمساعدة خبراء إسرائيليين في التوثيق وعلم المكتبات، بنهب محتوياته بشكل منظم، ومن ثم نقلها إلى إسرائيل. وخلالها، أيضاً، وقع تفجير المركز بتاريخ 5/2/1983، ومن ثم إغلاقه بقرار رسمي لبناني. وخلال تلك الفترة، أيضاً، أعادت إسرائيل محتويات المركز إلى الجزائر، عبر عملية تبادل للأسرى الإسرائيليين. جرت محاولات عدة لإنقاذ المكتبة ومحتوياتها الوثائقية، لكنها فشلت جميعاً، ولاقت المكتبة مصيراً مأساوياً أسود فتبددت محتوياتها جميعها.

كان للرواية الموجزة حولها في ورشة العمل وقع مزلزل في نفوس الحاضرين، وبعد انتهاء الجلسة، التقيت الأستاذ سلمان أبو ستة، وكان متأثراً للغاية، وطلب مني كتابة هذه الرواية كاملة لنشرها، وأن تكون رواية للتحفيز وليس للإحباط. وعدته بمراجعة مخطوطة كنت قد أعددتها في نيقوسيا أواخر العام 1990، وترددت كثيراً بنشرها، لما فيها من مأساة مرّة، لكني أجد الآن أن ما حدث هو ملك للجميع، فالذاكرة الفلسطينية لا تعني فئة دون أخرى، وهي للجميع ومن حق الجميع أن يعرف حقيقة ما جرى، وغالباً ما تكون الحقيقة قاسية ومرّة.

رام الله – الإرسال

1/6/2005

***   ***   ***

كان يوم 5 شباط (فبراير) 1983 يوماً مملاً وهادئاً داخل أروقة مركز الأبحاث الفلسطيني، الواقع في شارع كولومياني، وهو أحد تفرعات شارع الحمراء في بيروت. مرَّت ساعات هذا اليوم متثاقلة، فالجميع يشعر بخطورة الموقف بعد إنذارات عديدة وصلت للمركز ولمديره شخصياً، ومن مصادر مختلفة، بعضها صديق والآخر معادٍ، وجميعها تجمع على أن هناك عدواناً مدبراً للمركز. كنا نطل من نوافذ المركز، فنرى أفراد سرية من الدرك اللبناني تقوم بحراستنا وتأمين سلامتنا، فنشعر بشيء من الاطمئنان، على رغم تتالي الإنذارات.

اقتربت ساعة المغادرة، ذلك أن المدير العام للمركز صبري جريس كان شديد الحرص على الالتزام بالدوام وساعاته، وهي من الثامنة صباحاً حتى الثانية ظهراً، في تمامها وكمالها. ويبدو أن من راقب المركز وخطط لتدميره واغتياله واغتيال من فيه أخذ هذه الحقيقة في عين الاعتبار، وجعل من الساعة 1.58 توقيتاً لانفجار سيارة ملغومة، حملت – وفقاً للتقارير الأمنية الرسمية اللبنانية – نحو 30 كغم من الهوكسوجين – أي ما يعادل 250 كغم من الديناميت.

عندما أزفت الساعة 1.50 دقيقة، كنت لا أزال في الطابق السادس في غرفة مجاورة لمكتبي تشغلها زميلتي درية عبد الرحمن، وهي زوجة الباحث المعروف حسين أبو النمل، وكنا نتجادل بشأن ترجمة مفردة عبرية، وهي: رعنان – أي حيوي أو نشط أو طازج-، إبان هذا النقاش، أطلت علينا زميلة أخرى، وهي حنة شاهين جريس، وقالت: من سينزل معنا، وكان باب المصعد مفتوحاً. سارعنا إلى لملمة أوراقنا لنشاركها النزول، لكن خفة دم درية، وهي مصرية الأصل، أخذت وقتاً إضافياً ما حمل حنة على النزول دوننا. لحظات عدة، أصبح الفضاء من حولنا أزرق لامعاً، ولم نسمع صوتاً على الإطلاق، وكان كل ما شاهدناه بريقاً قوياً وقطع زجاج تتطاير وجدراناً تتهاوى، ولم ندرك حقاً ما حدث. احتاج الأمر إلى بضع دقائق لنكتشف أن ما حدث انفجار، وعلينا تأمين خروجنا بعد أن أحاطت بنا النيران من كل جانب.

سارعنا لإطفاء ما يمكن إطفاؤه، لكن زميلنا المحاسب صابر حنون كان ينزف من رقبته وكأنه مذبوح بسكين حادة. كان خائفاً يرتجف، حاولت مساعدته وإنقاذه. الغريب في الأمر أن سيارات الإسعاف والإطفاء تأخرت أكثر من عشرين دقيقة، على رغم جسامة الحدث وقوة الانفجار وعدد الضحايا من المدنيين اللبنانيين والدرك والعاملين في مركز الأبحاث. على رغم قوة النيران وكثافة الدخان، نزلت الدرج من الطابق السادس حتى الثاني، لأكتشف أن لا درج، بعد ذلك قررت القفز، فقفزت وأنا أمسك بزميلي صابر، وصلت إلى الأرض فإذا بموظفيّ الاستقبال صبحي علوان وسليم عيساوي قد استشهدا على باب المركز، بعد أن لحق بهما تشويه لا يوصف. كان مدخل المركز أشبه ما يكون بساحة حرب، دماء وأشلاء وخراطيم مياه وسيارات إسعاف تنقل جثثاً محترقة. كانت زميلة لنا في الإدارة هي سعاد الحايك وسط الشارع، تصرخ صراخاً مأساوياً بعد أن فقدت قدميها، وكان ضباط الإسعاف يرون في حالتها حالة قابلة للتأجيل، نسبياً. نقلت للمستشفى لكنها فارقت الحياة فيما بعد.

على الجانب الآخر من الرصيف، كان المدير العام للمركز صبري جريس يقف متمالكاً نفسه على نحو بطولي، يعطي التعليمات السريعة، آثرت الوقوف معه، على رغم بعض الجروح في ظهري وكتفي، بفعل الزجاج المتطاير. أخبرني أن زوجته قد أصيبت، وأنها نقلت للمستشفى، ولكن سرعان ما علمنا أنها فارقت الحياة!!

أسفر الانفجار عن استشهاد ثمانية من موظفي المركز، وهم:

صبحي علوان، وسليم العيساوي، ومحمد عزام، وبهاء الدين منصور، وحنة شاهين، وصباح كردية، ومنى خطاب، وسناء عودة. كما أصيب 18 موظفاً آخر بجراح، بعضهم جراحه خطيرة. وهؤلاء هم: محمد الأعرج، وسعاد حايك، وسامية زغيب، وشادية المعتصم، وأنور الخطيب، وكامل قاسم، وفادية شعبان، وسهيل الناطور، وهلا ضيف الله، ويونس طه، ورويدة أبو عدس، وصابر حنون، وفياض أبو العردات، وسمر مكاوي، وزهية صباغ، ووفيقة صالح، ووفاء كيلاني، وعبد الله سكران. كذلك أسفر الانفجار عن استشهاد جنديين من وحدة الجيش اللبناني التي كانت تقوم بحراسة المركز، هما طوني شيت، وذياب حبقة. كما أدى الانفجار إلى استشهاد عدد آخر من الأشخاص من زوار المركز أو المارة في الشارع العام، عرف من بينهم: لينا زهير العوف، ومصطفى بيساني، ووفاء خالد، وغنوة محمد ديب، وعيد مراد جرداق، وكارول إلياس خوري. كما أصيب نحو 107 أشخاص آخرين بجراح طفيفة.

وإضافة إلى ذلك، هشم الانفجار مبنى المركز، وحطم معظم محتوياته، وأشعل النار في عدد من غرفه، كما أصيبت الأبنية المجاورة بأضرار بالغة.

لم يكن هذا الانفجار المروع أول الاعتداءات التي يتعرض لها مركز الأبحاث، فقد سبقته “مجموعة” من الاعتداءات المماثلة، وإن كانت أخف ضرراً.

ففي سنة 1969 قام بعضهم بإلقاء متفجرة على مدخل مبنى المركز من سيارة مارة على الطريق العام بسرعة، أدى انفجارها إلى تحطيم زجاج المدخل.

وفي صيف سنة 1972، أرسل مغلف ملغوم إلى المدير العام الأسبق للمركز الدكتور أنيس صايغ، فانفجر عند فتحه، وأصابه الانفجار بأضرار في يديه وعينيه وأذنه.

وفي أواخر سنة 1974، أطلقت 4 صواريخ على مبنى المركز من على ظهر سيارة كانت متوقفة في الساحة المحاذية له، فأصابت المكتبة وأدت إلى إتلاف بضع مئات من الكتب.

 

ثم توقفت الاعتداءات لبضع سنوات. يبدو أن المعتدين كانوا منهمكين خلالها في أمور أخرى، إلى أن استؤنفت السنة الماضية.

فخلال تموز (يوليو) 1982، انفجرت سيارة ملغومة قرب مبنى المركز، أدى انفجارها إلى تحطيم أبوابه ومحتوياته، وإصابة حارس بجروح.

وفي الشهر التالي آب (أغسطس)، انفجرت سيارة مماثلة أخرى أحدثت أضراراً أخف من تلك التي نجمت عن الانفجار السابق.

وفي الشهر الذي يليه أيضاً أيلول (سبتمبر)، قامت قوات الغزو الصهيوني أثناء اجتياحها بيروت الغربية بالسيطرة على مبنى المركز ونهب معظم محتوياته.

الغريب في الأمر أن الاستخبارات العسكرية اللبنانية أصدرت بياناً رسمياً اتهمت فيه العاملين في المركز بتدبير الانفجار، وتخزين الأسلحة، وأصبحنا بعد مفارقة عجائبية أبقتنا على قيد الحياة مطلوبين للأجهزة الأمنية اللبنانية.

***   ***   ***

عدتُ متثاقلاً إلى مخبئي، وأقول مخبأ، ليس مجازاً، بل حقيقة، ذلك أنه وبعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت 1982 لجأت إلى صديق جليل كان يسكن في فندق نابليون في شارع الحمراء، وهذا الصديق هو الأستاذ الجامعي الدكتور لوقا زودو، وكان لوقا شخصاً طريفاً للغاية، فهو رئيس للطائفة الأشورية، وله مؤلفات تاريخية متنوعة عن طائفته وتطورات حالها في العراق وسوريا ولبنان والمهاجر، وكان لقبه الفخري في طائفته الملك، وهو ملك غير متوج. بعد مجزرة صبرا وشاتيلا طلبت مساعدته، فتريث قليلاً ثم طلب مني مرافقته إلى منزل يقع خلف فندق “ماي فلور” في أحد تفرعات شارع الحمراء. طرق باب منزل قديم، فتحت امرأة عجوز متثاقلة، رحبت بصوت أجش بالملك، فدخلت معه. كل ما في المنزل يوحي بمجد وعز كانا أيام زمان!!

نظرت في وجه مضيفتنا، فقرأت في تقاسيمه قصصاً متضاربة، بادر لوقا المضيفة بالقول: هذا الشاب كاتب فلسطيني، ويعمل بجواركم في مركز الأبحاث، فهل تستضيفينه خلال أيام قادمة؟!

رحبت بتحفظ وهي تركز بصرها تجاهي.

تناول لوقا قهوته وسارع في الخروج، وعند وصوله للباب التفت إلىّ وقال: ها أنا في جناحي في الفندق، وكأنه يخبرني إن لم يكن هذا المكان مناسباً فارحل! فهنالك مأوى آخر.

 

جلست قليلاً بانتظار ما ستقوله المضيفة، جلست قبالتي وقالت: أنا راحيل قربان، فما اسمك. قلت: سميح سليم شبيب. سألتني: وهل لك علاقات مع جماعة جورج حبش، ولم أعرف مغزى سؤالها، أجبت بالنفي.

أشارت إليّ نحو باب الغرفة التي سأقيم فيها، وقالت الباب المقابل هو باب الحمام، وغادرت الصالون، لتعود إلى غرفتها، لم ألق أي ترحيب خلال اليومين الأولين من إقامتي، لكن الأمر تغيّر كثيراً في صبيحة اليوم الثالث. كان هذا اليوم يوم أحد، وكان مزاج العجوز على ما يبدو مزاجاً طيباً، حدثتني عن بدايات وصولها إلى بيروت قادمة من حيفا. كانت الفتاة القادمة للدراسة في كلية بيروت الجامعية فتاة فلسطينية، ديانتها يهودية، لكنها وبعد الدراسة في الكلية، وتعرفها على شباب مسيحي، تنصرت. أفرحني ما أخبرتني به، وشعرت بتقارب حقيقي معها. في حياتها غرائب وعجائب وأحداث دراماتيكية. عرفتني عبر ألبومات الصور على أخواتها وأولادها وأولاد أولادها. وبالمقابل، تحدثت بإسهاب عن عائلتي وعن زوجتي التي اشتقت إليها كثيراً، فهي بدمشق منذ ما قبل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. كان الحديث ودوداً وصادقاً، وبدا لي أن الجو قد صفا بيني وبينها، واطمأنت على الأقل بأني غير شرير، وبأن هذا الجسد الضخم قبالتها يحمل قلب طفل بريء.

***   ***   ***

عندما وقع الانفجار في مركز الأبحاث، قامت راحيل وصلّت لله ألا أكون من القتلى، وقفت على باب منزلها تنتظرني من لحظة الانفجار إلى أن تمكنت من العودة للمنزل، وكان الوقت يقارب الساعة السابعة مساءً. لا أنسى ما حييت مشهد العجوز وهي تركع لتصلي وتقبل الأرض، ثم لتقبلني ودموعها تغطي وجهها. حمداً لله، ها قد عدت، دخلت غرفتها، وخرجت وهي تحمل الكتاب المقدس، وكتبت على غلافه الداخلي العبارة التالية: “هذا الكتاب المقدس تقدمة من راحيل قربان إلى الصديق المحترم سميح شبيب، وعليه ترتكز الديانة المسيحية”. قدمته لي بيدين مرتجفتين وقالت: أوصيك أن تحافظ عليه ما زلت حياً. ولا أزال أحتفظ به حتى الآن.

***   ***   ***

كان عليّ أن أبحث عن مهرب جديد، بعد أن غدونا جميعنا العاملين في مركز الأبحاث مطلوبين للسلطات اللبنانية، وكان عليّ اللجوء ثانية للصديق الملك لوقا زودو. قام الملك بتأمين سيارة نقلتني إلى البقاع. قضيت ليلة في استضافة المناضل الفتحاوي علي أبو طوق، ومن هناك توجهت إلى دمشق. انتهت صفحة مركز الأبحاث في بيروت، وكان علينا أن نجد مقراً آخر، وكانت نيقوسيا هي المكان الأنسب، بعدما تعثرت إعادة فتحه في القاهرة. بعد ما يزيد على ثلاثة أعوام من الانفجار، أرسل لنا حزب الله شريط فيديو إلى نيقوسيا يتضمن بعض اعترافات شبكة من عملاء الإسرائيليين، وبه تفاصيل تنسيقهم بنسف المركز مع ضابط إسرائيلي يدعى ماعوز، وكان هذا الضابط يقيم في بلدة بشامون في جبل لبنان.

 

***   ***   ***

تقصدت الحديث عن مرحلة ما بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت 15/9/1982، ونهب محتويات المركز على نحوٍ كامل، ذلك أن تلك المرحلة حملت عزماً وتصميماً على الاستمرار في العمل، على رغم المخاطر الجسيمة، وللإشارة إلى نوعية العمل الذي فرضته ظروف ما بعد الاجتياح، وكان أبرزها السرية في بعض أوجه الأداء الخاص بالمقابلات وإعداد المواد للنشر، وتمحور معظم النشاط حول التاريخ الشفوي. قام باحثو المركز بإجراء مقابلات مطولة مع قادة العمل العسكري الفلسطيني، ونشر بعضها في أعداد “شؤون فلسطينية” 128، 129، 130، 133، وكان أبرزها مقابلات:

سعد صايل، وممدوح نوفل، وأبو جهاد الوزير، وأبو موسى، إضافة إلى شهادات عن معتقل أنصار، وشهادات ناجين من مجزرة صبرا وشاتيلا.

وعند وقوع مجزرة صبرا وشاتيلا، قام فريق من الباحثين بأخذ شهادات حية لبعض من تبقوا أحياء، ونشر بعضها في “شؤون فلسطينية”، كما جرت محاولات للبدء في إعادة تكوين نواة جديدة للمكتبة، على رغم الخسارة الفادحة التي مني بها المركز، خصوصاً على صعيد الشهادات الشفوية المسجلة على أشرطة، وكذلك الوثائق الأصلية، وأبرزها وثائق الهيئة العربية العليا، وحكومة عموم فلسطين، وأوراق: فوزي القاوقجي، وعوني عبد الهادي، وغيرهما الكثير. إلى جانب صحف ومجلات زمن عهد الانتداب البريطاني، تبرعت بها شخصيات وعائلات لمركز الأبحاث.

كان المدير العام للمركز د. أنس صايغ، ومنذ بدايات تأسيس مركز الأبحاث، يقوم بجولات ميدانية، شملت معظم أماكن التجمعات الفلسطينية في مصر وسوريا ولبنان، ليشرح أهمية حفظ الوثائق الفلسطينية في مركز الأبحاث، وكان مستوى الاستجابة واسعاً. وإضافة إلى جهوده في هذا المجال، كان د. صايغ يقوم بجولات تشمل المكتبات البريطانية، ومكاتب التوثيق البريطاني، خصوصاً أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية، ليجمع الوثائق الخاصة بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وقد نجح في ذلك نجاحاً عظيماً، ولعل في هذا النجاح ما يفسر تتالي الاعتداءات على المركز، وصولاً لنهب محتوياته.

***   ***   ***

النهب المنظم..

على مدى السنوات 1965-1982 التي مرَّت على تأسيسه، برز مركز الأبحاث كمؤسسة فكرية ثقافية، لعبت دوراً واسعاً في ميدان البحث العلمي الخاص بالشؤون الفلسطينية والإسرائيلية بأبعادها العربية والدولية، وقام المركز بعمل واسع لجمع كل ما يتصل بهذه المواضيع من وثائق وكتب وحفظه وتصنيفه، فأسس مكتبة وصلت موجوداتها إلى نحو 25 ألف مجلد، وقسماً للوثائق يعد واحداً من أهم أقسام الوثائق المتخصص في هذا المجال. وطيلة هذه السنوات، دأب المركز على تقديم خدمات مجانية لجمهور الباحثين والدارسين وطلاب المعاهد والجامعات المعنيين بمسائل الصراع العربي – الإسرائيلي، عرباً كانوا أم أجانب. ومن جانبه، نشر المركز أكثر من 400 كتاب ومطبوعة مختلفة، يعد معظمها مراجع ذات شأن متميز في المجالات التي تناولتها. وفي خضم إنتاجه هذا، ظلت “شؤون فلسطينية”، مجلته الشهرية المتخصصة، تصدر بانتظام منذ العام 1971 حتى 1994، هذا إضافة إلى إصدار عدد آخر من النشريات الدورية وغير الدورية المتخصصة.

وفي عمله كله، اتبع المركز أساليب البحث العلمي، وتميزت أنشطته ونشرياته بالموضوعية وبالبعد عن الغرق في المتطلبات السياسية والدعائية المباشرة، ما جعله يتبوأ مكانة خاصة.

وبالرغم من تقلبات الظروف السياسية التي رافقت تطور العلاقات الفلسطينية – اللبنانية، فقد حرص المركز على أن يحتفظ بأطيب الصلات مع المؤسسات اللبنانية المعنية، الحكومية والخاصة. كما حرص على ممارسة دوره واستمرار نشاطه في بيروت دون أي مساس بالقوانين والأنظمة المعمول بها في الجمهورية اللبنانية، فضلاً عن تعاونه المباشر مع عدد كبير من الباحثين والكتاب اللبنانيين، الذين نفذوا مشروعات للمركز أو ساهموا في كتابة مواد مجلة “شؤون فلسطينية” أو تفرغوا للعمل كلية فيه، إضافة إلى عدد من الباحثين والعاملين من دول عربية أخرى.

وكان من الطبيعي أن نجاح المركز في القيام بدوره الكبير قد أثار حقد خصوم الشعب الفلسطيني، ولهذا تكررت المحاولات التي قامت بها إسرائيل وعملاؤها لشل نشاطه ولتدميره.

وعلى الرغم من فشل محاولاتها المتكررة، لم تتخل عن هدفها في تدمير المركز أو تعطيله عن العمل. ولذلك ما إن دخلت قواتها بيروت الغربية في 15/9/1982 حتى قامت وحدة من هذه القوات بمهاجمة مبنى المركز واقتحامه، بعد أن أخلاه آخر العاملين فيه قبل وصول الإسرائيليين بنحو ساعتين، ولم يبق فيه إلا حراسه المدنيون.

وفور اقتحامها المركز، شرعت الوحدة الإسرائيلية الغازية بعملية نهب محتويات المركز، وفي الوقت نفسه قامت المخابرات الإسرائيلية أثناء وجودها في بيروت بملاحقة المسؤولين عن المركز، فاقتحمت عدداً من البيوت التي تفترض وجودهم فيها، وواصلت عملية المطاردة لحين خروج القوات الإسرائيلية من بيروت.

وإذا كانت عملية المطاردة قد فشلت، فإن عملية تخريب المركز قد نجحت في تحقيق أهدافها الإجرامية إلى حد بعيد. فعلى مدى الأسبوع الذي بقيت فيه قوات الغزو الإسرائيلي في حي رأس بيروت الذي يقع فيه مبنى المركز تولت وحدة عسكرية إسرائيلية، وبمساعدة مدنيين وخبراء توثيق إسرائيليين، نهب موجوداته، فملأت حمولة شاحنات عسكرية عدة، راحت تنقل معظم موجودات المركز في “قوافل” يومية تتجه مباشرة إلى إسرائيل.

 

ونتيجة لذلك، انتقلت إلى أيدي الغزاة الإسرائيليين مقتنيات المكتبة من الكتب العربية والعبرية والإنجليزية والفرنسية، وبضمنها مئات الكتب النادرة ومئات المراجع المهمة والمخطوطات الثمينة، وكذلك مقتنيات الأرشيف من ملفات وأشرطة ميكروفيلم وكافة التجهيزات المهمة التي يستخدمها المركز في عمله من آلات لتصوير الوثائق وتصنيفها وقراءتها ومن أجهزة تسجيل وراديو وتلفزيون وآلات طابعة وناسخة ومئات الأشرطة المسجلة كتاريخ شفوي، وأبرزها:

تسجيلات صوتية مع ضباط فلسطينيين شاركوا في أحداث أيلول 1980 في الأردن.

تسجيلات صوتية مع أعلام الثقافة الوطنية الفلسطينية، وأبرزهم: محمد عزة دروزة، وعجاج نويهض، ومصطفى مراد الدباغ، وأكرم زعيتر، وغيرهم الكثير الكثير.

كما شملت المواد المنهوبة والمنقولة إلى إسرائيل كل ما هو في حالة جيدة من أثاث المركز، بما في ذلك أجهزة الهاتف والتلكس والتجهيزات الكهربائية وطفايات الحريق والكراسي ومفروشات أرض الحجرات والأشياء الشخصية العائدة للعاملين في المركز.

وما بقي عدا ذلك مما لم يمكن نقله، أو مما لم يتوفر الوقت لنقله بسبب اضطرار قوات الغزو للانسحاب سريعاً من بيروت، فقد عبث به الغزاة فأتلفوا جزءاً منه وأحالوا الجزء الآخر إلى أكوام من الفوضى والقذارة بهدف الحيلولة دون إمكانية الاستفادة منها.

وقد جرى كل ذلك على مشهد من سكان الحي، وحتى دون أن يلجأ الغزاة الإسرائيليون إلى أي محاولة للتستر على مسؤوليتهم في هذه الجريمة بنسبها لأطراف أخرى، كما كان شأنهم حين حاولوا أن ينسبوا مسؤولية المحاولات السابقة للتعدي على المركز إلى أطراف أخرى.

***   ***   ***

انسحب الإسرائيليون مخلفين وراءهم الخراب شبه الكامل في مركز الأبحاث غير آبهين بأن ما قاموا به من تخريب لهذا الصرح من صروح الفكر والثقافة مخالف لكل الأعراف والقوانين الدولية، بما فيها قوانين الحرب ذاتها التي تمنع المساس بالمؤسسات المدنية، وتمنع خصوصاً المساس بالمؤسسات الثقافية وتجرّم من يتعرضون لها. وغني عن القول أن هذا العمل مخالف أيضاً للاتفاق بين م.ت.ف والمبعوث الأمريكي فيليب حبيب والسلطة اللبنانية الذي تم التوصل إليه بشأن فك الحصار عن بيروت وخروج المقاتلين الفلسطينيين منها، وللضمانات التي قدمتها دول عظمى، بينها الولايات المتحدة الأمريكية، لضمان تطبيق هذا الاتفاق.

ما إن انسحب الإسرائيليون من بيروت، حتى عاد من تبقى من العاملين في المركز للتلاقي مجدداً، وكان رأي الجميع: لنبدأ من جديد، كان النشاط عارماً عند الجميع، وكان الوقوف، ثانية، بمثابة التحدي الوطني.

 

بذل فيصل حوراني، مدير تحرير شؤون فلسطينية، جهوداً استثنائية على رغم خطورة الوضع، لإصدار المجلة في موعدها، وكذلك فعل أحمد شاهين، وهو كاتب وصحافي ومعارض سوري وجد في م.ت.ف بيته المعنوي، وكان مشرفاً على نشرة رصد إذاعة إسرائيل.

كان الجميع يعملون كخلية نحل استثنائية، وكان الهم الوطني هو الهم الطاغي، وما صدر من أعداد “شؤون فلسطينية” في الفترة الواقعة ما بين نهب محتويات المركز، وتاريخ نسفه 5/2/1983 كان بمثابة بيان أكاديمي ذي طابع كفاحي ووطني من الطراز الأول.

تمكن المركز من إصدار ثلاثة أعداد من “شؤون فلسطينية” في بيروت، وهي الأعداد: 128-129- (130-133). لكن شعور العاملين في المركز، وعلى رغم الحماس والالتزام الواضح، كان أن ثمة عدواناً قادماً على المركز والعاملين فيه، لا محالة، إلى أن وقع الانفجار المروع ظهر يوم 5/2/1983، وأضحى جميع العاملين فيه عرضة للاعتقال والتحقيق. وفي غضون أيام، تم القبض على المدير العام للمركز صبري جريس، وتم التحقيق معه، كما تم اعتقال مدير تحرير “شؤون فلسطينية” فيصل حوراني، وتم إبعاده إلى دمشق، كما اعتقل أحمد شاهين، وهو معارض سوري، وتم إبعاده إلى قبرص، فيما اضطررت للهرب متسللاً عبر بيروت الشرقية إلى البقاع. انتهت صفحة المركز في بيروت بعدما ملأت الدنيا وشغلت الناس.

ما بعد بيروت وما قبلها…

وصلت إلى دمشق صباح يوم 13 آذار 1983. كنت في وضع بائس ومن الأوجه كافة. تركت خلفي مشروعاً كنت آمل له كل تقدم ونجاح. كما تركت ذكريات بيروت التي لا تمحى من الذاكرة والوجدان ما حييت، وهي ذكريات تمتد إلى بداية السبعينيات، حيث بدأت حياتي الكفاحية في بيروت في مخيم برج البراجنة، بعدما كلفني الفصيل الذي أنتمي إليه بقيادة منطقة برج البراجنة. بدأت حياتي هذه بعدما تقدمت باستقالتي من سلك التعليم في الجمهورية العربية السورية، وآثرت التفرغ للحياة التنظيمية.

تركت أوراقي كاملة بدمشق، في منزلي بمخيم اليرموك، ولكني قررت، خلافاً لما هو سائد، الاحتفاظ باسمي الحقيقي، وعدم استخدام أي اسم حركي، الأمر الذي خلق أكثر من ذي مرة تشويشاً في أجهزة الأمن، حتى أن رفيقاً لنا، وكان اسمه الحركي جارو، اعتقل عند أحد الأجهزة الأمنية العربية، وجرى تعذيبه بشدة، كي يعترف باسمي الحقيقي، استغربت ذلك عندما أخبرني بتلك الرواية، لكن استغرابي زال، عندما أخبرتني والدتي، بعد أكثر من خمسة عشر عاماً، عن هذه الحادثة أن مفرزة من رجال الاستخبارات حاصرت بيتنا في مخيم اليرموك في التاريخ ذاته الذي تم فيه اعتقال جارو، وعندما سألوا عني، أخبرتهم والدتي (خوفاً عليّ) أني في المنزل، وطلبت من أخي حمل بطاقة هويتي، والمثول أمام المفرزة، الأمر الذي جعل فرع الاستخبارات يعتقد أن الشخص الذي يحمل اسمي في بيروت، ويعمل مديراً لتحرير مجلة “الصمود”، الناطقة بلسان جبهة الرفض، هو شخص حركي يحمل اسماً منتحلاً، وكان جارو ضحية ذلك.

لم أتمكن من معايشة الحياة التنظيمية وتشابكاتها ومؤامراتها وصراعاتها، وقررت – على الرغم من حجم التضحية التي بذلتها عند اتخاذي قرار التفرغ – أن أكون مشاهداً نشطاً، دون أن أنخرط في الصراعات الداخلية. التحقت في الجامعة اليسوعية في بيروت، وكان وصولي إليها خطراً للغاية. كنت أحمل هوية مزورة لإحدى الدول العربية، كي أتمكن من الوصول للحرم الجامعي، درست الدبلوم العام، ومن ثم الدبلوم الخاص، وبعد النجاح بمعدل مرتفع، سجلت بحثاً كان بعنوان: “حزب الاستقلال العربي في فلسطين”، وبإشراف د. مسعود ضاهر. جذبني هذا البحث كثيراً، وكنت يومياً أعمل أكثر من عشر ساعات في جمع مواده والاطلاع على وثائقه. قمت بمقابلات مطولة مع قادة الحزب الأحياء، وكان منهم: عجاج نويهض، ومحمد عزة دروزة، وأكرم زعيتر، وتحولت العلاقة مع زعيتر من علاقة طالب جامعي مع مؤرخ وقائد وطني سابق إلى علاقة شخصية حميمة – يومية، استمرت وتواصلت حتى نهاية مركز الأبحاث في بيروت 1983. وبقيت تلك العلاقة متقطعة، عبر اتصالات هاتفية، وزيارات منزلية في عمان، كلما أتيحت لي فرصة زيارتها حتى وفاته رحمه الله.

قرر مركز الأبحاث نشر رسالتي الجامعية بعد مناقشتها، وكان النقاش في إحدى قاعات الجامعة اليسوعية في صيدا، حيث أوصت اللجنة الأكاديمية بنشر الرسالة. نشر المركز الرسالة بكتاب، وكان ذلك في العام 1981، أي بعد سنتين من مناقشتها، وكتب أكرم زعيتر مقدمة هذا الكتاب، وجاء فيها: “وأجيء إلى هذا الكتاب فأشهد، بادئ الرأي، أن مؤلفه السيد سميح شبيب قد اندمج وهو يعده في جو الحركة الاستقلالية كأنه عاصرها واشترك فيها، وأحسب أن المؤلف قد حقق بكتابه هذا هدفاً قومياً، وأرجو ألا أغالي في أملي أن يكون لنا من السيد سميح شبيب مؤرخ قدير لقضيتنا في مختلف مراحلها، وهو كما بدا لي قدير على استخدام الأدوات المتوافرة لديه لينشئ منها رسالة قومية خيرة نيرة”.

سررت لما ورد في المقدمة، لكني شعرت في الوقت ذاته بثقل المسؤولية التي حملني إياها صديقي العجوز، وتساءلت: هل سأقدر على الإيفاء بجزء مما توقعه زعيتر؟ حاولت بكل ما أوتيت من قوة، لكن الظروف الصعبة كانت تقف أمامي، أحاول تجاوزها، لكن ضياع المركز ومحتوياته شكل ضربة في العمود الفقري، يستحيل نكران آثارها المدمرة.

دخلت مسابقة لانتقاء رئيس لقسم الأرشيف والوثائق في مركز الأبحاث، وفزت في الوظيفة، وانخرطت في العمل الأكاديمي منذ شباط 1981، ولم أغادر المركز إلا في العام 1994 عندما قررت المنظمة نقل مؤسساتها وأجهزتها إلى مناطق السلطة الفلسطينية في العام 1994.

***   ***   ***

 

ما إن وصلت إلى دمشق، حتى كانت الصراعات داخل “فتح” قد وصلت إلى درجة الذروة، استشعرت مخاطر ذلك وما سيحمله من انعكاسات داخل م.ت.ف ومؤسساتها كافة. أدركت أن ما سيقوم به المنتفضون سيحمل دماراً هائلاً لهم ولـ “فتح” ولـ “م.ت.ف” على حد سواء، وقررت مغادرة دمشق بأسرع وقت ممكن. حاولت لقاء القائد العام ياسر عرفات، الذي أحتاج إلى قراره وتوقيعه، كان لقاؤه يحتاج إلى وقت وجهود وترتيبات كثيرة. لجأت إلى صديق قديم، وهو الأخ رؤوف، ورؤوف هذا كان أحد مصوري عرفات، وهو مصري الجنسية وله حظوته عند عرفات. ما إن فاتحته بموضوع اللقاء مع عرفات، حتى وعدني بذلك في صبيحة اليوم التالي، وفي مقر 23 بدمشق.

كان ترتيبي الثاني في جدول اللقاءات، دخلت غرفة عرفات، وأوجزت كلامي بالتالي: اضطررت بعد انفجار المركز للمجيء إلى دمشق، ولا أرى إمكانية للبقاء هنا طويلاً. قاطعني قائلاً: سميح الحمد لله على السلامة، واستل ورقة صغيرة من جانب مكتبه وكتب عليها: الأخ أبو فادي، يحول الأخ سميح شبيب إلى ملاك التخطيط وقتياً. حييته وخرجت وأنا أقلب بهذه الورقة السمراء، فإذا بها تتحول إلى تذاكر طيران إلى تونس، وبرقية إلى السفارة الفلسطينية هناك لاستقبالي في مطار قرطاج الدولي. سافرت عبر مطار دمشق الدولي، على متن الطائرة التونسية، وكان إلى جانبي الصديق حسن عصفور، الذي غادر لأسباب مشابهة لأسبابي. ووصلت المطار وكان في استقبالي مندوب عن مكتب الرئيس، حيث حملني إلى نزل سوليمار. صحوت في يومي الأول في تونس على صوت زقزقة مئات العصافير، كان إشراق الشمس شديد البياض والبريق، وعند الإفطار تلاقيت بعشرات الأصدقاء القدامى الذين عملنا معاً في بيروت، وإبان الحصار الإسرائيلي. على مقربة من نزل سوليمار، كان فندق سلوى، كانت منظمة التحرير الفلسطينية بدءاً من رئيسها وأبرز قادتها وكوادرها تسكن في هذا الفندق، يا للعجب كيف تحولت المنظمة إلى فندق. وحول هذا الفندق كانت تنتشر سيارات مدرعة تونسية كتب عليها: قوات مكافحة الشغب.

كان كل من في الفندق يتابع باهتمام بالغ أخبار التمرد داخل “فتح”، وكذلك التصريحات الرسمية التي يدلي بها القائد العام، وكم كانت الدهشة كبيرة عندما أذاع التلفزيون التونسي خبراً مستعجلاً نص على بيان سوري مقتضب يتضمن طرد عرفات من الأراضي السورية. وصل الرئيس إلى تونس، وعند وصوله إلى بهو الفندق، سارعت ابنتي بيان نحوه وقالت: طردوك بابا عرفات من الشام. حملها بحنوٍ شديد وقبّلها، كان عرفات عند وصوله منهكاً، ولم يرد مقابلة أحد.

كان منير شفيق – أبو فادي، المدير العام لمركز التخطيط، منهكاً ومحبطاً، وكان لقائي الأول به في تونس في مكتبه، وكان الرجل متمدداً على ظهره. اعتذر عن طبيعة هذه المقابلة، ذلك أنه يعاني من مرض الديسك في ظهره. لم يطلب مني عملاً محدداً، وكل ما طلبه مني العمل على استئجار منزل، وتأمين فرش متواضع.

 

أخذت مع مرور الأيام التعرف على أفكار منير شفيق الإسلامية الجديدة، وعلاقاته مع المفكرين الإسلاميين، وكان أبرزهم في تونس راشد الفنوشي. يتمتع منير شفيق بصفاء الذهن، ووضوح الفكرة، وشفافية اللغة ودقتها. آمن بالإسلام وقوته السياسية عن قناعة فكرية صافية، بعد أن سبق له أن آمن وفقاً لقناعاته بالشيوعية، ومن ثم بالشيوعية الماوية، لم أرَ في حياتي رجلاً منسجماً مع فكره وقناعاته مثل منير شفيق، فهو واضح وضوح الشمس، لا يحاول المخاتلة والخداع، ولديه الاستعداد الدائم للتضحية في سبيل قناعاته وأفكاره. في أحد اللقاءات الصباحية معه، اقترحت عليه مداعباً إصدار كتاب بعنوان: “أبرز مقالات منير شفيق”، نظر إليّ قائلاً: وأنا لا أنكر أياً منها. ضحك الحضور، لإدراكهم أن كتاباً كهذا سيتضمن مقالات شيوعية وأخرى ماوية، وأخرى قومية – اشتراكية، وأخيراً مقالات إسلامية!!!

كان لأبي فادي آراؤه فيما يتعلق بأداء م.ت.ف، وله ملاحظاته القيمة في الفكر السياسي الفلسطيني، وكان من الطبيعي، ومن خلال تلك الآراء، أن الرجل يتجه ويقترب من فكر حركتي حماس والجهاد، وأن ابتعاده عن خط المنظمة وأفكارها واجتهاداتها، خصوصاً فيما يتعلق بالتسوية السياسية، سيخرجه آجلاً أم عاجلاً من إطار المنظمة، وهذا ما حدث فعلاً، فيما بعد.

***   ***   ***

خلال الفترة التونسية البهية، التي قضيتها في ربوع ضاحية الزهراء، واستمرت زهاء سنتين متصلتين، كانت فرصة نادرة لمراجعة ما جرى خلال الأعوام 1970-1983. اكتشفت أن كماً هائلاً وثميناً من الذكريات والأحداث مرت بسرعة كشريط غير عادي، خلال تلك الفترة، وكنت وصديقي حسن خضر نقوم على نحوٍ شبه يومي بنشاطات رياضية، تتبعها أحاديث حول فترة بيروت. وخلال هذه الفترة كنت ألتقي المدير العام لمركز الأبحاث صبري جريس في الربوع التونسية، وكم كانت الفرحة عارمة عندما اخبرنا أنا والصديق وليد الخزندار أن عرفات قرر إعادة فتح مركز الأبحاث في القاهرة، ومن أجل ذلك تم شراء مبنى خاص في مصر الجديدة، سيتم تقسيمه وفقاً لاحتياجات المركز. فتح جريس حقيبته، وأخرج ملفات مخططات هندسية لطوابق المبنى الثمانية، وبدأنا فعلاً نخطط لتقسيم دائرة التوثيق. وبعد شراء المبنى، بدأت عملية الاتفاق التفصيلي مع الحكومة المصرية لإعادة افتتاح المركز، وكانت هناك تفاصيل متشعبة ومعقدة، منها ما هو إداري ومنها ما هو أمني أيضاً. طلب جريس مني صورة الجواز الذي أحمله، وأوراقاً أخرى، لتقديمها للسلطات المصرية، وبعدما اقتربت ساعة الاستعداد للسفر إلى القاهرة سافرت إلى نيقوسيا، استعداداً للسفر، ونزلت هناك في فندق وادع هو فندق آستي، في ضاحية أيوس ديمتيوس كان النزول لأيام، لكن تلك الأيام طالت، وبدأنا نسمع عن تعثر افتتاح المركز، وبالتالي توجب عليّ أن أستأجر منزلاً، وأن أصبح مقيماً تمتد إقامته من شباط 1985 وحتى أيلول 1993.

تبادل الأسرى واستعادة مكتبة المركز!!

 

استجابت إسرائيل لمطالب م.ت.ف الخاصة بعملية تبادل الأسرى، بواسطة  الصليب الأحمر، وكانت محتويات مركز  الأبحاث مطلباً رئيسياً من المطالب الفلسطينية. جرت عملية التبادل في مدينة الجزائر، يوم 23/11/1983، وسبق تلك العملية رسالة وجهها السفير الفلسطيني لإدارة مركز الأبحاث في نيقوسيا، يؤكد خلالها ضرورة وجود مندوب عن المركز، ليقوم بعملية التسلم، والتأكد من المحتويات. لم يرسل المركز مندوباً عنه للتسلم، ولم يكن لدى المركز قائمة بالمحتويات، ذلك أن هكذا قوائم كانت هي الأخرى من المحتويات المنهوبة. وصل إلى مدينة الجزائر زهاء مائة وثلاثة عشر صندوقاً خشبياً، تحوي محتويات المركز، وكانت تلك الصناديق الخشبية بحاجة إلى من يفتحها، ويتأكد من سلامتها ومن كمالها أو نقصانها، لكن ذلك لم يحدث. انتظر ممثلو الصليب الأحمر طويلاً، وأخيراً أخبروا مكتب المنظمة أنهم مضطرون للسفر بعد أربعة عشر يوماً من بقائهم في مدينة الجزائر، بانتظار تسليم مكتبة المركز ووثائقه، واضطر أخيراً مكتب المنظمة الاستجابة لرغبة الصليب الأحمر، وقام بتسلم المحتويات، بعد التوصل إلى صيغة ترضية، فقام منذر الدجاني، السفير الفلسطيني، بتسلم الصناديق دون ذكر محتوياتها، ووضعت هذه الصناديق في أحد المعسكرات الجزائرية على مقربة من العاصمة الجزائرية، وهو معسكر الخروبة، ومن ثم تم نقلها إلى معسكر تيبسة، حيث تقيم وحدات من جيش التحرير الفلسطيني.

تسربت الأخبار حول ما حدث في الجزائر، ووجدت المعارضة الفلسطينية، خصوصاً المعارضة في “فتح”، ما جرى تدميراً للذاكرة الفلسطينية، وإهداراً للتوثيق الفلسطيني الجاد، عبر سنوات طويلة 1965-1982، وبالتالي تم توظيف ذلك في الصراع السياسي– التنظيمي الدائر، فعقدت المعارضة اجتماعاً صاخباً لها بدمشق، في مقر اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين، وترأسه الكاتب ناجي علوش، أمين عام اتحاد الكتاب والصحافيين سابقاً، معتبراً أن ما حدث في الجزائر هو عملية مقصودة، بل مؤامرة تستهدف “إلغاء الذاكرة الفلسطينية”. كان واضحاً من خلال المداخلات والبيان الصادر عن هذا الاجتماع أن منظميه يحاولون استخدام مكتبة المركز ووثائقه كورقة من أوراق الصراع ضد قيادة عرفات، بخاصة وهي القيادة التي طالبوا بإسقاطها نهجاً ورمزاً، على حد سواء.

وأعقبت هذا الاجتماع مقالات عدة نشرت هنا وهناك، حتى أن بعضها أكد أن المكتبة قد أتلفت من جراء الشتاء.

عبر تلك الأجواء، أرسل ياسر عرفات رسالة مستعجلة للمدير العام للمركز، يحثه فيها على ضرورة التحرك للاطلاع على المكتبة وتسلمها من مكتب المنظمة في الجزائر.

سافرت برفقة صبري جريس إلى الجزائر مطلع شهر آذار 1986، بوصفي مسؤولاً عن قسم التوثيق، بعدما أرسلنا فاكساً للسفير منذر الدجاني (أبو العز) نخبره فيه بتاريخ وصولنا إلى مطار الجزائر، ولكن مع ذلك، وبعد أن وصلنا إلى المطار، لم نجد أحداً من السفارة في استقبالنا، ولم تكن لنا برقية للدخول، وهكذا جلسنا في المطار زهاء أربع ساعات، ونحن نتصل هنا وهناك، وضابط المطار يؤكد لنا أن السفارة لم تخبر السلطات المعنية بوصولنا. بعد طول عناء، وافق الضابط المختص في المطار على دخولنا لمدة أربع وعشرين ساعة، لترتيب أمر التنسيق والدخول، وصلنا أولاً إلى السفارة، فلم نجد فيها مسؤولاً يفيدنا بشأن حجز الفندق، والجزائر، لمن لا يعرف، من الصعب أن تجد حجزاً بنفسك، ودون تنسيق مسبق مع جهات رسمية أو شبه رسمية. بدأنا نبحث عن فندق لنأوي إليه، وكانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلاً، ولم نجد، كان جهدنا عبثاً في هذا الاتجاه.

اقترحت على جريس أن نذهب إلى خارج مدينة الجزائر، وتحديداً إلى ضاحية سيدي فرج، حيث مجموعة فنادق كبيرة، ومنها فندق المنار، وصلنا إلى هناك، وتمكنا من حجز غرفتين. قضينا ليلتنا الأولى على شاطئ خليج سيدي فرج، وقمنا بالاتصال بالسفير في منزله، كان رده بارداً للغاية، ووعد بلقائنا الساعة الحادية عشرة صباحاً في السفارة. وصل السفير ومعه بعض أركان سفارته، وبدأ حديثاً بعتاب مرّ، متسائلاً عن سبب عدم الحضور لتسلم محتويات المكتبة، وسرد لنا حيثيات حالة الارتباك التي أصابته جراء ذلك. فهنالك مندوب عن الصليب الأحمر الدولي، ومندوب عن الأرشيف الدولي، كانا ينتظران مجيء مدير المركز لتسلم الكتب والوثائق وفق الأصول، لكن ذلك لم يحصل مطلقاً، ما حمله في نهاية الأمر إلى تسلم الصناديق، كصناديق وكوزن، دون أن يحمل نفسه مسؤولية التوقيع على محتويات لا يعرف عنها شيئاً. وكان المفترض أن يكون هناك ممثلون عن المركز، وكان من المفترض أن تكون هناك قائمة محتويات، لكن ذلك لم يحدث، وهكذا تم تسلم المكتبة من قبل السكرتير الأول في السفارة عيسى عبد الحفيظ، والأميرة دينا عبد الحميد، ذلك أن السفير كان في مهمة في تيبسة.

وتحدث السفير عن أن أمطاراً سقطت على الصناديق، وأن المعسكر الجزائري في العاصمة قد نقل، وبالتالي تم نقل المكتبة إلى تيبسة في قلب الصحراء الجزائرية، في معسكر تشغله القوات الفلسطينية.

وبعد أخذ ورد، وكان موقفنا، صبري وأنا، ضعيفاً، بل وفي غاية الضعف، ولا يمكن الدفاع عنه، طلبنا من السفير تسهيل مهامنا للاطلاع على ما تبقى من المكتبة، وإمكانات شحنها إلى قبرص. اتفقنا على ذلك، على أن أقوم في اليوم التالي بالسفر إلى تيبسة، والاطلاع على محتويات المكتبة أولاً.

سافرت جواً إلى تيبسة، وكنت في غاية الشوق للالتقاء برفاق وإخوة فرقنا عنهم الرحيل عن بيروت وما حدث معنا من أهوال. وصلت إلى المعسكر ظهراً، لتحمل لي كل لحظة مفاجأة دراماتيكية، تبدأ من لحظة الركوب في البواخر، وصولاً لتبدلات الحياة، وهل يمكن لمن عاش في بيروت طويلاً أن يتلاءم مع حياة صحراوية قاحلة!

بعد أحاديث ودية لا تخلو من المفارقات، وبعد غداء دسم، سألت قائد المعسكر زياد الأطرش عن مكتبة مركز الأبحاث، وكم كانت دهشتي كبيرة عندما استغرب الحضور السؤال، وأكدوا أنهم لا يعرفون عن هذا الأمر شيئاً.

 

لم أتمكن من استيعاب ما سمعته، وكأن شيئاً أسقط من يدي، قلت مستهجناً: غير معقول، غير معقول البتة. تساءل الحضور وجميعهم من قادة المعسكر: ولم كل هذا الاستهجان.؟! اتصلت بمكتب السفارة على عجل، كمن مسه نار، هدأ من حدثني من روعي قائلاً: دقائق ونعاود الاتصال بك، سنتصل فوراً مع قائد المنطقة الجزائري. وبعد أقل من ثلاث دقائق رن جرس الهاتف، وأخبرني من حدثني أن ضابطاً جزائرياً سيصل إلى إدارة المعسكر ليلتقي بي.

عند وصوله إلى إدارة المعسكر، كان الملازم أول عيسى متحفزاً للقائي، فرحاً بما علم به بأن شخصاً قد وصل لتسلم المكتبة. كانت المكتبة بعهدته في أحد المعسكرات الجزائرية في تيبسة. شربنا القهوة وانطلقنا عصر هذا اليوم تجاه المعسكر الجزائري المتاخم للمعسكر الذي يقيم فيه الفلسطينيون. دخلنا مهجعاً كبيراً، وفي صدره كان حاجز حديدي، له باب وقفل، وخلف ذلك توجد خيام تغطي صناديق خشبية كبيرة، بيضاء اللون، وبمقاس واحد تماماً، أشار إلى هذا الكوم الكبير وقال: هذا هو الأرشيف الفلسطيني، منذ أكثر من عامين وأنا أرعاه وأتفقده يومياً، وأخاف عليه من القوارض وغيرها، الحمد لله بقي على حاله منذ تسلمه، إنه أمانة كبيرة، نصركم الله وأعادكم إلى دياركم. كاد قلبي يقفز من صدري، وطلبت منه الدخول لتفقد الصناديق. طلب من إذنا خاصاً مني الاستخبارات العسكرية، هذه هي التعليمات. أقفلنا عائدين لإدارة المعسكر الفلسطيني، وبدأ الغروب الخلاب يرتسم على محيا هذه البلدة الصحراوية الوادعة.. تيبسة. اتصلت برفيق رحلتي صبري جريس، وأخبرته عما حدث، طرح سيلاً من الأسئلة حول الصناديق، عددها، حالها، مقاسها، وكان ذلك مرهوناً بتأمين الموافقة الجزائرية الرسمية للاطلاع على الصناديق. قام جريس باتصالاته مع السفارة، وعند الساعة الحادية عشرة ليلاً أُبلغت من السفارة أن الموافقة أصبحت جاهزة، وأن الملازم عيسى سيرافقني غداً للقيام بهذه المهمة.

***   ***   ***

قضيت ليلة ليلاء، لم يتسنَّ لي النوم بها سوى بضع ساعات، كان رفاق الأمس بأمس الحاجة لمن يحدثونه عن همومهم، بل وعن شبه ضياعهم في متاهات تلك الصحراء الشاسعة.

الجميع حدثني عن طيبة السكان المحليين ونقائهم، وتعاطفهم غير المحدود مع القضية الفلسطينية، لكن جل الهموم كانت تتمحور في الجانب الاجتماعي: مدارس الأولاد، فراق الزوجة في بيروت وسوريا، ما خلفته مجازر صبرا وشاتيلا من جروح وقروح في النفس الفلسطينية، وبدوري حدثتهم مطولاً عن أجواء تلك المجزرة، وعن الانفجار المروع الذي تعرضنا له في 5/2/1983، وكيف تمكنت من الفرار والتخفي والوصول إلى دمشق.

أصبح الصباح، وللصحراء إشراقتها البهية النشطة، عند الساعة الخامسة صباحاً تعتقد أن الساعة قاربت الثانية عشرة ظهراً، ما أجمل هذا الصباح وأنشطه. تناولت الإفطار في المطعم الجماعي للمعسكر، كان الجميع نشطاً، رغم طول السهر، وعندما أزفت الساعة التاسعة، كان الملازم أول عيسى، بطلعته البهية، وابتسامته المشرقة، يطل من النافذة، وينادي: هيا.. هيا، سارعت لركوب الجيب العسكري، وسرعان ما وصلنا إلى مكان المكتبة. كان الملازم عيسى قد هيأ الأمور، ومنها تجهيز آلية صغيرة قادرة على حمل صندوق وإبعاده ووضعه حيث تريد، إضافة إلى عنصرين لفتح الصناديق وإعادة إغلاقها. بدأنا العمل فور وصولنا، طلبت نقل عشرة صناديق لاعلى التعيين، وبدأنا بفتح أولها، كانت المفاجأة كبيرة، ذلك أن هذا الصندوق، وفيه كتب رُتبت بإتقان كان قد صمم بحيث لا يدخله ماء ولا يتأثر بعوامل الجو المحيطة. فهناك على جدرانه مادة الزفت السوداء والفلين ورقائق القصدير. تأكدت من محتوياته وكانت كلها سليمة. وهكذا كانت الأمور مع الصناديق العشرة الأولى.

بدأت انتقاء صناديق أخرى، واحد من الأسفل، وآخر من الأعلى، وآخر من أقصى اليمين وآخر من أقصى اليسار، وآخر الوسط، وكانت النتيجة واحدة. عثرت في بعض الصناديق على كتب، وأخرى على مجلدات الصحف الفلسطينية التي دأبنا على الاحتفاظ بها، وفي صناديق أخرى وثائق وأفلام وتسجيلات.

لم أصدق ما رأيت. كانت الدعايات والتحريضات قد خلقت مناخاً مفاده، أن المكتبة تالفة، وأن عملية إنقاذ لا بد منها، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. كان التناقض صارخاً بين ما سبق وأن سمعناه والواقع. لم أجد أمامي سوى الملازم عيسى لأسأله: هل شاهدت ما شاهدته؟ لم يفهم سؤالي، وقال: ما الذي تعنيه. قلت: إن ما شاهدناه يفيد أن المكتبة سليمة. وقال مندهشاً: ولم لا تكون سليمة، إنها في عهدتنا، ونحن نحافظ عليها بعيوننا؟

عدت إلى المعسكر الفلسطيني متثاقلاً واجماً. سألني الملازم عيسى: ما حلَّ بك؟ ولماذا اكتأبت؟ قلت له: أخشى ألا يصدقني أحد، فما سمعناه بالجزائر العاصمة، يختلف يا سيادة الملازم عما وجدته هنا. ضحك وقال: توكل على الله يا راجل…

شعر الجميع من حولي، عند الغداء، أني مكتئب أشد الاكتئاب، حدثتهم عما جرى، وفرحوا بما سمعوه، وقالوا بلسان واحد: الحمد لله.. الحمد لله.

قررت إخبار جريس بما حدث عند المساء، بعد أن تمكنت من أخذ قسطٍ من الراحة مكنني من بلورة ما سأتحدث به. غفوت بعمق ولمدة ساعات، وعندما صحوت كان غروب تيبسة يلوح، ما أجمل الشمس! تناولت قهوتي، وجلست ما بين “البركسات” والخيام، كان الجميع يقوم برش النباتات. بعضهم زرع نباتات تذكرة بالشرق، ومنها “الملوخية”. عدت إلى إدارة المعسكر، رفعت سماعة الهاتف وتحدثت مع صبري جريس، قلت له: ذهبنا صباح هذا اليوم إلى مكان المكتبة، وقمت بفتح نحو عشرين صندوقاً، جميع الصناديق التي فتحتها سليمة، من الصعب فتح المائة وثلاثة عشر صندوقاً، لكن العشرين صندوقاً قمت بانتقائها لا على التعيين. ووصفت له الصناديق من الداخل، وبعد حديث استغرق زهاء ثلث الساعة، اعتقدت أن جريس قد غادر الهاتف، ناديته: آلو.. آلو، فأجاب: نعم.. نعم، ما هذا الذي تتحدث به؟ قلت: الحقيقة يا صبري، كل ما سمعناه سابقاً كان زيفاً بزيف، المكتبة سليمة يا صبري، قلتها بصوت أجش، بعد أن دهمتني الدموع. صمت برهة وقال: انتظر مني مكالمة هذه الليلة، الله يعطيك العافية، الله يعطيك العافية.

 

***   ***   ***

عدت إلى محفل النميمة الذي انتصب منذ اللحظات الأولى لوصولي إلى أرض المعسكر. قضينا ليلة ممتعة، افتتحها صديق قديم، بقوله مستهجناً: ما هذا البطيء في العمل؟ لم نصل بعد إلى حرف الباء، ذلك أن النميمة تحتاج إلى ترتيب الأسماء بدءاً من أ.ب.ج.د.هـ… وانتهاءً بحرف الياء.

طال الحديث، وكان في مجموعه لمعرفة أين حل فلان، وما هي أخبار علنتان، وما هو مستقبل الانتفاضة داخل “فتح”. كان الجميع مرتاباً من مستقبلها، بل وخائفاً على قياداتها جراء تحالفاتهم العربية.

أصبح صباح اليوم الثالث ولم أتلق مكالمة من جريس، وفي الصباح اتصل بي طالباً سفري إلى مدينة عنابة الساحلية، لدراسة إمكانية شحن المكتبة من هناك. قررت السفر، وودعت الأصدقاء والأحبة، واعداً بعودة قريبة، لكن ذلك لم يحدث مطلقاً.

***   ***   ***

سافرت إلى عنابة براً، ومررت عبر محافظة هراس ودهشت من جمالية المشهد، وخصوبة الأراضي، ووفرة المياه، وتساءلت بيني وبين نفسي عن سبب نقص المواد الغذائية في العاصمة؟

وصلت عنابة فإذا بها شبيهة إلى حد بعيد بجغرافية بيروت، الجبل ينتصب شامخاً، ومنحدراً بشدة تجاه البحر. وصلت عنابة بعد الظهر، جلتُ فيها قليلاً، واتصلت مع القائم بالأعمال الفلسطيني هناك، كان هذا القائم قد تآلف مع البيئة الجزائرية في عنابة، واكتشفت مدى ضحالة معلوماته السياسية، حتى فيما يتعلق بمنظمة التحرير ذاتها. لم يكن اللقاء معه ممتعاً، ولم يكن هناك ما هو مشترك بيني وبينه.

كان الرجل متوجساً، ومتحفظاً، يدلي ببعض المعلومات بالقطارة، ويتجنب ذكر الأسماء والأرقام والحقائق المحددة، وكأننا في صراع وتنازعٍ للمعلومات. في صباح اليوم التالي نزلت الميناء، وطلبت مقابلة المسؤول عنه. التقيته فإذا به رجلاً كسولاً لا يقوى حتى على الكلام. سألته عن إمكانية شحن كتب عبر الميناء إلى لارنكا قبرص. نظر إليّ نظرة متعبة وقال: يا ولدي، الشحن الدولي من الجزائر العاصمة، فقط.

وأشاح بوجهه عني، كأنه يطلب مغادرتي. غادرت وأخبرت صبري جريس بما جرى. طلب مني العودة فوراً إلى مدينة الجزائر.

 

غادرت عنابة جواً إلى الجزائر العاصمة، ومن هناك توجهت إلى حيث يقيم جريس في سيدي فرج حيث فندق المنار. كان اللقاء حاراً وصادقاً فيما بيننا، وكأننا افترقنا طويلاً. تناولنا الغداء على مطعم مطل على البحر، وتحادثنا في التفاصيل. تنهد جريس بعمق وقال: السفارة لا تتعاون معنا يا سميح، ومع ذلك، سنحاول حتى النهاية. في صباح اليوم التالي، أخبرني جريس عن عزمه السفر إلى قبرص، على أن أتابع أمور الشحن، وطلبت منه الالتقاء مع السفير الفلسطيني، لوضع بعض النقاط والأسس موضع التنفيذ قبل سفره، وهذا ما كان. التقينا ظهر اليوم ذاته مع السفير في مقر السفارة، وأخبره جريس عن سفري إلى عنابة دون جدوى، وأن الأمور تحتاج إلى تنسيق مع السلطات الجزائرية لتسهيل نقل المكتبة إلى قبرص. سأله السفير عن القاهرة، وماذا عن مشروع فتح المركز هناك. شرح له جريس باستفاضة عن شراء المركز في القاهرة الجديدة، وعن تعثر محاولات فتحه، وأن هنالك وعودات لا تزال في حيزّ الوعد ليس إلاّ. اتفقنا على سفر جريس إلى قبرص، على أن أتابع شؤون المكتبة وشحنها. كانت بداية الجهود الالتقاء مع شركة “لكنان” وهي الشركة الوطنية للنقل البحري. فهمت منهم، أن الشحن إلى قبرص مباشرة غير ممكن، ولا بد من الشحن إلى أحد الموانئ الأوروبية، الإيطالية أو الفرنسية تحديداً، ثم نقلها ثانية إلى قبرص، وأن الشحن يحتاج إلى مجموعة موافقات من الحزب والدولة، خصوصاً الاستخبارات العسكرية وقسم حركات التحرر التابع لجبهة التحرير الوطني.

***   ***   ***

بدأت رحلتي في أروقة البيروقراطية الجزائرية المعقدة والمتعبة، وكنت في كل مرة فيها أعتقد أنني قد حققت تقدماً، أكتشف أنني عدت إلى المربع الأول. استمرت دورتي في حلقة مفرغة زهاء الأربعين يوماً، تعرفت خلالها على شؤون الجالية الفلسطينية في الجزائر، همومها وامتداداتها ومشاكلها وما أكثرها، فهناك السفارة، وهناك الملحقية العسكرية، وهناك مكتب “فتح” إلى جانب مكاتب المنظمات الفدائية الأخرى، هناك ما يشبه حرب الكل ضد الكل. وخلال فترة إقامتي تلك، سمعت من مصادر متعددة رواية تقول: إن عضو المكتب السياسي مسؤول الأمانة العامة لحزب جبهة التحرير الجزائرية شريف مساعدية كان قد التقى السفير الفلسطيني، وعرض عليه مبنى من سبعة طوابق في العاصمة الجزائرية، كتقدمة من الحزب، كي تنقل المكتبة إليه، ويفتح المركز في الجزائر، وذلك إنقاذاً للمكتبة والأرشيف والوثائق.

وكان المبنى المعروض مجهزاً تجهيزاً كاملاً، لاقت هذه الفكرة قبولاً لدى السفير، وقام بعرضها على الرئيس ياسر عرفات، لكن عرفات طلب منه التريث! أكد لي هذه الرواية، وبعد سنوات من ذلك، المستشار الأول في السفارة عيسى عبد الحفيظ، كما سبق أن أخبرني الملحق العسكري في الجزائر عوني سمارة وأنا في الجزائر بتلك الرواية، مؤكداً أن السفارة في اعتقاده لن تساعد في تسهيل مهام شحن المكتبة خارج الجزائر.

 

أخبرت عبر الهاتف المدير العام صبري جريس بما وصلت إليه جهودي، واقترحت عليه كتاب تقرير تفصيلي وتسليمه للرئيس عرفات باليد. تشجع جريس لهذه الفكرة، وهذا ما كان، كتبت تقريراً تفصيلياً يبدأ من لحظة تكليفنا شحن المكتبة إلى قبرص وحتى الوصول إلى طريق مسدود. وكان هذا التقرير يقع في حدود أربعين صفحة مطبوعة. سافرت إلى تونس، والتقيت الرئيس وشرحت له ما حدث. وأكدت له أن المكتبة لا تزال بحالة سليمة، وسألني: إذاً ما الذي يصلني من معلومات حول تلف بعضها؟!

قلت: لا أدري، هذا ما شاهدته بأم عيني.

صمت برهة وقال: سأرسل تعليماتي إلى قبرص.

تناولت الغداء مع الرئيس، وبرفقة العاملين والعاملات من التوانسة، وبعدها استودعته وسافرت إلى قبرص.

فوجئت بعد بضعة أيام من ذلك برسالة “فاكس” من الرئيس تطلب من المدير العام جريس السفر إلى القاهرة، وعرض المكتبة كهدية لـ”الأهرام الاقتصادي”! سافر جريس وعرض الهدية، لكنها رفضت! جاء ذلك في سياق تعثر فتح المركز في القاهرة، من جهة، وإلحاح السفارة الفلسطينية في الجزائر على فتحه في العاصمة الجزائرية، وصعوبة شحن مكتبة وإخراجها من الجزائر. بعد تلك الأجواء، تقدم د. محجوب عمر، وهو مناضل مصري في صفوف الثورة الفلسطينية منذ بداياتها، باقتراح مكتوب مفاده: تجهيز معدات تصوير في الجزائر، تقوم بمهمة تصوير المكتبة والوثائق على مصغرات مايكروفيلم ومايكروفيش، خوفاً من تلفها مستقبلاً. وتضمن هذا التصوير تفصيلات تتعلق بعدد العاملين، وبجداول زمنية، وموازنات مالية، وغير ذلك. تقدم محجوب باقتراحه هذا للرئيس عرفات، وقام عرفات بتحويله لمركز الأبحاث. درسناه ووافقنا عليه، وأوصينا بتنفيذه، ولم نسمع شيئاً بخصوصه بعد ذلك!!

***   ***   ***

بعد العدوان الجوي الإسرائيلي على مواقع قيادة م.ت.ف في تونس، في حمام الشط، قررت الجزائر نقل المعسكر الفلسطيني من تيبسة إلى معسكر في الجنوب، هو معسكر البيّض، ونقلت مكتبة المركز معهم.

لم تحظ المكتبة بأي اهتمام جدي، ولم تتوافر أدنى الشروط اللازمة للتخزين، فبدأ التلف يفعل أفاعيله بها، إضافة إلى أفاعيل القوارض، ومن بعدهم البشر.

تلاشت المكتبة والوثائق والأرشيف شيئاً فشيئاً، وأصبحت أثراً بعد عين، وسط صمت مريع، لا أعرف سببه الحقيقي، لكني أدعو إلى إعادة دراسة هويتنا الوطنية والثقافية على حد سواء.

من المسؤول؟!!

 

لعل مراجعة لما حدث من كارثة تفوق التصور، ذلك أنه لا يمكن تعويض ما تبدد، وأن الخسارة تصيب الذاكرة الفلسطينية الجماعية، فمن هو المسؤول؟! هل يمكننا تحميل إسرائيل وعدوانها المستمر على المركز، ومن ثم نهبها المحتويات التوثيقية، مسؤولية ما حدث؟! أم أن هناك جهات أخرى تتحمل هذه المسؤولية؟!

  1. مما لا شك فيه أن النهب الإسرائيلي المظلم للمكتبة والأرشيف والوثائق هو السبب الأساسي الذي أسهم في ضياعها، لكن عملية التبادل نصت على إعادتها كاملة. ما حدث من عدم تسلمها وفقاً لقوائم المحتويات لم يتح الفرصة لمعرفة المسترجعات، هل هي كاملة، ما هو النقص، ما حجم التلف، وغير ذلك.
  2. كان من الواضح أن القوات الإسرائيلية ستجتاح بيروت الغربية، لا محالة، بعد انسحاب م.ت.ف، وكان بالإمكان نقل الوثائق ذات الأهمية الخاصة إلى خارج المركز، والحفاظ عليها، لكن ذلك لم يحصل.
  3. كان بإمكان السفارة الفلسطينية في الجزائر أن تقوم بتسلم محتويات المكتبة، وفقاً لما هو موجود. والتوقيع بالتالي على قوائم تعدها هي دون أن تتحمل مسؤولية ما هو غير موجود، وبالتالي نقلها إلى مكان آمن، بدلاً من تركها في معسكر الخروبة، عرضة لشتاء شهري 9-10/1983.
  4. لا يوجد أي سبب واضح لعدم تسلم المكتبة من إدارة مركز الأبحاث، والإشراف عليها وتخزينها.
  5. يبدو أن صراع الأجنحة داخل فتح والمنظمة سبب من أسباب حالة التلكؤ في شحن المكتبة والأرشيف والوثائق، ذلك أن الرئيس عرفات كان يريد شحنها إلى القاهرة، وفي هذا السياق، بذل جهوداً سياسية ودبلوماسية لإعادة فتح المركز في القاهرة، وأمر بصرف زهاء مليون دولار لشراء مبنى خاص في مصر الجديدة، في وقت كان فيه آخرون في اللجنة المركزية، ومنهم صلاح خلف “أبو إياد”، يرغب في إعادة فتحه في مدينة الجزائر.
  6. حاولت المعارضة داخل فتح وم.ت.ف استغلال موضوع المكتبة والوثائق وتوظيفها في إطار الصراع الدائر، دون أن تبذل جهوداً جدية لإنقاذها من الضياع.
  7. لم تجري محاولات فلسطينية جدية للوقوف طويلاً عند هذا الحدث، وتحديد مسؤولية ضياع الوثائق الفلسطينية، أو محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

نظرة نحو المستقبل..

لعل ما حصل من ضياع وتضييع لمكتبة المركز وأرشيفه ووثائقه من شأنه أن يشكل درساً قاسياً للأجيال الفلسطينية القادمة. ما حصل قد حصل ولا يمكن استعادته، لكن ما هو قادم يمكن أن يكون أحسن حالاً، في اللجوء لاستخدام وسائل الحفظ والرعاية، خصوصاً في عصر الكمبيوتر والإنترنت. لكن، ومع فداحة الخسارة، فإن جزءاً مهماً لا يزال قائماً، ويمكن إنقاذه. هناك مجموعة مجلة “شؤون فلسطينية”، بأعدادها الـ 248، وهي مخزن توثيقي وفكري مهم يغطي السنوات 1968-1994. وهذه المجلة تتوافر كاملة في بعض المكتبات الجامعية والشخصية. وإضافة إلى ذلك، فهناك زهاء 5000 كتاب فكري أكاديمي من منشورات المركز، تتوزع على محاور الدراسات الإسرائيلية والفلسطينية والدولية، إضافة إلى مجلدات اليوميات الفلسطينية، وهي بمثابة التأريخ الجاري منذ 1/1/1965 وحتى 1/1/1976.

لا يزال ممكناً حتى اللحظة تصوير أعداد “شؤون فلسطينية” وكذلك كتب المركز، ومجلدات اليوميات الفلسطينية، على مصغرات CD’S، كي تكون متوافرة للجميع، وبذلك تعمم الفائدة، ويتم حفظها من الضياع وقلة الاستخدام.

أعتقد أن هذه المهمة هي مهمة المجتمع المدني الفلسطيني الآن، ومنظماته الأهلية، ذلك أن السلطة الفلسطينية ومنذ قيامها لم تولِ المؤسسات البحثية أي أهمية تذكر، بل على النقيض من ذلك، إذ قامت بإدارة الظهر لها، فلم يستأنف المركز نشاطه حتى إصدار “شؤون فلسطينية”، على رغم توافر الشروط كافة لإعادة إصدارها، ولم تخصص السلطة أي موازنات تساعد المركز وغيره من المؤسسات الأكاديمية من النهوض والقيام ثانية.

وإلى ذلك، فإن ما يبدو لا يدعو إلى أي دهشة تذكر، ذلك أن أكاديميين ومفكرين وكتاباً بارزين كانوا قد أسهموا في تعزيز روح البحث العلمي في إطار م.ت.ف، وبجهود جزء من هؤلاء تأسس مركز الأبحاث، وظهرت “شؤون فلسطينية”، ونشرت كتب ووثقت وثائق مكتوبة وشفوية على حد سواء، لكن هؤلاء، ومنهم: إدوارد سعيد، وإبرهيم أبو لغد، وأنيس وفايز صايغ، ووليد الخالدي، وأحمد صدقي الدجاني، شهيد الموت، وغيرهم الكثير الكثير، سرعان ما رحلوا عن المنظمة، وأخذ جمع المفكرون الكتاب والصحافيين البارزين يغادرونها رويداً رويداً، حتى أضحت شبه فارغة من هؤلاء، وبالتالي تقوضت أركان مؤسسات البحث العلمي، وأبرزها مركزا الأبحاث والتخطيط. ومع قيام السلطة في العام 1994، لم تجد أركان السلطة العتيدة أي ضرورة لاستئناف ما كان من نشاط أكاديمي، ووجد الباحثون والأكاديميون أنفسهم في حالة فراغ، لم يملأ جزءاً منها سوى بعض النشاطات الجامعية والأهلية. كتبت أكثر من مقال شرحت فيها أهمية إعادة بعث مركز الأبحاث، وكان أبرزها ما كتبته في جريدة الاتحاد (حيفا) بتاريخ 4/12/1996 تحت عنوان: “نحو مؤسسة وطنية فلسطينية للتأريخ الحديث”، وهذا نصه:

شهدت مرحلة النهوض الوطني الفلسطيني منذ العام 1965 نمواً ملحوظاً على صعيد البحث والكتابة عموماً. وبرز مركز الأبحاث الفلسطيني كإطار أكاديمي فاعل في هذا المجال. وخلال فترة عمله ونشاطه في الأعوام ما بين 1965-1994، تمكن المركز من فتح المجالات للبحث في الشؤون الإسرائيلية والشؤون الفلسطينية على اختلافها، ومنها التأريخ.

 

وخلال تلك الفترة، نشر المركز العديد من الكتب التأريخية المتخصصة، أسهم فيها باحثون من مختلف المذاهب السياسية الموجودة. لكن مرحلة النهوض البحثي، وما رافقها من حركة نشر نشطة، لم تدم طويلاً، وأخذت بالانزواء والتلاشي رويداً رويداً حتى توقفت، وتوقف بعدها النشاط المؤسسي للمركز.

والغريب في الأمر أنه وبعد انتقال قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من الخارج إلى مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني بقيت مؤسسات البحث الفلسطيني مغيبة تغييباً تاماً ونهائياً. ولم تجر محاولة جادة لإعادة الحياة إلى مركز الأبحاث الفلسطيني. ولعل المتابع للشأن الثقافي الفلسطيني يمكنه أن يلحظ بوضوح مدى انحسار حركة النشر البحثي خلال السنوات الثلاث الماضية انحساراً هائلاً، خصوصاً في مجالات البحث التأريخي، والخطورة هنا لا تكمن في الجانب الأكاديمي فحسب، بل في الجانب السياسي والحضاري أيضاً، ذلك أن وقائع جديدة تتوالد الآن وهنالك، والسياسية كافة. توزع هذا الصراع على الأشكال المتاحة، من سياسية واقتصادية وعسكرية.

كتب الإسرائيليون تأريخهم الحديث، وفقاً لمعطياتهم وأفكارهم، وبشكل يتواءم مع نظرتهم التأريخية العامة، وآفاق طموحهم في إقامة المجتمع الإسرائيلي الحديث، وتدوين وقائعه ومواضيعه.

الفلسطينيون، من جهتهم، شهدوا حالة فصام، فمنهم من بقي في أرضه ووطنه وحافظ على هويته العربية في الدولة الإسرائيلية، ومنهم من تشتت في أصقاع العالم العربي. وخلال فترة الصحوة الأولى من حرب 1948، والجلاء عن الأرض والوطن، بدأ الفلسطينيون يكتبون تأريخهم بشكل فردي، وطغى السياسي والعسكري على ما سواه من جوانب التاريخ، خصوصاً الاقتصادي والاجتماعي، ولعل سبب ذلك يكمن في محاولة تأكيد الذات الوطنية الفلسطينية، والدفاع عن الهوية الضائعة. وخلال فترة التحرر الوطني الفلسطيني، منذ العام 1960 وما بعدها، حاولت القيادات السياسية المختلفة: الوطنية، والقومية، والماركسية، كتابة التأريخ، وفق منظورها، ومناهج عملها الفكري. ولا نريد، هنا، أن نستعرض ما كتب، من حيث إيجابياته وسلبياته، لكننا نود القول إن ما حصل كان قد خدم مرحلة تاريخية – سياسية محددة، وإن ما شهدته الساحة الوطنية الفلسطينية، وعلى مختلف الجوانب، بات يستدعي مجدداً إعادة كتابة التأريخ الوطني وإعادة بعث المؤسسات البحثية اللازمة.

إن الحفاظ على الذاكرة الوطنية الفلسطينية، عبر مؤسسة فلسطينية أكاديمية، بات أمراً حيوياً وضرورياً ليس من أجل خدمة الماضي والوفاء للسلف الفلسطيني فحسب، بل إنه ضروري لفهم مجريات الأحداث الراهنة، ووضع أسس المستقبل الوطني عموماً.

وبتاريخ 21/7/1996، وجهت رسالة مفتوحة للرئيس ياسر عرفات بعنوان: “مركز الأبحاث الفلسطيني:رسالة مفتوحة، وكلمة لا بدّ أن تُقال”

 

وهذا نصها:

“عندما فكّرت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، ومنذ الأيام الأولى لتأسيسها، في إقامة المؤسسات والهياكل اللازمة لتكريس الكيانية الوطنية الفلسطينية، وجدت في سلم الأولويات إقامة جيش التحرير الفلسطيني ومركز الأبحاث. وبعدما نجحت القيادة – آنذاك – في إقامة هذين الصرحين، تنهد أحمد الشقيري، الرئيس الأسبق للجنة التنفيذية الفلسطينية، الصعداء، وقال: ها أنا قد أوجدت فيكم مركز الأبحاث وجيش التحرير الفلسطيني، هما عماد هذا الكيان، وضمانة الانتصار، وكان الشقيري شأنه شأن معظم أعضاء اللجنة التنفيذية – آنذاك – يعتبر مركز الأبحاث عقل المنظمة، وجيش التحرير ذراعها الضارب.

شكل مركز الأبحاث، ومنذ السنوات الأولى لتأسيسه، حدثاً فكرياً مهماً، ليس على الصعيد الفلسطيني فحسب، بل على الصعيدين العربي والعالمي، وتمكن من خلال الدعم المفتوح من القيادة الفلسطينية، ونتيجة التفاف خيرة الأكاديميين الفلسطينيين حوله بكل ما تمتعوا به من خبرة ومعرفة وحماس وطني أصيل، من أن ينشر المعرفة الموضوعية حول إسرائيل ككيان ومؤسسات وتطلعات، كما قام بإحياء التأريخ الوطني الفلسطيني، وتأريخ القضية الفلسطينية في مرحلتها الراهنة منذ عام 1964. وتحول المركز، عبر مكتبته ومحفوظاته الوثائقية، ووجود الخبراء فيه، إلى مدرسة يقصدها الطلبة من مختلف أرجاء المعمورة، كما تمكن المركز من خلال إصداره شهريته المعروفة “شؤون فلسطينية” من أي يوجد صحيفة متخصصة بالشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، وبشكل أكاديمي عريق وعميق، من خلالها برزت أسماء، وتربت أقلام، ولا تزال بأعدادها التي تزيد على المائتين وخمسين عدداً مصدراً من أهم المصادر الخاصة بالقضية الفلسطينية وما أحاط بها خلال الأعوام 1968-1994. كما تشكل مجموعات “اليوميات الفلسطينية” مصدراً شديد الأهمية للسياسي الراهن ومؤرخ المستقبل، لما تتضمنه من وقائع دقيقة موثقة توثيقاً علمياً. وإضافة إلى كل ذلك، فقد تضمنت خزانة الكتب الخاصة بالمركز مصادر قلّ نظيرها، خصوصاً فيما يتعلق بالوثائق الأساسية.

ونظراً لأهمية المركز ودوره الوطني البارز، تعرض خلال وجوده في بيروت (1964-1993) إلى ثلاثة اعتداءات أساسية، استهدف الأول منها تدميره كلياً عبر إطلاق صواريخ أرض – أرض عليه، أما الثاني فاستهدف اغتيال مديره العام – آنذاك – د. أنيس صايغ، وكان الثالث المروع بتاريخ 5/2/1983، حيث استهدفت سيارة مفخخة بما يزيد على 250 كغم من المتفجرات نسف المبنى واغتيال كل من فيه، وتدمر المبنى جزئياً، واستشهد ما يزيد على تسعة من العاملين فيه، وجرح ما يزيد على ثمانية عشر، وكاتب هذه السطور واحد منهم، وبأعجوبة وبعناية من الله لم يدفع جميع العاملين حياتهم ثمناً لهذا العدوان. وسبق هذا العدوان عدوان من نوع آخر، حيث حاصرت القوات الإسرائيلية عند اجتياحها بيروت أواخر صيف 1982 مركز الأبحاث، وقامت بنهب كافة محتوياته من كتب ووثائق وأوراق وخلافها، لكنها اضطرت إلى إعادتها عند عملية تبادل بعض أسراها بأسرى فلسطينيين، حيث وضعت القيادة الفلسطينية شرط إعادة محتويات مركز الأبحاث واحداً من شروط الصفقة.

 

تمت إعادة المحتويات إلى مدينة الجزائر دون أن يتسلمها أحد!! السفير الفلسطيني هناك رفض أن يتسلمها ذلك أنه يجهل محتوياتها، ووقع على تسلم صناديق وكميات دون أن يحدد ما الذي تسلمه، خوفاً من محاسبة التاريخ.. – هذا ما ذكره لي في جلسة خاصة معه ربيع 1985 في مدينة الجزائر –، وبعد البحث عن المحتويات، وبتكليف من الرئيس ياسر عرفات، تم العثور على الصناديق المعادة في أحد المعسكرات الجزائرية في تيبسة، وكانت محتوياتها بحالة جيدة، خلافاً لما كان شائعاً – آنذاك –، لكن تعذر شحنها إلى قبرص كما كان مقرراً، وبقيت هناك لأسباب مختلفة لا سبيل لذكرها هنا.

بقيت المكتبة في تيبسة ومن ثم نقلت إلى معسكر آخر، ومن المتعذر الآن معرفة مصيرها الحقيقي.

وبعد أن استأنف المركز عمله في العاصمة القبرصية نيقوسيا، بدءاً من العام 1985، كان لا بد من تأسيس مكتبة متخصصة بلغت تكاليف بنائها زهاء المليون دولار أمريكي، وتضمنت إضافة للمصادر الأساسية، وملفات الصحف زمن الانتداب، ما أمكن إنقاذه من كتب ومنشورات مركز الأبحاث في مرحلة بيروت. واستمر المركز في عمليه خلال الأعوام 1985-1993 في قبرص، وفي ظل الأزمة المالية انقطعت الرواتب عن الباحثين والعاملين، فهاجر جلهم إلى دول الاغتراب بدءاً من كندا، وصولاً إلى فنزويلا والسويد والدنمارك وبريطانيا، بعدما ضاقت الدنيا في وجوههم، وانقطعت سبل العيش!!

توقف عمل المركز منذ أواسط 1993 ولا يزال، على الرغم من صدور القرار رقم 20 لسنة 1994، والموقع من رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، والقاضي باعتبار مركز التخطيط ومركز الأبحاث من ضمن مكتب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية اعتباراً من 22/9/1994. وخلال هذا التوقف غير القصير، وصل المدير العام للمركز صبري جريس للبلاد، وتم تكليفه مجدداً بإدارة المركز، وتم شحن محتويات مركز الأبحاث من ليماسول – قبرص إلى ميناء أسدود، وبقيت تلك المحتويات ماكثة في الميناء منذ ما يزيد على عشرة أشهر دون أن يتسلمها أحد، واضطر الشاحن قبل زهاء الشهر إلى إشعار السلطة الوطنية الفلسطينية بأنه سيقوم بإحراقها في حال عدم تسلمها، ولا ندري عن مصيرها شيئاً، هل أحرقت أم ماذا؟! ذلك أن أحداً لم يتسلمها بعد!!

وبالتوازي مع مكوث المحتويات في الميناء، برزت اجتهادات شتى حول الموقع الملائم الذي سيقيم فيه المركز، وهي بحاجة إلى دراسة وتأنّ، ذلك أن المركز بتراثه التاريخي، ووظائفه المستجدة، يحتاج إلى نخبة من الباحثين الفلسطينيين القادرين على الوصول إليه بشكل يومي، كما أن وظيفته ستحتاج إلى تفاعله الحي والواعي مع الوسط الجامعي الفلسطيني. ودون تحقيق هذين الشرطين سيكون المركز مركزاً سياسياً خاضعاً لاعتبارات تكتيكية قد تبعده عن وظيفته العلمية.

 

وأياً تكن الاجتهادات بشأن موقعه، فإن الأهم والأبرز الآن إنقاذ مكتبته، والتي نأمل أن تكون ماكثة حتى الآن في أسدود، والإسراع في فتح ملف المكتبة الماكثة في الجزائر، وإعادة تشكيل هيكله الإداري، وإصدار مجلته الشهرية “شؤون فلسطينية” والتي لم تتوقف حتى أثناء الحصار الإسرائيلي على بيروت 1982، وحتى إبان الاجتياح الإسرائيلي لها.

وأخيراً، ومن خلال موقعي ككاتب، ومن خلال عملي خمسة عشر عاماً متصلة في مركز الأبحاث 1980-1995 كباحث رئيسي في القسم الفلسطيني، أتوجه بهذه الكلمة المفتوحة إلى سيادة الرئيس ياسر عرفات، والذي سبق أن قام برعاية هذا المركز، واحتضان نشاطاته بدفء أبوي حقيقي، أتوجه إليه مجدداً، على رغم معرفتي بتشعب مشاغله وثقلها، لإعادة فتح هذا الملف المهم، وإعادة المركز لنشاطه المعهود، في وقت نحن فيه بأمس الحاجة لتراثه، ومعالجاته ومنشوراته وأبحاثه الخاصة، بقضايانا الراهنة والمعاصرة”.

وبعد ذلك بزهاء أربعة أشهر نشرت مقالاً بعنوان: “أزمة البحث الفلسطيني”، جريدة الأيام، 26/11/1996

وهذا نصه:

“الكيانية الفلسطينية والبحث صنوان، تلازما منذ الولادة، وتطورا عبر مفاصل التطور السياسي والكياني، ذلك أن الكيانية بحد ذاتها بحث في الشخصية الوطنية، تاريخاً وواقعاً ومستقبلاً. ومن خلال هذا البحث عن الشخصية الفلسطينية الغائبة بفعل الاقتلاع سنة 1948، والتغييب ما بعد ذلك، كان لا بد من البحث في جبهة العدو، وجبهات الصديق.

ولدت فكرة البحث الفلسطيني مع ولادة فكرة تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية كإطار تنيظيمي وسياسي لحركة الشعب الفلسطيني، وتنامت الفكرة، وازدهر البحث، مع ازدهار دور المنظمة، وتصاعد نشاطاتها. ومن خلال هذا التلازم، تعمق الفكر الفلسطيني وتطور. وأصبح للفلسطينيين منظورهم العلمي لفهم عدوهم وصديقهم، وتبلورت لديهم فكرة الوطن والمواطنة من خلال إضاءة التاريخ وحركة السياسة.

ولعل المتابع لحركة البحث الفلسطيني يمكنه أن يلحظ، وبوضوح، أنه تمكن من فتح أبواب المعرفة الموضوعية عن الصهيونية وإسرائيل، بعيداً عن الشعاراتية والتهويش، وأنه قام بتقديم الصورة الحقيقية عن الفكر الصهيوني وتطوره، ومدارسه السياسية المختلفة، الأمر الذي أتاح للمثقف الفلسطيني والعربي الاطلاع على صورة العدو من زاوية الفكر الموضوعي. وإضافة إلى ذلك، فقد أتاح البحث الفلسطيني، خلال تطوره منذ العام 1964، إعادة كتابة التاريخ الوطني الفلسطيني، وإحياء الذاكرة الوطنية الفلسطينية، بعدما تعرضت تلك الذاكرة للطمس والتشويه، ومن خلال هذا الجهد، ظهرت مجموعات الوثائق الفلسطينية، وبناء المكتبة البحثية بما تضمنته من مصادر ومراجع مهمة، وسرعان ما تحول مركز الأبحاث الفلسطيني، التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، إلى إطار أكاديمي قادر على احتضان الطاقات الشابة وتنميتها، وتوفير الظروف والمناخات الملائمة لإنضاج البحوث ورعايتها.

وبذلك، شكل مركز الأبحاث الفلسطيني، في حينه، نمطاً متقدماً، وظاهرة علمية مميزة، ليس في الوسط الفلسطيني فحسب، بل في إطار الصراع العربي – الإسرائيلي عموماً.

ووفقاً لذلك، حاولت الدوائر السياسية المعنية بهذا الصراع انتهاج طريق مركز الأبحاث، وإقامة المؤسسات البحثية اللازمة، لدراسة أبعاد الصراع على أسس موضوعية عميقة، وأثمرت جهود تلك المؤسسات وترافقت مع جهود مركز الأبحاث عموماً.

لعب المركز دوره العلمي المميز والمفيد كإطار علمي يغذي الحركة السياسية ويغنيها، ويسهم في نشاطاته سياسيون مرموقون، لهم دورهم في صناعة القرار، لكن ذلك لا يعني، مطلقاً، أن الهامش اللازم بين العلم الأكاديمي والعمل السياسي قد تضاءل. بل على النقيض من ذلك، فقد حرص السياسيون – الأكاديميون، طوال فترة عملهم البحثي، على الحفاظ على هذا الهامش اللازم وصيانته، لإدراكهم العميق بأهمية هذا الهامش، ومخاطر تلاشيه على مستقبل العمل البحثي الفلسطيني.

وإبان أزمة ما بعد العام 1973، وما شهدته الساحة السياسية من تطورات مفصلية، واجتهادات بشأن مستقبل الصراع برمته، شهدت ساحة البحث الفلسطيني سياسياً تباينات واضحة، كان لها خلفياتها التنظيمية، الأمر الذي انعكس سلباً على الهامش الفاصل بين السياسي والأكاديمي، وأرخى بظلال ثقيلة على الاستقلالية النسبية للبحث الفلسطيني عموماً، وانعكس سلباً على مستوى البحث وأدائه عموماً. وعلى الرغم من ذلك، تمكن البحث الفلسطيني من الحفاظ على مقومات وجوده، واستمراره عبر الظروف السياسية والأمنية المختلفة كواحد من مقومات الوجود الفلسطيني، وتأسيس كيانه.

ومن خلال النشاط البحثي الفلسطيني، وحسن رعايته منذ العام 1965، نشأت أجيال مختلفة من الباحثين الفلسطينيين، وبمختلف الاختصاصات، وتم إغناء المكتبة الفلسطينية بشكل يتلاءم ومستوى الحدث الفلسطيني ذاته، إلا أن حالة النمو البحثي تلك لم تلق الرعاية اللازمة، ولم تجد الإطار المناسب للحفاظ على الباحثين الأمر الذي أدى، بدوره، إلى تخريج الباحثين، إلى مؤسسات عربية ودولية موازية، وإزاء تلاشي الهامش اللازم بين السياسي والأكاديمي، هاجرت كفاءات بحثية عالية، وحلت محلها كفاءات مبتدئة تنقصها التجربة والحنكة، وبالتالي هبط مستوى البحث، دون أن يتلاشى. وغدت مؤسسات عربية موازية أكثر عمقاً وأرفع مستوى من مؤسسات البحث الفلسطيني ذاته، بعد أن كان لتلك المؤسسات دور السبق في تأسيس قواعد البحث الأساسية في الصراع العربي – الإسرائيلي إجمالاً.

وإلى ذلك، نظر بعض المحللين للشؤون الفلسطينية على أن ما شهدته ساحة البحث الفلسطينية هو جزء مما شهدته الساحة الفلسطينية عموماً من أمراض الغربة والمهجر، وأن صراعات الخارج السياسية، وعدم الاستقرار الجغرافي، كان لهما شأنهما في تراجع مسيرة البحث، وإيصاله إلى ما وصل إليه بعد ازدهار ومجد مشهودين.

العودة وتلاشي البحث..

وبعد عودة القيادة السياسية الفلسطينية إلى أرض الوطن، وعودة المؤسسات والإطارات على اختلافها، شهدت الهيكلية الوطنية الفلسطينية إعادة بناء سريعة، هدفها  الأساسي إقامة الكيان السياسي. وبالرغم من سرعة إعادة البناء، وبشكل يستوجب إعادة النظر فيه مستقبلاً، تم تناسي البحث الفلسطيني ومؤسساته، على الرغم من الأهمية الفائقة له، ولدوره في مأسسة الكيان الفلسطيني، وما تشهده الساحة السلمية من صراعات علمية وحضارية تطال التاريخ، والعمق السياسي، وكافة أوجه الحياة المعاصرة.

واستمرت عملية تغييب البحث ومؤسساته منذ ما قبل العودة وحتى اللحظة الراهنة، وعلى نحو يصعب تفسيره حقاً.

وفي ظل ذلك، تشتتت القدرات البحثية، ووجد الباحثون أنفسهم أمام خيار الهجرة، والعمل في المؤسسات الدولية، أو العيش كلاجئين في المهاجر البعيدة، أما القلة التي اختارت العودة، فلم تجد لها مكاناً ملائماً حتى اللحظة، وافتقدت الإطار البحثي اللازم، للحفاظ على قدراتها البحثية وتطويرها، الأمر الذي دفعها دفعاً نحو العزوف شبه الإلزامي عن البحث، والقيام بأنشطة أخرى، حيث وجدوا أنفسهم داخل هرم معكوس.

وتأسيساً عليه، لم تشهد حركة النشر البحثي نشاطاً ملموساً خلال السنوات الثلاث الماضية، وتلاشت المؤسسات البحثية الفلسطينية، ولم تُبذل جهود صادقة لإقامة بدائل عمل عنها. وغابت الدوريات البحثية المخصصة، باستثناءات بسيطة، تفتقر إلى مقومات الانتشار والاستمرار. ومع استمرار هذه الظاهرة السلبية الخطيرة، فإن مسؤولية الوقوف عندها، ودراستها من حيث الدلالات والنتائج المتوقعة، هي مسؤولية سياسية وأكاديمية في آن معاً. وهذا ما يستوجب بالطبع وضع استراتيجية بحثية جديدة، دون إسقاط أهمية التراث البحثي المتراكم خلال المراحل السابقة، بحيث تضمن الاستمرار في دراسة آليات العمل الإسرائيلي: الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والتاريخية، وخلافها من أوجه الفعل. وكذلك الاستمرار في نهج البحث الفلسطيني الخاص بالشعب الفلسطيني ومقدراته التاريخية والحيوية في الوطن كما في الشتات، وإيجاد القاعدة المعلوماتية القادرة على توثيق الأحداث الفلسطينية التاريخية والجارية بشكل موضوعي.

إن تغييب البحث الفلسطيني، وبالشكل الذي نعايشه الآن، من شأنه إضاعة التراكم العلمي المنجز، من ناحية، وإيجاد ثغرات حضارية لا يستهان بها مستقبلاً من الممكن أن ينفذ منها: إضاعة الذاكرة الوطنية، وحاسة التمييز اللازمة بين ما هو غثّ وما هو سمين، وإظهار العقل الفلسطيني بمستويات هي أدنى من مستوياته الفعلية”.

 

وبتاريخ 7/3/1997، فوجئت بمقال في جريدة السفير (بيروت) كتبه د. أنيس صايغ بعنوان “مركز الأبحاث والضياع المتواصل”

وهذا نصه:

“حديث مركز الأبحاث، التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، المأسوف على شبابهما وعطائهما اللذين انتقلا إلى ذمة التاريخ بإلغاء أولهما وإفراغ ثانيهما، حديث طويل وحزين لن تجذبني إليه ذكرى تأسيس المركز (28/2/1965)، وإنما مقال وقعت عليه بالصدفة منذ أيام عن المركز، وكان قد نشر في إحدى صحف فلسطين المحتلة قبل سبعة أشهر.

يمكن اختصار مراحل تاريخ المركز من حيث نشاطه وفاعليته وإنتاجه إلى ثلاث مراحل: مرحلة التأسيس والبناء (لمدة سنة ونصف السنة)، حاول خلالها المدير المؤسس، شقيقي المرحوم فايز صياغ وضع الحجر الأساس عن طريق تأمين المناخ المناسب لقيام هذا المشروع الذي كان رائداً، وفي أرض بكر لم تعتد على ضرورة الدعم الفكري والثقافي والبحث العلمي للنضال الفلسطيني، السياسي والعسكري، ثم مرحلة العطاء بكل ما في الكلمة من معان، وقد بلغت عشر سنوات، كان لي شرف إدارة المركز خلالها. وقد امتد نشاط المركز آنذاك أفقياً، فغطت النشاطات دول العالم قاطعة، وعمودياً، فعمقت وروجت البحث الفلسطيني، وتوثيقاً، فأقامت أكبر وأثرى مكتبة متخصصة بالشأن الفلسطيني في الوطن العربي وربما العالم كله، وجمعت المكتبة قدراً واسعاً من الأوراق الوثائقية والمذكرات، فدربت وخرجت عدة عشرات من الباحثين الجدد أصحاب الاختصاص وجلهم من المتفرغين آنذاك لهذه المهمة، ونشراً، فأمدت المكتبة الفلسطينية بأكثر من أربع مئة كتاب وكتيب ودراسة وبحث، وصحافة، فأصدرت أول شهرية علمية مختصة بالشؤون الفلسطينية. ولن أسترسل في وصف دور المركز الريادي في هذه الحقبة لأن الشهادة بأهمية ذلك الدور أتت وتأتي باستمرار من مئات الكتّاب والمختصين وذوي العلاقة، من عرب وأجانب. وهي تأتي في الدرجة الأولى من العدو، الذي قام المركز لمقارعته في الحقل العلمي، عن طريق محاولاته المتعددة لنسف المركز وقتل مسؤوليه والعاملين فيه، ثم عن طريق سلب نصف مكتبته وكل وثائقه وأرشيفه، وقبل ذلك عن طريق بيان سري وزعته قيادة المنظمة الصهيونية العالمية لفروعها في بريطانيا أواخر العام 1971 تنذر بأهمية المركز وتحذر من نشاطه.

ثم بدأت مرحلة الانحدار في نهاية تلك السنوات العشر. فكانت المرحلة الثالثة مرحلة ركود واجترار، وإفادة من الأمجاد التي حققتها المرحلة السابقة، بالرغم من الجهد الصادق للمدير العام الجديد الشاعر الكبير محمود درويش لمدة قصيرة نسبياً من سنوات النصف الثاني من السبعينيات. لكن درويش، الشاعر الفنان أولاً، لم يكن مستعداً لتحمل تدخلات “السلطة” الفلسطينية ومحاولاتها لتحويل دور المركز من عقل يرشد إلى يد تصفق ولسان يردد كلام السلطة كالببغاء. ولم يكن مستعداً لأن يكون شاهد زور أو جلاداً للمركز وأهدافه وطموحاته الوطنية والثقافية.

 

وبانتقال المركز إلى قبرص، بعد نسف مبناه في بيروت فبراير/ شباط 1983 (وقد سبقت ذلك سرقة جيش الاحتلال الإسرائيلي القسم الأكبر من مكتبة المركز وأوراقه في صيف 1982)، دخل المركز دورة الاحتضار وبقي بقوة الاستمرار، ولولا إخلاص قلة قليلة من الباحثين لجاز لنا أن نسدل الستار على المركز منذ خروجه من بيروت، بالرغم من أريحية القيادة السياسية للمنظمة فجأة وفتح صناديقها المالية أمام المركز، وشراء مبنى كبير من عدة طوابق في نيقوسيا 1985 وشراء كتب بقيمة مليون دولار أميركي. وللمقارنة كان هذا المبلغ يبلغ ثلاث مرات مجموع ما قدمه السيد عرفات للمركز خلال فترة إدارتي له في عهده، (1970-1976)، لتغطية جميع أبواب نفقاته، من نشر وطباعة وشحن وبريد وتوثيق وكتب وصحف ورواتب ومكافآت ومصاريف إدارية مختلفة يتوجب تسديدها على مركز يعمل فيه سبعون باحثاً وموظفاً، ويشغل بناية من ستة طوابق. وهو الأمر الذي كان يضطرني إلى تغطية العجز المالي السنوي، الذي كان يفوق ما تؤمنه القيادة الفلسطينية بعدة أضعاف، بواسطة استعطاء مؤسسات ثقافية وإعلامية وأكاديمية عربية، رسمية وغير رسمية، أدركت قيمة المركز وقدرت عطاءه أكثر من القيادة الفلسطينية نفسها! بالرغم من ذلك شهدت قبرص دخول المركز مرحلة الغيبوبة المعروفة طبياً بـ “الكوما” التي انتهت برصاصات رحمة أطلقتها القيادة في صيف 1993 بتخفيض المساعدات عن المركز، أسوة بسائر أجهزة منظمة التحرير الفلسطينية، بحجة شح الموارد المالية، الأمر الذي اتضح فيما بعد انه كان ذريعة لشل المنظمة بإعلان الوصول إلى اتفاق مع العدو، اشترط، فيما اشترط، جعل وجود المنظمة صوريا فقط لتأمين مرور الاتفاق سيئ الذكر (أوسلو) وتمويه الحقائق على الشعب يزعم أن الظروف المالية والعملية فرضت على القيادة ذلك الاستسلام المشين.

وهكذا، وفي النصف الثاني من 1993، أي بعد ثمانية وعشرين عاماً من إنشائه، تفرق أهل المركز “أيدي سبأ” كما يقولون، وتوقف القلب نهائياً عن النبض وارتاحت القيادة من مؤسسة عصت عليها ثم لما طأطأت جف نتاجها، كما ارتاحت “إسرائيل” من جهة اعتبرتها ألد أعدائها بين صفوف المناضلين الفلسطينيين والعرب.

خاتمة محزنة لمعلم بارز على طريق النضال، بل هو الأبرز على صعيد دور العقل والبحث في هذا النضال، مواكبة وتعزيزاً وتمهيداً وإعلاناً وإعلاماً. نعود إلى تذكر هذه الخاتمة بفضل المقال آنف الذكر الذي كتبه أحد العاملين في المركز لمدة طويلة (خمسة عشر عاماً) من الذين انتقلوا إلى سلطة الحكم الذاتي المحلي، واحتموا تحت سقف رعايتها، والذي نشرته جريدة ليست معارضة للسيد عرفات، وهي تصدر في رام الله فتخضع لحكم السيد عرفات خضوعاً مباشراً.

يلفت نظرنا في المقال جنوحه نحو التبرير والتوسل، متجاهلاً حقائق لا تسمح بسرد الوقائع من دون ذكر مسببها، ولا تجيز التقرب من قيادة كانت تقف وراء مشاكل المركز، وكأن الكاتب يطلب الدواء من مسبب الداء. وكأنه يجهل أن الذي يهدم لا يبني، والذي يأخذ لا يعطي، ومن قتل المركز، المحرض الرئيسي ضد العدو، لن يعيد إليه الحياة بعد أن تصالح هو مع العدو.

وربما كانت إقامة الكاتب “العائد” في رام الله، أي في ظل الحكم الإسرائيلي المتستر برداء “السلطة الوطنية”، هي التي حملته على سرد الاعتداءات الإسرائيلية على المركز دون التركيز وقلما يذكر اسم المعتدي، وحينما يستعرض تاريخ المركز يقول إنه كان ينشر المعرفة الموضوعية حول “تطلعات” إسرائيل. وهل هناك كلمة أخف وطأة وأكثر تهذيباً من كلمة “تطلعات” في وصف مؤامرات إسرائيل واعتداءاتها وإرهابها وعنصريتها وبغيها؟

لكن أهم ما في المقال هو الحديث عما حصل لمكتبة المركز، التي سرق الإسرائيليون معظم محتوياتها صيف 1982، خاصة أن الكاتب لم يكن مجرد أحد باحثي المركز بل هو الشخص الذي تولى عملية البحث عن المكتبة بعد أن أعاد الإسرائيليون محتوياتها في مئة صندوق وصندوق بتدخل من الصليب الأحمر الدولي، وكأحد بنود صفقة أبرمتها قيادة المنظمة في حينه مع الإسرائيليين بضغط ومساع من اليونسكو.

نقرأه يقول مؤرخاً صادقاً لعملية الإعادة: “أعيدت محتويات المكتبة إلى مدينة الجزائر، دون أن يتسلمها أحد”. لكنه لا يخبرنا لماذا لم يتسلمها أحد، لماذا لم توفد المنظمة أو المركز من يتسلم فوراً مكتبة نقول بلا مبالغة إنها واحدة من أثمن المكتبات الفلسطينية وأندرها في عالمنا المعاصر، الله، وزوجتي، وحدهما يعرفان الجهد الذي بذلناه لتكوين المكتبة وإثرائها بأفضل الدراسات وأندرها، زوجتي التي كانت تقوم بدور “الحراسة”، وأنا أصرف الساعات الطوال أنقب عن الكتب القديمة الثمينة في مكتبات صهيونية ويهودية في أوروبا لتبلغ الشرطة إذا وقع لي مكروه أو كشف أصحاب المكتبات هويتي. ونتساءل: هل كانت المنظمة لا توفد أحداً لتسلم شحنة من سيارات المارسيدس 600 التي يوصي بها القائد لتوزيعها على المحظوظين من أعوانه، مثلا؟ “وتعذر الصناديق إلى الخارج” لماذا؟ ومن المسؤول؟ سؤالان لا جواب عنهما، ويلح عليك السؤالان حينما تواصل القراءة: “من المتعذر الآن معرفة مصيرها”، إنه يتكلم عن مئة صندوق كبير وصندوق، تحتوي على ما يزيد على عشرة آلاف كتاب.. تبخر كلها في الهواء، وكأنها فقاقيع صابون تختفي ولا تترك أثراً. ولا يجد الرواي، شاهد العيان والموفد إلى الجزائر للبحث عن هذه الثروة وشحنها إلى المركز في قبرص، واجب تفسير هذا الاختفاء، أو الإخفاء، المثير للشبهات.

لعلها “الأزمة المالية” الوهمية التي قضت بإقفال المركز 1993 هي التي قضت في 1985-1987 بترك المكتبة – الكنز في العراء إلى أن أتى “حوت” من بحر ما وبلعها كما بلع حوت الأدبيات الدينية يونس/ يونان من قبل، ولعلنا، بالمنطق نفسه، ننتظر أن يلفظ الحوت الجديد ما في جوفه مثلما فعل الحوت القديم فتعود إلينا المكتبة الضالة التي كانت “إسرائيل” أحرص عليها منا نحن فأعادتها في صناديق متينة لا يخرقها ماء ولا هواء ولا صدأ ولا عث ولا تراب، كما روى لي كاتب المقال مرة قبل أن يقوده القدر إلى حمى “السلطة المحلية”.

 

لقد مضت على الحادثة المأساة عشر سنوات. لم تجد القيادة خلال هذه الفترة الطويلة حاجة إلى التحقيق في الموضوع لتحديد المسؤولية وللعثور على الكتب.

إذاً، فنحن في 1985 أمام مركز بلا مكتبة، فيتاح له أن ينشئ مكتبة جديدة بمليون دولار، ونحن في العام نفسه، أمام مكتبة مسروقة أعيدت لنا ولم نتسلمها ولم نستعدها بل تركناها (تخلينا عنها) لتضيع، 1987-1997. وأخيراً نحن أمام المركز نفسه، في 1993، بلا أموال تغطي مصاريفه، فتُقفل فصول تتتابع وتترك بعد كل منها علامات استفهام لا يحاول أحد الرد عليها ولا حتى المساعدة في الرد عليها، وربما لأن الجميع يعرف أننا نعرف، وما تساؤلنا إلا من قبيل تجاهل العارف.

غير أن الكاتب يخشى (لسبب أو لآخر) أن نسيء الظن بالسيد عرفات، أو نتهمه بأن له ضلعاً في “نكبة” مركز الأبحاث بفقدان مكتبته ثم بخروج العاملين فيه وإغلاقه، فيروي لنا فصولاً من عناية السيد عرفات بالمركز واهتمامه بأمره لندرك فيما بعد، أي في نهاية المقال، أن الكاتب يستنجد بنخوة السيد عرفات لبعث مركز الأبحاث من جديد.

ففي العام 1994 صدر القرار رقم 20 عن السيد عرفات “رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية” باعتبار كل من مركزي الأبحاث والتخطيط في منظمة التحرير الفلسطينية تابعين لمكتب السيد “رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية” اعتباراً من 22/9/1994، ولا يلاحظ الكاتب، المبشر والمستبشر خيراً بهذا القرار، أنه يتضمن في ثناياه نزع الصفة الاستقلالية عن المركزين المذكورين التي كانا يتمتعان بها من قبل، والتي استطاعا الانطلاق والنجاح بفضل جهودها والتمسك بها والحرص عليها ومنع خدشها لأغراض فئوية أو فصيلية أو غوغائية أو مصلحية تتنافى في مراعاتها مع موضوعية المركزين ومصداقية سلوكهما وإنتاجهما.

وإمعاناً في السيطرة على مركز الأبحاث، كلف السيد عرفات باحثاً بإدارة المركز في عهده الجديد تحت إشرافه المباشر، وهو الباحث الذي دخل المركز حالة الغيبوبة في عهده في المرحلة الثالثة حين تجمد نشاطه لدرجة أن المركز لم ينتج من الدراسات في خمسة عشر عاماً (بيروت ثم قبرص) إلا عدداً ضئيلاً من الدراسات لا يتجاوز أصابع اليدين، وتحولت مجلة المركز التي عرفت من قبل بمستواها العلمي الرصين والرفيع إلى منبر للآراء الخاصة والتوجهات العرفاتية. فنزل عدد مبيعاتها من 17 ألف نسخة شهرياً إلى ثلاثة آلاف ولم تعد تصدر بانتظام. وبلغ عدد الباحثين الذين كانوا يستعملون مكتبة المركز (في قبرص) خلال أكثر من عشر سنوات أقل من الذين كانوا يستعملونها في بيروت في الشهر الواحد، كما روى لي أحد العاملين في المركز في عهديه في بيروت ونيقوسيا علماً أن تجديد المكتبة في نيقوسيا كلف مليون دولار.

 

قد يرى البعض في كلامي قسوة، وربما يرى آخرون فيه تحاملاً. حسبي في الرد على هذا الاتهام أن أنقل عن كاتب المقال الذي أستند إليه (وهو كما ذكرت آنفاً يقيم في حمى السلطة المهيمنة حالياً على المنظمة وعلى المركز، ومن المدافعين عنهما) روايته التالية: كان من أول إجراءات المدير الجديد/ القديم للمركز أن أمر بشحن مكتبة المركز في نيقوسيا إلى ميناء أسدود (وهو، بالمناسبة، يقع تحت السلطة الإسرائيلية المباشرة، ولا أفهم لماذا لم يأمر بشحنها إلى غزة بحراً أو براً). ووصلت المكتبة ولكنها “بقيت راسية في الميناء أكثر من عشرة أشهر” على حد قول الكاتب. ولم يتسلمها أحد. فاضطر “الشاحن إلى إشعار السلطة الوطنية الفلسطينية بأنه سيقوم بحرقها في حال عدم تسلمها، ولا ندري عن مصيرها شيئاً. هل احترقت أم ماذا؟ ذلك أن أحداً لم يتسلمها بعد”. أي في تموز 1996 وبرزت أثناء وجود المكتبة مهجورة في أسدود، كما يقول الكاتب، اجتهادات شتى حول الموقع الملائم الذي سيقيم فيه المركز.

يعيد التاريخ نفسه، ولكن هذه المرة تتكرر الوقائع في فترات متقاربة جداً. ففي 1983-1985 بقي السيد عرفات أكثر من سنتين يبحث عن مكان يقيم مركز الأبحاث فيه بعد نقله من لبنان. و”ضاع” بين عمان وبغداد والقاهرة وتونس والجزائر، واستقر رأيه أخيراً على قبرص لأسباب أجهلها. وتبقى مكتبة المركز اليوم في ميناء أسدود حوالي السنتين (1994-1996) ريثما يجد السيد عرفات المكان “الملائم” (أرجو ألا يختار، في نهاية الأمر، مدينة تل أبيب أو الجامعة العبرية في القدس).

هذه واحدة، والثانية أن مكتبة المركز الأصلية الشهيرة التي سطا عليها الإسرائيليون أعادوها “مشكورين”، بقيت في الجزائر سنتين ثم تبخرت وضاعت آثارها. وها هي مكتبة المركز المستجدة تقبع على أرصفة أسدود لحوالي السنتين ولا أحد يعلم مصيرها، وربما تكون قد أحرقت أو تبخرت أو قذف بها في البحر طعاماً للأسماك المتوسطية بعد أن تلكأت القيادة الفلسطينية في تقديمها مائدة فكرية وعلمية ممتازة لأهل العلم والثقافة والتخصص والباحثين عن المعلومات، وربما بلعها حوت آخر. ونحن، هنا في بيروت ومعنا كل العرب في العالم، “نأمل” مع كاتب المقال أن تكون المكتبة لا تزال في أسدود، علماً أن المرء يتساءل لماذا لم يذهب كاتب المقال، “الباحث الرئيسي” في المركز الحريص عليه وعلى محتويات مكتبته والساعي إلى إعادة تفعيله، إلى أسدود نفسها ليستعلم عن مصير المكتبة في مينائها وليعود إلينا ويطمئننا بأنها لا تزال حية أو ينعى إلينا مصيرها كما فعل مع مصير شقيقتها السابقة؟

بين المهزلة والمأساة خط رفيع، وهو الخط الرفيع نفسه الذي يفصل (أو يصل) بين النبوغ والجنون. وقد ضاعت معالم هذا الخط في ملف مكتبة مركز الأبحاث “والأحرى أن أقول مكتبتي المركز”، وكذلك في ملف المركز نفسه من بيروت إلى نيقوسيا إلى حيث هو الآن في مكان ما من فلسطين.

 

طبعاً لن تنتهي المهزلة – المأساة عند هذا الحد. فهي قصة منظمة التحرير الفلسطينية كلها. ولا تنحصر في ملف دائرة معينة، مهما كانت خطيرة مثل مركز الأبحاث. لكن هناك بين المحيطين بالسيد عرفات أو العاملين له أو معه أو المعجبين به (ولن أقول المنتفعين منه) من يرى في هذه القصة الواقعية حدثاً منطقياً معقولاً يحول دون اعتبارها مهزلة تضحكنا أو مأساة تبكينا. وبين هؤلاء “الواقعيين” كاتب المقال الباحث الرئيسي في المركز خمسة عشر عاماً.

إنه يتوجه بتلك الصفة “بكلمة مفتوحة إلى سيادة الرئيس ياسر عرفات الذي سبق أن قام برعاية هذا المركز واحتضان نشاطاته بعطف أبوي حقيقي، نتوجه إليه مجدداً، رغم معرفتي بتشعب مشاغله وثقلها، إلى إعادة فتح هذا الملف المهم وإعادة المركز إلى نشاطه المعهود”.

قد تضحك أو تبكي. وفي الحالتين تقرف”.

وجدت في نص الصايغ تجنياً عليّ وعلى الحقيقة، ورددت عليه في جريدة الأيام 8/6/1997 بمقال تحت عنوان: “مركز الأبحاث الفلسطيني رسالة مفتوحة، وأصداء من بعيد”

وهذا نصه:

“فوجئت قبل أيام بوصول صورة عن مقال عنوان “مركز الأبحاث والضياع المتواصل”، بقلم الدكتور أنيس صايغ، مدير عام مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت 1966-1976، والمقال منشور في جريدة “السفير” البيروتية بتاريخ 7/3/1997، وهو عبارة عن رد مطول على مقال بعنوان “مركز الأبحاث الفلسطيني، رسالة مفتوحة، وكلمة لا بد أن تقال” كنت قد نشرته في جريدة “الأيام” بتاريخ 21/7/1996. وفي الوقت الذي حاولت فيه، من خلال كتابة المقال، إبراز الدور الثقافي والحضاري للمركز، وأهمية نشاطاته، الإشارة بوضوح إلى إشكالية قائمة، وتلخص بوجود مكتبة مركز الأبحاث في ميناء أسدود، دون تخليصها، والإشارة بالتالي إلى عزم الشركة الشاحنة إحراق محتويات الحاويات، وهو ما علمته مباشرة من المدير العام للمركز الأستاذ صبري جريس، عند لقائي به في رام الله 5/3/1997، ولأسباب متداخلة، ومعقدة، لا مجال هنا لذكرها ومناقشتها، تعثرت أمور تسلم المكتبة، والشروع بإقامة صرح مركز الأبحاث العريق، والقائم فعلاً منذ 28/2/1965. ونظراً لهذا التداخل المعقد، وجدت، كباحث سابق في المركز 1981-1994، وكصحافي أيضاً، من الضروري أن أقوم بنشر رسالة مفتوحة عبر صحيفة “الأيام” ناشدت خلالها الرئيس ياسر عرفات التدخل لإنقاذ المكتبة التي بذلت وزملاء آخرين جهداً مضنياً في بنائها وشحن محتوياتها من بيروت إلى نيقوسيا، ومن ثم بناء ما يمكن بناؤه وهو ليس بالقليل. كما قمت في اليوم التالي لنشر المقال بالاتصال هاتفياً وشخصياً مع من توسمت بهم خيراً في هذا المجال، ومنهم المديرة الحالية لمركز التخطيط سلافة حجاوي، طالباً منهم التحرك من موقع المسؤولية في إنقاذ المكتبة وحفظها على أساس كونها نواة المركز، وضرورة فتح ملف المكتبة الماكثة في الجزائر منذ العام 1983، وإعادة تشكيل هيكله الإداري، وإصدار مجلته الشهرية “شؤون فلسطينية” التي لم تتوقف حتى أثناء الحصار الإسرائيلي على بيروت 1982، وحتى إبان الاجتياح الإسرائيلي لها.

وبفضل الرسالة المفتوحة وتحرك بعض المسؤولين تم إنقاذ المكتبة في أسدود وتركها وديعة في مخازن مركز التخطيط.

وبذلك، تحققت الغاية المرجوة من التحرك العلني، وأعطت الرسالة المفتوحة الغاية المرجوة منها، دون أن يكون لكاتبها غاية، سوى الغاية الأكاديمية الصرفة، وأصبحت هذه الحادثة جزءاً من ملف الماضي، على الرغم من أن هدف إعادة فتح مركز الأبحاث لا يزال غاية تحتاج إلى جهود وجهود.

وبعد ذلك بزهاء حوالي ثمانية أشهر جاءت مقالة أنيس صايغ، الذي عثر على مقالتي “بالصدفة منذ أيام، وكان قد نشر في إحدى صحف فلسطين المحلة قبل ستة أشهر”. ويا حبذا لو كان التواصل فيما بيننا قائماً لشرحت للأستاذ صايغ أهداف المقال ومراميه، وما الذي حققه، ويا حبذا لو كان التواصل قائماً لعرف الأستاذ الصايغ أهمية ما نقوم به، وبالطبع، لجاء مقاله مختلفاً وخالياً من التجني المتعمد.

ولعل الركيزة الأساسية في التجني تقوم الهدف الذي حدده الصايغ عندما عزم على كتابة مقاله. وهذا الهدف باختصار هو الهجوم على الاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي، وعلى السلطة الوطنية الفلسطينية، وبشكل خاص على رئيسها. وهذا الهدف، هو ذاته الذي سبق للصايغ أن كرسه في مقالاته السياسية طوال السنوات الأربع الماضية، وهو ما تبلور وتوضح في كتابه الشهير 13 أيلول، وفي الوقت الذي أخالف فيه الصايغ رأيه السياسي، فإنني لا أغمط حقه في التعبير وإبداء الرأي، وأرى في ما يكتبه، شأنه شأن المعارضين على تلاوينهم، رأياً آخر يستحق الاهتمام، لكن تحفز الصايغ السياسي جعله يشن هجومه اللاذع لتحقيق هدفه دون أن يراعي أهمية إعادة بناء المركز من جديد، ودون أن يرى حقائق ما يدور داخل الأرض الفلسطينية بشكل جاد.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، يأخذ الصايغ عليّ أنني عدت إلى الوطن، وكأن في ذلك نقيصة، ويقول في سياق مقاله: “وربما كانت إقامة الكاتب في رام الله، أي في ظل الحكم الإسرائيلي المستتر برداء “السلطة الوطنية” هي التي حملته على سرد الاعتداءات الإسرائيلية على المركز دون التركيز على الفاعل، وكأن الفاعل مجهول، وهو يذكر العدوان على المركز وقلما يذكر اسم المعتدي”!!

يا حبذا لو اطلع الصابغ على ما نكتبه بشكل شبه يومي عن الإسرائيليين وعدوانيتهم وعنصريتهم وذلك في إطار الاشتباك السياسي الحقيقي على أرض الواقع وميدانياً، لما ذهب إلى ما ذهب إليه. ويا حبذا لو شاركنا الصايغ صراعنا الراهن، لشعر بقسوة الصراع ومخاطره الميدانية الراهنة.

 

وفي سياق التجني الواضح، يقول الصايغ “يلفت نظرنا في المقال جنوحه نحو التبرير والتوسل، متجاهلاً حقائق لا تسمح بسرد الوقائع من دون ذكر مسببها، ولا تجيز التقرب من قيادة كانت تقف وراء مشاكل المركز، وكأن الكاتب يطلب الدواء من مسبب الداء”!!

وهنا يبرز تساؤل مشروع، فيما إذا كانت الحالة هذه، كيف قام المركز وكيف استمر نشاطه زهاء ثلاثين عاماً متصلة؟! وكيف استطاع الصايغ إدارة المركز وبنجاح مدة عشرة سنوات؟!

وفي تجن آخر، يقتبس الصايغ من مقالي، وبفرح واضح، ما يعتبره فضيحة مجلجلة، ويقول “حسبي في الرد على هذا الاتهام (التجني) أن أنقل عن كاتب المقال الذي استندت إليه وهو كما ذكرت آنفاً يقيم في حمى السلطة المهيمنة حالياً على المنظمة وعلى المركز، ومن المدافعين عنها روايته التالية: كان من أول إجراءات المدير الجديد/ القديم للمركز (صبري جريس) أن أمر بشحن مكتبة المركز في نيقوسيا إلى ميناء أسدود، وهو بالمناسبة يقع تحت السلطة الإسرائيلية المباشرة، ولا أفهم لماذا لم يأمر بشحنها إلى غزة بحراً أو براً”.

وبدوري لا أفهم كيف يطالب الصايغ بذلك، ويا حبذا لو يصير ذلك ممكناً في القريب العاجل، وهو ما نحاول ونقاتل من أجله!

ولا أود هنا أن أسوق التجنيات كافة، لأن ذلك يقتضي إعادة نشر مقال الصايغ كاملاً غير منقوص، من جهة، وعدم مناسبة ذلك، من جهة أخرى. ذلك أن دور الصايغ في بناء المركز هو دور أساسي ورئيسي، وهو ما أشرت إليه في مقدمة مقالي المذكور، إضافة إلى أن معرفتي الشخصية بحرص الصايغ الأكاديمي والعلمي وحرصه على أهمية البحث والكتابة تمنعني من التجني على دوره البارز حقاً. لكن ذلك لا يمنع مطلقاً من الإشارة إلى ضرورة الفصل بين الأمور، وتكريس الرأي السياسي للشأن السياسي، ومحاولة رؤية الأكاديمي في الإطار الأكاديمي، وعدم المزج بين الأمور.

ولعلي لا أبالغ قولاً بأن ما دفعني لكتابة رسالتي العلنية هو الوفاء لدور المركز، والعاملين فيه، ولشهدائه وجرحاه، وهو ما أتقاطع فيه مع قناعة الصايغ ودوره العلمي المتواصل.

إن حرص الصايغ الأكاديمي، في ظل ابتعاده القسري والطوعي عن دائرة الفعل السياسي المباشر، من شأنه أن يجعل تعبيره الحريص ما يشبه الصدى البعيد البعيد.

وختاماً، واستئنافاً لما تضمنته الرسالة المفتوحة بتاريخ 21/7/1996، فإنني أود أن أسجل بعض الملاحظات المستجدة وأبرزها:

– إن غياب المؤسسة البحثية في فلسطين رافقه غياب مماثل في الأوساط الفلسطينية في دول المهجر. وبالرغم مما سمعناه من بكائيات معارضة، فإننا لم نر محاولة جادة واحدة لتأسيس مركز بحثي فلسطيني قادر.

 

– لا يزال مركز الأبحاث الفلسطيني، وفقاً للهيكلية القائمة، مؤسسة من المؤسسات الفلسطينية، القابلة لإعادة التأسيس والبناء بعد توفير المستلزمات والأسس، وهذا الأمر مرهون، بدوره، بظروف معقدة، ويحتاج إلى المزيد من الجهود.

– بوصول مكتبة المركز من قبرص إلى أسدود، ومن ثم إلى غزة، خطوة مهمة في طريق إعادة بناء المركز.

– يبدو أن هناك سوء تصرف في مكتبة المركز، الآن، حيث يقوم بعضهم بالتصرف بمحتوياتها وتوزيعها على مؤسسات ومكاتب فلسطينية في غزة، الأمر الذي يستدعي، بالضرورة، وحفاظاً على الخطوة الأولى في طريق إعادة المركز، وقف سوء التصرف هذا، وإعادة ما تم توزيعه من محتوياتها، هنا وهناك، من كتب ودوريات، على اعتبار ذلك أمانة خاصة بالمركز، وهي شأن من شؤونه الخاصة ولا يجوز التصرف بها.

– وتجديداً للنداء القديم، الذي أخذه علينا الصايغ، نعود مجدداً بمناشدة القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس ياسر عرفات، لإعادة فتح هذا الملف مجدداً، رغم تشعب مشاغله وثقلها، وإعادة المركز لنشاطه المعهود، في وقت نحن فيه بأمس الحاجة لتراثه، ومعالجاته ومنشوراته وأبحاثه الخاصة، بقضايانا الراهنة والمعاصرة”.

شهادة وفاء لروح الشهيدة حنة شاهين – جريس

عرس في فسّوطة*

قبل شروعي في كتابة هذه الشهادة، حاولت أن أجد لها عنواناً ملائماً فلهم أجد. استرجعت عناوين عدة، ومقاطع من الشعر الشعبي، وصوراً وتلاوين، ولم أعثر – للأسف – على شيء يلائم هذه الشهادة الحية. وقررت توفيراً للوقت وللجهد في آن أن أشرع في كتابتها، ومن ثم أحاول وضع عنوان ملائم، لكن ما بحثت عنه قفز فجأة إلى خاطري، ذلك أن ما سأكتبه يدور عن حفل زفاف شعبي جرى في قرية “فسوطة”، شمال البلاد، قريباً من الحدود اللبنانية. جمع هذا الحفل برفق وحنان ما بين فدا صبري إلياس جريس، وراجي نور راجي شاهين. وفدا هي البنت الكبرى والوحيدة للأخ صبري جريس، العضو المؤسس في منظمة الأرض، ورئيس تحرير نشرتها “الأرض”، والمحامي الفلسطيني الذي ناهض السلطات الإسرائيلية خلال سنوات ما قبل حرب 1967 وبعدها، والباحث الفلسطيني المرموق في الشؤون الاسرائيلية، والمدير العام لمركز الأبحاث الفلسطيني منذ العام 1979.

وفدا، أيضاً، هي البنت الوحيدة للباحثة الفلسطينية في الشؤون الاسرائيلية، حنة شاهين، زوجة صبري، ورفيقة دربه الصعب وهي الباحثة في مركز الأبحاث الفلسطيني، الذي تعرض لعملية تفجير وحشي، سقط نتيجته ثمانية عاملين، كانت حنة منهم.

 

عندما تلقيت دعوة الأخ صبري، لحضور حفل كريمته في «فسوطة» شعرت بقشعريرة تنتابني، وبروح صوفية تتلبسني. وخلال لحظات، استعدت مشاهد ومشاهد. تذكرت العزيزة فدا، وهي تعود من مدرستها في بيروت. ظهر يوم 5/2/1983، وتسأل أباها عن سبب تأخير الوالدة، ويأتي الجواب مقتضباً وقصيراً إنها في المستشفى وستعود غداً، يطمئن الجواب الطفلة، وتذهب لدراستها.

كان صبري عند المساء متعباً، زوجته في ذمة الله، والمركز مدمر، والمخاطر تحيط بمركبه من كل جانب. كان صبري، عندها، صلباً وقادراً على تجاوز همومه الشخصية. وقف شامخاً في الكنيسة الأرثوذكسية في شارع الحمرا في بيروت، يتقبل التعازي، وبجانبه ولداه فدا وموسى. نظرتُ عندها في عيني فدا، وغطت الدموع عيني. تصورتها عروساً يوم الزفاف. وشعرت بمرارة الوداع. لم يدر في ذهني، ولو للحظة واحدة أنني، سأحضر الزفاف وفي “فسوطة” أيضاً.

فرحتُ كما لم أفرح منذ عشرين سنة على الأقل، عندما دخلت قاعة الأفراح في “دير الأسد” ووقع نظري على العروس بكل ما يحيط بها من البهاء والجمال. كان إلى جانبها والدها، وشقيقة حنة نجوى الأم الحنون لولدي أختها، وزوجها صبري. تنفست العبق الفلسطيني، وسرح نظري شمالاً.. إلى الجنوب اللبناني.

تذكرت الأحاديث المطولة عن “فسوطة” ودقائق الحياة فيها، تلك الأحاديث التي حدثنا فيها صبري جريس عن أيام طفولته وأوائل شبابه.

فجأة، ودونما مقدمات، ظهر أبطال قصص قديمة، كأنها من أساطير الأولين، ارتشفت من كأسي وتساءلت: هل أنا في حلم؟!

ها هي “فسوطة” قرية فلسطينية راسخة، العادات هي العادات، والتقاليد هي التقاليد، واللهجة هي اللهجة. هنالك حدود، وقرى حديثة مفتعلة كأنها نبت شيطاني زرعت غراسه عنوة.

فلسطينيو الجليل تمكنوا من العيش والاستمرار، وفي البقاء بركة. هنالك طوارئ ومستجدات، لكن الجذر هو الأقوى، في طريقنا نحو “صفد” كان صبري يشرح لنا جغرافياً عن الأرض والإنسان. هذه بقايا قرية عربية، وها هي “ترشيحا”، أين سنجد قرية “لوبية”، لا أثر لها، ها هي “جفعات بنئي” تجثم فوق بقايا “لوبية” بلا رحمة. ها هي “صفدنا” وهذه هي “صفدهم”، هذه هي “حيفانا” وهذه هي “حيفاهم.

تساءلت وأنا في طريقي من “فسوطة” عبر حيفا، وكرمل حيفا، أم الفحم، طولكرم، جنين، وبينهما يعبد حيث استشهد شيخ المجاهدين عز الدين القسام، ونابلس وصولاً إلى رام الله، تساءلت عن أي مصير سيحكم هذه الجغرافيا المتداخلة؟!

وهل تكفي الذكرى في التاريخ؟!

 

وهل تُغيِّر أكوام الحجارة، ودقة الهندسة، ولوحات الأسماء الجديدة، التاريخ والمستقبل؟!

[ نشر في “امين”، شبكة الانترنيت العربية، 13/6/2005 ]

 

 

 

Author: سميح شبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *